إن كنت ذكيًا فلِمَ لستَ سعيدًا إذًا؟

مساء الخير يا أصحاب،

بداية نقول أن العنوان من كلام نافال رافيكانت.

في مقال الأمسية سنتناول موضوعًا طرحته عليّ فتاة الفيغما: صالحة الكتاني. إن كنت مهتمًا بتعلّم أداة الفيغما فتابع حسابها.

سؤالها الأصلي كان:

مرة أخرى: أنت تعيش في عصرٍ غير مسبوق

تقول ليندي في أحد أعداد نشرتها البريدية أنه إن سألت الناس أي عصر يتمنون أن يعيشوا فيه لو وُلدوا فيه بصفتهم مواطنين عاديين يعني متوسط ما عليه المرء في ذلك العصر. فإن الإجابة الصحيحة ستكون هذا العصر. وأي إجابة أخرى الخطأ إليها أقرب من الصواب.
وتدعم ليندي كلامها بإحصائيات عالمية حيث يقول ماكس روسر أنه إن نظرت إلى المداخيل اليوم ستجد أن الدخل في أغنى دولة عام 1950 قريب جدًا من متوسط دخل الإنسان العادي في العالم اليوم وهو حوالي 15 ألف دولار.
واليوم المواطن العادي على هذا الكوكب غني بقدر غنى المواطن العادي في أغنى دولة عام 1950.
ويظل الأمر صحيحًا بالنسبة للصحة وعلى مستوى العالم كله، حيث أن متوسط فترة الحياة* في العالم اليوم 71 سنة. وهي أقل بسنة واحدة فقط من متوسط طول الحياة في أفضل بلاد للعيش عامَ 1950.

مختصر الكلام منّي: أنت بالنسبة للعصور السابقة مَلِك لكنك لا ترغب في تأمّل هذه الحقيقة. فأنت أقوى وأصح ولديك من وسائل الراحة أحسن مما لدى الملك شارلمان والإسكندر وجميع الفراعنة والأكاسرة والقياصرة… نعم! أنت أغنى من جون روكفلر!

هذا التقدم فأين السعادة تسأل؟

مرة أخرى تتابع ليندي لكن هناك شرخًا غريبًا في الطبيعة البشرية، ذلك أن الدخل ارتفع والصحة تحسّنت لكننا لم نتقدم من ناحية السعادة كما هو متوقع.
وتقول ليندي أن السبب في ذلك أصله أربع تيارات هي -بنظرها-:

  1. أصبحت العوائل (الأُسر) قائمة على مصدَرَيْ دخلٍ: للرجل والمرأة وتقول هنا أنه في زمن مضى كان عمل الزوجين معًا اختيارًا لكنه بعد أن انتشر ودُعم خلق فوقه اقتصادًا أصبح لا يرحم من يختار أن يعمل أحد الزوجين فقط.
  2. أسعار الأشياء المهمة في ارتفاع والأشياء المهمة هنا هي الدراسة الجامعية والرعاية الصحية والسكن وتكلفة إنشاء أسرة.
  3. انخفاض حاد لجودة أوقات تسليتنا وراحتنا.
  4. علاقتنا مع الزمن. انتهى كلام ليندي.

عودة لسؤال السيدة صالحة. فنقول بعون الله:

مشكلة العصر ليس الأمور المادية فحسب -وإن لا زال هناك مواضيع مادية وواقعية تنغّص العيش مثل الاحتباس الحراري والتفاوت المروّع بين الثروات وإلخ- بل هناك قلق وجودي كبير دفع بكثير من الناس إلى اعتماد اليوغا والفلسفات الهندية في حياتهم، وزيارة الأطباء النفسيين، والإيمان بنظريات المؤامرة، وبعث الفلسفات القديمة وذيوع صيتها، وتغيير الأديان والطوائف والهجرات وغير ذلك سعيًا نحو طمأنة أنفسهم وتهدئة أرواحهم التي لا تهدأ.

ما المشكلة بنظري؟

المشكلة بنظري هي كما قال الفيلسوف الفرنسي: بليز بسكال ذات يوم:

جميع مشاكل البشرية نابعة من عجز الإنسان على الجلوس منفردًا بهدوء في إحدى الغرف

هل هناك صلة قرابة بين إيفيانا بسكال والفيلسوف بليز بسكال؟

ومع أنه في عصر بليز لم يكن هناك ما يُمتّع المرء في غرفته لوحده. العالَم نفسه أضحى في غرف الناس الآن مع ذلك لا زالت المشاكل وأغلبها ذهني نفسي تقضّ مضجع الملايين من الأرواح المنهكة.

