تجربتي في العمل الحر بعد أكثر من 10 سنوات: الجوانب النفسية والمادية والاجتماعية

مساء الأنوار،

اقترحت عليّ الأستاذة شروق بن مبارك هذا الموضوع فبارك الله فيها.

لننقل سؤالها نصيًا هنا ونجيب عليه بعون الله تعالى:

احكيلنا عن تجربتك بعد العمل لسنوات كمستقل عبر الانترنت من كل الجوانب النفسية، المادية والاجتماعية

موضوع جميلٌ حقًا، وسأحكي بعون الله عن تجربتي في العمل الحر بعد أن قضيت بحمد الله أكثر من عشر سنوات فيه.

المراحل النمطية للمستقل على الإنترنت

غالبًا ما يمرّ أي مستقل يرغب في “الربح من الإنترنت” بهذه المراحل الثلاثة:

مرحلة الاستكشاف

وهنا يبحث المرء عن الربح السريع دون بذل مجهود، لأن المسوّقين المحتالين للأسف يسوّقون لمنتجاتهم وفق هذا المفهوم: دون خبرة وبمجرد الاتصال بالإنترنت وبعمل ساعة فقط يمكنك تحقيق كذا دولار؛ ولذا يقع معظم الناس في هذه المرحلة في الاحتيالات وما يضيّع الوقت. من ذلك:

  • اختصار الروابط والربح منها
  • التسويق الشبكي والاحتيالات الهرمية والتسويق متعدد المستويات
  • ربح نقاط من أسواق زيادة المشاهدات والمتابعين حيث تتابع أناسًا لا تهتم لهم وتربح نقاط يمكنك إنفاقها في زيادة متابعيك على المنصة التي ترغبها أو بيع تلك النقاط لآخرين مقابل المال
  • العملات المشفّرة الهرائية -ليست كل العملات المشفرة هرائية لكن كثير منها كذلك
  • التسويق بالعمولة الهرائي – ليس كل تسويق بالعمولة هرائي لكن هناك منتجات لا قيمة لها ولا تستحق أن تُسوّق
  • مشاركة مساحة تخزينك على حاسوبك وربح المال أو مشاركة اتصالك بالإنترنت وربح المال
  • أسواق أداء مهام مثل حلّ الكابتشا ووضع تصنيفات على الصور وما شابه مقابل سنتات

بعض هذه الطرق تأتي لك بسنتات لكنها لا تكفي لسداد الإنترنت فضلًا عن منحك حياة كريمة.

بعد أن يجرّبها المرء لفترة ويكتشف لا جدواها ويضيّع وقته عليها. ينتقل إن وفّقه الله تعالى للمرحلة 2 وهي:

مرحلة تعلّم مهارة والتربّح منها

هنا يبدأ المستقل في تعلّم مهارة مطلوبة في السوق، وإتقانها لحدٍ بعيد وطرح خدماته على إحدى منصات العمل الحرّ ومن ثَم الربح منها. وهي رحلة طويلة لكنها مجزية لأغلب من جرّبها لأن المهارة المكتسبة لا تذهب ومن تابع تطويرها انفتحت له آفاق عظيمة.

وبما أنك تقرأ هذا وكي لا تتكبد عناء البحث عن أهم المهارات المطلوبة في السوق الآن فإليكها من إجابة لي على موقع كورا عن سؤال مفاده: أعلم أن العمل على الإنترنت يتطلب جهداً، لكن أود أن أعرف، من أين أبدأ؟ ما هي المجالات التي ستجلب لك دخلاً لائقًا وتبقى معك لفترة أطول؟

المجالات الواعدة حاليًا:

لا يوجد لدينا نحن العرب حسب علمي تحليلات للتوجهات السائدة للمطلوب في السوق مع ذلك قام شادي هلون بعمل مميز في تحليل أحد أكبر أسواق العمل الحر في الويب العربي (خمسات) وخَلُص إلى أن هذه الثلاثة مجالات هي الأكثر طلبًا وهي مُرتّبة حسب أكثرها طلبًا:

  1. خدمات البرمجة والتطوير
  2. خدمات التسويق
  3. تعديل الفيديوهات والموشن جرافيك

ووفق هذا وبما أن خدمات البرمجة والتطوير هي الأكثر طلبًا أوصيك بالانخراط في إحدى دورات أكاديمية حسوب لأنها توفر لك عملًا مدفوعًا وشهادة معتبرة بعد إنهائها، والمراجعات لمن انخرطوا فيها مشجعة دورات تعليمية – أكاديمية حسوب.

وللأسف ها هنا يظل معظم المستقلين. فيرون أن ما يجنونه من مال:

  • متذبذب ومتقلب
  • هناك أشهر بدون عمل
  • لا يستطيع التعويل عليه كمصدر دخل قارّ

مع أنه لو أكملوا المسيرة للمرحلة الثالثة لأصبح العمل قارًّا والدخل مستقرًا وتدفق العملاء والأموال غير متذبذب بل فوق الحاجة حتى مما يستدعي المستقل لأن يتحول لصاحب عمل تجاري ويفكّر بذهنية صاحب المؤسسة.

