نحن بحاجة لنستشهد بمحتوى بعضنا البعض أكثرَ بكثير مما نفعلُ الآن

مساء السعادة،

اقترحت عليّ الأستاذة دليلة هذا الموضوع فشَكَر الله لها، دليلة مشتركة في رديف فاشترك أنت كذلك في رديف.

تغريدة الأستاذة دليلة

لننقل اقتراحها نصًا هنا ونكتب عنه بعون الحيّ الذي لا يموت:

ليس بالضرورة يكون لدي سؤال، لكن لدي شُكر خاص لك على ما تقدمه للعالم من محتوى فريد وأصيل ومثري للواقع والمواقع 🌷💜

ما رأيك، أن تكتب لنا عن أهمية قيمة الشكر وذكر أهل الفضل في العمل الحر بشكل عام والكتابة بشكل خاص😁

كتبت عن قبل هنا بشأن قوّة الشكر والحمد: في مديح الحمد والشكر والامتنان.

لكن بداية لنتحدث عن ظاهرة رديئة عامّة وهي أنك تتعب في إنتاج محتوى بنهاية المطاف يعمد الآخرون عن قصد لعدم ذكرك ولو من بعيد بصفتك صاحب الفضل فيه.

إن أحسست أن محتواك الذي تعبت في إنشائه لا يُستشهد به فلستَ وحدك

يمنحك الاستشهاد بمقالٍ أنشأته روابط خلفية تنفعك في تصدّر موقعك على محركات البحث فضلًا عن دفقة من السعادة تجتاح قلبك وتُسعد روحك؛ ويخبرك الناس وإستراتيجيو المحتوى: اصنع محتوى رائعًا وستحصل على روابط خلفية (أي ناس تشير لمقالك في مواقعهم).

لكن شخصيًا -وكثيرون غيري- أنشأوا بالفعل محتوى جيدًا جدًا مع ذلك لا تجد لهم ذكرًا في أي مواقع إلا ما نَدَر. هناك فعلًا حوارات أو استضافات أو ما شابه لكن لا استشهاد من آخرين بصورة تلقائية طبيعية وبعدد كافٍ وهذا يشعرك بمشاعر سيئة للغاية.

كنت أظن أن هذا متعلّق بي وحدي. فأنا كنت أتسائل: من غير المعقول أني بذلت جهدًا عظيمًا بعون الله في مقال معين عن موضوع ما. ومع ذلك يكتب آخرون عن الموضوع ولا يشيرون لما كتبته ولو عَرَضًا. هذا ما يُشعِرُ كاتب المحتوى بالإحباط والأسى وأنه في منطقة التجاهل.

الفكرة هنا تشتد إن أضفنا لها أن حتى المشاركات على الشبكات الاجتماعية قليلة. ناهيك أن يتكلم عن محتواك مؤثر أو صاحب مكانة علمية أو اجتماعية وإن نقدًا وليس مديحًا حتى.

طالع أيضا…

بصفتك كاتبَ محتوى لا تفعل هذا كي لا تُتهم بسرقة المحتوى

توصيات لئلا تظلم الناس ولا تُظلم في موضوع كتابة المحتوى

لست وحدك

لكن منذ بضعة أيام اكتشفت أني لست وحدي في هذا بعد قراءة مقال كتبه أحد كتّابي المفضّلين: إريك هويل (Erik Hoel) ونقتبس منه المقطع الذي يهمّنا هنا:

ماذا فعلت وسائل الإعلام وجعلتني أستشيط غضبًا؟ دعني أمنحكم بضع أمثلة عما أعدّه ممارسات لا مبرّر لها والتي هي ليست حوادث استثنائية إنما هي الممارسة الشائعة المنتشرة في قطاع الإعلام مجملًا.

أولها ممارسةٌ تقوّض أي مفهوم من مفاهيم أن غايتهم هي إبقاء قرّائهم مطلعين. وهذه الممارسة هي أنهم لا يشيرون (بروابط أو كلمات) لأي مصدر. أي أنهم لا يستشهدون بأي شيء.

على الإطلاق!