دعنا نفترض أن لحياة الإنسان عدة جوانب منها الاجتماعي والديني (الروحي) والماديّ والمهنيّ ووفق كل جانب سنضع توصيات بصفة نصائح لك تتبعها لتسعد.

الجانب العام: مفهوم السعادة

لا بد أن تحدد بنفسك مفهوم السعادة، واعلم أنه ليس بالضرورة أن تبحث عن السعادة أصلًا. ذلك أنه لتضمن ربحك لأي سباق: لا تشارك فيه أساسًا.

وفي رأيي وشخصيًا لما علمت أن الدنيا ليست دار قرار وراحة وأنه مهما بلغت فيها من رقيّ لن ترتاح فيها أقول لما علمت ذلك ارتحت. فالراحة في الدنيا في معرفة أنه لا راحة فيها. لذا أنا أغلب الوقت فعلًا سعيد مرتاح لعلمي بهذا.

لذا أخرج من رأسك فكرة

عندما ستحقق س سترتاح

فلو تزوجت لن ترتاح. ولو أنجبت لن ترتاح (بصورة مؤكدة)، ولو جاء الطفل سليمًا وكَبُر لن ترتاح، ولو كان ذرية صالحة لن ترتاح، (للمعلومات صلاحك لا علاقة له بقدر الراحة التي تنالها) وهكذا…

فلو تعلم يقينًا كما أعلم أنه ما من راحة سترتاح. لأني شخصيًا لست منزعجًا أنه عليّ أن أكتب كل يوم.

كذلك لا ينبغي عليك أن تنزعج من وجود عمل ينبغي أن تؤديه أنت كذلك كل يوم.

من المفترض ألا تُغنّي مع شيرين: جرح ثاني وهو قلبي لسّه طاب من الأولاني

في كلّ مهمة تتكرر معك.

فكما أنا أكتب يوميًا وأمشي يوميًا يجدر كذلك بالأمهات أن يطهين يوميًا. ولا راحة هناك.

أيضًا وصفة النجاح والسعادة هنا مهمة جدًا وتدعمها معظم الأديان والفلسفات وهي

أن تعمل العمل وتضع توقعات صفريّة.

وصفة النجاح والسعادة وفق يونس بن عمارة

ولذا ينبغي أن تُركِّز على الفعل وتنسى التوقعات. ولهذا أُمر المسلم بزرع فسيلة حتى لو قامت القيامة ومع القطع أنه لن ينتفع من تلك الفسيلة أحد؛ ومن لم يفهم هذا يُعلّق دومًا الفعل بثمرته. مع أنه من الواضح هنا أن الفعل مقصود لذاته. أي تزرع فسيلة لزرع فسيلة.

أنت تصنع المحتوى لأنك تصنع المحتوى وتعيش لتعيش. وتفعل الخير لتفعل الخير.

بقول هذا لا شيء يضيع البتة إن كنت مؤمنًا فكل شيء مُسجّل والحياة أي الدنيا ليست دار حساب. وأيضًا لا تؤجّل سعادتك للآخرة. فالسعادة خيار وقرار ويمكنك أن تسعد هنا وهناك في ذات الوقت.

الجانب الاجتماعي

معظم المشاكل الاجتماعية تأتي من فقدان المرء للذكاء الاجتماعي. فأنا أعرف أشخاصًا بطُلت خطبتهم بعد سنوات -ولا أدري لم استغرقت سنوات لكن ما علينا- لأنهم في آخر محادثة اختلفنا أين يعيشا. مع أن مكان العيش من المفترض في نظري أنه طُرح في الأيام الأولى أو على الأقل الأشهر الأولى.

وهذا مثال فقط. وما يوجد غيره أعظم لذا لا عجب من ارتفاع نسب الطلاق. لأن الزواج في عصرنا أصبح غالبًا هو الجمع بين أحمقين في الحلال لزيادة العالم سوءًا وإنشاء ذرية مُشردة. إلا من رحم ربي.

في هذه النقطة لتحقيق السعادة عليك باتباع المثل الذي يقول دارِهم ما دمتم في دارهم. واسمع للمجتمع لكن افعل ما تشاء، واختر شريك حياتك بعناية وحرص بالغين فالعزوبة خير من شريك السوء.

طالع أيضًا بهذا الصدد مقال: كيف تستخدم الذكاء الاجتماعي كأداة نافعة لعيش حياة طيبة كمستقل عربي؟

في حال أتقنت الذكاء الاجتماعي سخّرت المجتمع لخدمتك وارتحت من شرورهم.

الجانب الروحي

إن لم تعزز هذا الجانب فلن تجد أمامك إلا الطبيب النفسي. إن آمنت مثلًا بالدين الإسلامي وكنت تصدّق بما يقول. فإذن لا يجب أن تناقش مسلّماته من مثل أن الله لا يظلم أحدًا أبدًا؛ وتوصياته من مثل أن سورة الواقعة تنفي الفقر. فهناك احتمالان هنا. إما دينك كاذب والعياذ بالله وإما أنك فقيرُ الإيمان. فإن كنت في الأخيرة فلعله حان الوقت لتبدأ بسلوك شُعَب الإيمان وهي كثيرة: تذكّر متى آخر مرة أمطت فيها الأذى عن الطريق وكانت نيتك حاضرة؟

أنا لن أنصحك دينيًا هنا. ملخص الكلام واضح. دينك صادق لديكَ فصدّق به واجعله يتجلى في حياتك. شخصيًا أعتنق الدين الإسلامي وأعرف قطعًا أن الله ورسله لا يكذبون ولا يظلمون ولهذا أصدّقهم وأكذّب من يقول عكس ما يقولون. وهذا الأساس الديني يجلب الراحة واليقين.

إن كان دينك الذي تؤمن به يقول أن الكلام المقدّس يطمئن القلب ولم يطمئن قلبك فقد حان الوقت كي تذهب لطبيب نفسيّ يخدّرك بأدوية لا يتناولها رؤساء كبرى الشركات الصيدلانية التي لا تخاف الله ولا تلقي بالًا للإنسانية.

صدّق دينك وآمن به وطبّقه. أو عش مُخدّرًا. الخيار لك.

كلام قاسٍ أعرف لكنه الواقع. فاختر. أنا اخترتُ الأول ولم أتناول دواء أعصاب أو تهدئة في حياتي عدا الأسبرين.

الجانب المالي

لا بد أن تسعى في أقرب فرصة لرفع الأمية المالية (الجهل بشؤون المال وتسييره) عن نفسك في أقرب فرصة تتاح لك. اُكتب كلمة الثقافة المالية في تويتر وتابع ما يعجبك من الحسابات، تابع أيضًا حساب الأستاذ طالب بن طالب؛ اشترِ كتبًا عن الثقافة المالية وطالعها وتابع فيديوهات عن الموضوع.

ثم ماذا؟

طبّق كل نصيحة. من مثل ادخّر 10 بالمئة من دخلك وإن كان قليلًا للغاية وهكذا.

الجانب المهنيّ

اختر في البداية مهارة واحدة فحسب. وامكث معها لفترة حتى تتقنها وتحترفها. ثم تعلّم التسويق لأنه ليس خيارًا وسوّق لنفسك وأيسر طريقة للتسويق لنفسك دون مال: إنتاج المحتوى وأيسر طريقة له أن توّثق رحلة تعلمك لتلك المهارة التي تحدثنا عنها منذ قليل. ثم طبّق ما تعلمته علنًا ثم استمر في تعلّم التسويق.

التسويق ليس مهارة اختيارية هنا. ولن يكون. ذلك أنه يمكن أن تتخلى عن حلمك بكونك مبرمجًا لكن ليس لديك ترف أن تتخلى عن التسويق. وفي مقالي هذا فصّلت في موضوع كيف تسوق لنفسك فعليك به: كيف تُسوّق لنفسكَ؟ رحلة التسويق لا تنتهي: حتى شاهدُ قبرك -بعد طولُ عمرٍ- لافتةُ تسويقٍ للترحّم عليك

السعادة برنامج ذهني فثبّته في عقلك

أعرف أن كلامي هنا حتى لو كان له أثر فإنه كالثلج سيذوب مع أول لفحة من شمس الواقع، لذا ضع المقال في المفضّلة أو العلامات المرجعية وعد له كلما شعرت بالتخاذل، واستعمل حيلة التوكيدات واكتب ما يحفزك في أوراق وعلقها حيثما تراها دومًا؛ وافعل هذا فهذا ما نفعني: اُذكر الله فذكره أفضل مُعين لك على الشعور بالرضا وتعزيز اليقين لديك.