ليس هناك ذرّة ولا أقل من ذلك من الروابط أو الإشارات (بغرض الاستشهاد بها). وأنا لا أتحدث هنا عن مقال واحد أو بضعة مقالات بل فعلهم ذلك معظم الوقت في معظم ما تنشره وسائل الإعلام. دعنا مرة أخرى نأخذ هذا المقال الحديث الذي نُشر في صحيفة الغارديان (The Guardian) الذي يتحدث عن ورقة بحثية جديدة تظهر أن الاكتئاب الأرجحُ أن سببه ليسَ اضطرابًا في التوازن الكيميائي.

يتحدث المقال عن نتائج ورقية بحثية لذا قد تظنّ أن الورقة البحثية ذاتها قد يُشار لها -على الأقل- في مكان ما في نصّ المقال أو إن لم يكن رابط فمن المفترض أن يكون هناك استشهاد أو مرجع يشير إليها آخر المقال أو في حاشية سفلية.

لكن هل أشاروا حقًا برابط للورقة البحثية؟ هل أشاروا برابط لأي شيء أساسًا؟ لا.

بل بالكاد سيخبرونك باسم الدوريّة العلمية التي نشرت فيها الورقة البحثية. هذا ما يخبرونك به من معلومات وهذا يعني أنه لكي تعثر على تلك الدراسة لا بد أن تبحث في دورية الطبّ العقلي الجزيئي Molecular Psychiatry يدويًا، وتخمّن عمّا يتحدثون عنه ذلك أنهم لم يذكروا حتى عنوان الدراسة ولا رقم عدد المجلة.

لماذا وسائل الإعلام المرموقة مثل ذا غارديان تنجو بفعلتها عندما تنسخُ وتلصق؟ [نشرة The Intrinsic Perspective] التغميق مني

هناك مقال كأنه تعليق على مقال إريك كتبه صاحب نشرة داينو مايت (DYNOMIGHT) بعنوان نموذج عن “النسخ واللصق” الصحفي: لِمَ غالبية نِتاج وسائل الإعلام المرموقة متواضع؟ وهو ممتاز ويكشف عن أسباب فعل هذه المؤسسات الإعلامية لذلك وهي أسباب غير مُبررة طبعًا لكنها تثقّفك بشأن لم؟ مع بعض المعلومات النافعة الأخرى. وأوصيك بالاشتراك بنشرته لمنفعتها.

وتتميمًا للفائدة لنعرف ما هي copypasta.

ما هي copypasta؟

الكوبي باستا (copypasta) مصطلح يُستخدم في منتديات الإنترنت لوصف كُتلٍ نصيّة تُشارك على نطاق واسعٍ قابلة للنسخ واللصق دون تغيير يذكر عليها بغرض “حشرها” في سياق جديدٍ.

لماذا وسائل الإعلام المرموقة مثل ذا غارديان تنجو بفعلتها عندما تنسخُ وتلصق؟ [نشرة The Intrinsic Perspective]

نسب الفضل لأهله والقول لقائله وذكر المصادر خُلقٌ إسلاميّ عربيّ

ولو طالعت هذا المقال عزو النقول والاعتراف بالفضل عند علماء المسلمين في موقع الألوكة لسرّك تراثنا. ومن أمثلته نختار ثلاثة (وهو يعجّ بغيرها):

  •  الأصمعي (ت: 216هـ): « مِن حقِّ مَنْ يقبسك علماً أن ترويه عنه»
  • ابن عبد البر (ت: 463 هـ): « يقال: إن مِن بركة العلم أن تضيف الشيء إلى قائله»

« ومن النصيحة: أن تُضاف الفائدة التي تُستغرب إلى قائلها، فمَنْ فعل ذلك بُورك له في علمه وحاله، ومَنْ أوهم ذلك فيما يأخذه من كلام غيره أنّه له فهو جديرٌ أنْ لا ينتفع بعلمه، ولا يُبارك له في حاله، ولم يزل أهلُ العلم والفضل على إضافة الفوائد إلى قائلها، نسأل الله تعالى التوفيق لذلك دائماً ».