إنّ السعادة ليست بالقصر الباذخ وبعشرات البنين والبنات وجمال الشكل وحُسن الزيّ والبزّة وكمال الصحة.

السعادة خيار. وعندما تختارها يسهل عليك أن تتقن عملك وترقّي مهارتك التي اخترتها وأن تفعل الخير. وأن تكون إنسانًا صالحًا وكما قال سيدنا علي بن أبي طالب فيما هو خلاصة كلّ ما يمكنك أن تقرأه في الذكاء الاجتماعي:

خالطوا الناس مخالطة إن مِتم عليها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم

أرجو أن يكون المقال قد أعجبك وأجابك عن سؤالك. دمت بخير يا صالحة.

شاركوا المقال ولكم أجر أو اشتركوا في رديف ولكم أجران.


*يترجم المعجم الطبي الموحد average life expectancy بـمتوسّط مأمول الحياة


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: ما تعريفك للسعادة؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by MI PHAM on Unsplash

4 آراء حول “إن كنت ذكيًا فلِمَ لستَ سعيدًا إذًا؟

  1. يختلف تعريف السعادة من شخص لأخر، مثلا من يجدها في المال والأولاد ،الصحة والهناء،النجاح، الوصول الهدف…الخ، أما بالنسبة لي فسعادتي عندما ينجح أولادي. ويكن والداي راضيين عليا فرضاهم من رضا الله.

    Liked by 1 person

  2. أتفق بالمجمل مع المقال.. عندي أن السعادة هي الرضا وقد ينالها البر والفاجر والمؤمن والكافر.. الإيمان يقيم السعادة على أساس متين عند الشدائد والأزمات وعند تساؤلات الإنسان الكبرى في الوجود والمصير.. والأيمان (وفق المفهوم الإسلامي) له غايات أكبر من مجرد سعادة الفرد..

    ولذلك فالسعادة قد ينالها الكثير ممن لا يمتلكون البناء الفلسفي الصحيح ولم تكن حياتهم على المحك، ويسعدون في حياتهم لأنها كانت جيدة..

    وهناك من يمتلكون السعادة لأن فلسفتهم في الحياة بسيطة و(ربما ساذجة) لكنها متفائلة وغير متشعبة وعملية.. مثل كثير البسطاء في الأرياف وغيرها.. وهناك من يتشبع بالفكر العدمي أو الهدّام فبرغم الثقافة إلا أنها عامل في الإحباط واليأس..

    أضيف جانب مهم جدا.. وهو العامل الاجتماعي .. في أكبر دراسة عن السعادة في العالم، وجد الباحثون أن أهم عامل في السعادة هو استقرار الحالة الاجتماعية وعلاقة الناس بأهلهم وأصدقائهم مهما كان الناس فقراء ومهما كان المنصب أو النجاح الشخصي.. كثير من التعاسة هي انعكاس مباشر أو غير مباشر للعلاقات الاجتماعية..

    وهناك جانب في مدى سعادة هذه العصور يغفل عنه البعض وهو خصوصية كل دولة وعائلة.. فمن يعيش الأوضاع المأساوية في اليمن أو سوريا أو فلسطين أو غيرها.. فما الذي يهمه من زيادة المدخول أو زيادة الرفاهية.. بل تكون سببا إضافيا لتعاسته لزيادة الهوة والفارق بين رفاهية البعض ويؤس الآخرين..

    لذلك سيكون هناك تعساء مهما ازدادت الرفاهية وتحسّن الطب والتقنية ما دام هناك فوارق بين الناس وهذا الأمر سيكون لا محالة.. فالرضا في الموجود أساس في السعادة وهذا لا ينافي الطموح والسعي للأفضل..

    أخيرا أشير لسبب مادي إضافة للأسباب النفسية والروحية أن كثير من الأذكياء لهم نشاطات في المخ زائدة عن الحد الطبيعي مما يسبب لهم اختلالات في الهرمونات قد تؤدي للأمراض النفسية وربما تتطور الحالة للجنون، أو قد تسبب التعاسة من زيادة نشاط المخ المنهك لهم.. ولذا فالعلاج المادي والروحي أؤمن أنهما يسيران جنبا إلى جنب ويساعد كل منها الآخر..

    Liked by 1 person

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s