الإمام النووي (ت: 676 هـ) رحمه الله في «بستان العارفين»

7 أسباب مُحتملة لتجاهل الآخرين لمحتواك

ومن واقع تجربتي وكي نكتب عن اقتراح الأستاذة دليلة (كما ترى أشرت لمدونتها لما تضغط على اسمها) فإن من جملة أسباب عدم استشهاد الآخرين بمحتواك حتى لو تعبت فيه:

  1. عدم وصولهم إليه (لا تتصور أن الجميع يستخدم فيدلي ويتابع ما تنشره. الكثيرون يعيشون في فقاعة معلوماتية لا يخرجون منها ولا يصل إليهم ما تكتبه وهم غير مشتركون في نشرتك أو نشرة موقعك)
  2. نقص التواصل بين منشئي المحتوى العرب
  3. ضعف التسويق من قِبل منشئ المحتوى وانطوائيته وخوفه من الانفتاح على الآخرين وندرة التواصل معهم
  4. غياب ثقافة شكر صاحب الفضل وثقافة نسبة الأقوال لقائليها وثقافة ذكر المصادر
  5. الجهل بكيفية الاستشهاد والاقتباس الصحيحة وإدراج الروابط فالكثير ينقل بجهل غير قاصد تجاهل المصدر لكنه لا يعرف كيف يذكره أو يشير إليه
  6. التكبّر والحسد
  7. تضخّم الأنا والنرجسية بحيث يظن المرء أن ذكر غيره سيؤثر على سمعته ويُخفت بريقه وإن قليلًا في حين هو -يا عيني- الشمس الذي تسطع على العوالم بالجمع وليس عالمًا واحدًا فحسب

طالع أيضا…

ونختم بعلاج ناجع لكل الأسباب سالفة الذكر مرتّبة وهي:

  1. لا بد من نشر ثقافة الانتقاء وتفجير الفقاعات المعلوماتية، وبثّ معلومات كيفية استخدام أدوات الانتقاء مثل فيدلي، ميل برو، وكولَيتد وتطبيق كين من غوغل وغيرها مما يرفع من حظوظ اكتشاف صنّاع محتوى يتعبون في إنشاء محتوى فائق الروعة
  2. تعزيز كل مبادرات التواصل بين منشئ المحتوى العرب. من:
    1. ندوات افتراضية وواقعية
    2. مؤتمرات
    3. مساحات كورا وتويتر ومجموعات تلغرام وفيسبوك صوتية ونصية ومرئية
    4. مجتمعات رقمية ونوادي واقعية
    5. التعاون والشراكات والتسويق المتبادل وما إليه
  3. تعلّم التسويق والتواصل الفعّال
  4. تعزيز ثقافة الشكر بإنشاء لوحات امتنان وشكر وتكثير الهدايا بين منشئي المحتوى
  5. تعلُّم كيفية الاقتباس وإدراجه وتنسيقه والاستشهاد وذكر المراجع وإدراج الروابط وتنسيقها
  6. التوبة والاستغفار والإكثار من الطاعات والتصدّق والدعاء
  7. معرفة المرء قدره وحقيقته وممارسة ما يبثّ في قلبه التواضع والخضوع

هذا ما لدينا اليوم، إن أعجبك المقال شاركه ولك أجر؛ أو شاركه -وانسبه لي 😉- واشترك في رديف ولك أجران!


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: هل تنسب كل قول لقائله قدر المستطاع وتتحرّى في ذكر المصادر وشكر الناس؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by freestocks on Unsplash

5 آراء حول “نحن بحاجة لنستشهد بمحتوى بعضنا البعض أكثرَ بكثير مما نفعلُ الآن

  1. كالعادة أستاذة يونس، تنورنا وتعلمنا وتلفت انتباهنا لهفواتنا وما تعمدنا فعله.

    عن نفسي أعترف أنني سألت عن موضوع الإشارة وذكر الآخر بعد اتهام جد قاس بالسرقة وأنا كنت صاحبة السؤال في مقال “بصفتك كاتبَ محتوى لا تفعل هذا كي لا تُتهم بسرقة المحتوى”.

    ومن يومها وأنا أتعلم منك، سواءً في حصص رديف أو حتى من خلال تدويناتك.
    جزاك الله ألف خير، وبارك بك وحولك وفيك، وجعل كل حرف في ميزان حسناتك 💜🌷

    Liked by 1 person

  2. الحقيقة أنني تعلمت منك هذه الميزة وأمارسها قدر المستطاع.. وأذكر أنني أشرت أنني استلهمت من مجموعة معينة فراسلني صاحبها وشكرني وشعرت بسعادته أنه عمله كان له أثر طيب..

    Liked by 1 person

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s