مرحلة التحوّل إلى صاحب عمل تجاريّ

الجميل أني كتبت عن كيفية ذلك بالتفصيل في مقالات سابقة أهمها:

وموجز الأمر هنا: أن تتحول من فكرة بيع الخدمات المستنزفة للوقت إلى بيع المنتجات والتفكير بذهنية صاحب عمل تجاريٍ ورائد أعمال لا بذهنية مستقل. لأن المستقل سلعة مثلها كثير في سوق العمل ومنصات الخدمات المختلفة. أما عن طريقة فعل ذلك بالتفصيل أي التحوّل من مستقل لصاحب عمل تجاري فهي في المقالات أعلاه. فعليك بها.

والآن إلى:

تجربتي بعد العمل لسنوات بصفتي مستقلًا من الجانب النفسي والماديّ والاجتماعي

تمهيد

مررت بكل المراحل التي ذكرتها أعلاه وأنا الآن والحمد لله في المرحلة الثالثة. وأدعو كل من هو في المرحلة 2 أن يتحول لصاحب عمل تجاري ولا يبقى في تلك المرحلة.

لمن يريد التعمّق في تجربتي ومطالعة قصتي فليقرأ: رحلتي من جحيم البطالة والتيه إلى فردوس العمل الحر ووضوح الرؤية وليستمع أيضًا لحلقتي مع الأستاذ فرزت: الموسم 02 الحلقة 04: التجربة مع يونس بن عمارة

الجانب النفسيّ

الجانب النفسي للعمل الحرّ مُجزٍ للغاية. فغالبًا أنت لست مضطرًا لركوب الحافلة للعمل أو التنقل له بالسيارة ولا مقابلة الأوباش ولا مخالطة البشر إن لم ترغب بذلك.

مع ذلك إن لم يكن لديك حمية غذائية ورياضية ومعلوماتية فقد تضرّ العزلة بنفسيتك وتتعبك. لذا حاول الموازنة فلكل شيء إيجابيات وسلبيات.

بالنسبة لي شخصيًا العمل الحر متوافق كثيرًا مع نفسيتي لكنه لا يعلمك الانضباط لهذا نصحت المستقلين العرب أن يعملوا لدى شركات بصفتهم موظفين ولو لفترة من الزمن. ذلك أن هذه التجربة تعلّمهم الكثير من الأمور الإدارية والمهارات اللازمة لسوق العمل الحالي وغير ذلك وكتبت عن ذلك بتفصيل في هذا العدد من نشرتي البريدية فعليك به: لماذا على المستقلّ العربي العمل بصفة موظفٍ لدى الشركات لبعضِ الوقت؟

الجانب الماديّ

يسألني كثيرون: هل العمل الحرّ سيحقق لك دخلًا يكفي لفتح منزل ورفد عائلة؟ الجواب نعم كبيرة وغامقة وتحتها سطر.

مثل هذه:

نعم

أما سبب لماذا كثير من المستقلين يعانون في ذلك فلأنهم للأسف يعانون من الأمية المالية. حتى لو كنت مصمم غرافيك موشن ودخلك مرتفع إن كنت أميًّا ماليًا فستكون دائمًا مفلسًا.

الأمية المالية لا علاقة لها بالعمل الحر. هي جهل لا بد أن يُرفع. أيًا كان مجال عملك. وأخبرتك الآن أن سبب عدم نجاح الكثير من المستقلين ماديًا هو الأمية المالية إجمالًا لكن هناك سبب آخر كذلك نابع من الأمية المالية كذلك ألا وهو: أن معظم من رأيت من مستقلين يعامل ما يجنيه على أنه ربح صافٍ إضافيّ ويتكأ في مأكله ومشربه وإقامته على أبويه. وهذا خطأ فادح.

أيضًا العقلية التجارية مفقودة. إذ لا يأخذ المستقل عمله على محمل الجدّ ولا يستثمرون في المعدّات الخاصة بعملهم وما شابه مما يجعل أعمالهم عشوائية أشبه بالهواية وهنا يصدق ظن المحيطين به أن هذا العمل غير مجدٍ ولا يفتح بيتًا.

لكنه في الحقيقة مع:

  • الذهنية الصحيحة لإدارة الأعمال
  • محو الأمية المالية
  • ترتيب شؤونك والاستثمار في النفس وفي عملك

ستتمكن من جمع المال للزواج، وللسفر، ولتربية الأبناء ولشراء سيارة وحتى بيت مستقبلًا ورفد عائلتك الصغيرة باستمرار.

في حالتي الشخصية يمكنني بفضل الله رفد نفسي ماديًا وحتى 3 أو 4 أشخاص آخرين مع سداد الكراء وفاتورة الكهرباء وكل مصروفاتي الخاصة من الملابس للأكل. وبأريحية. المختصر: يمكنني فعليًا الآن رفد عائلة مكونة من 3 أشخاص بأموال العمل الحر لوحدها.

مشكلة العمّال الأحرار الآخرين أنهم لا يصدّقون أن هذا ممكن بسبب بقائهم في المنزل. لا أحد فعلًا سيصدق هذا ما دام السقف الذي فوق رأسه يدفع ثمنه غيرك.

ما يصعقك كذلك هو أن هناك أشخاصًا وبعد أن ذاقوا حلاوة العمل الحر وكسبوا منه عادوا للجامعة وصفوفها يدرسون لكي يأخذوا شهادة. وهذا الفعل -إن لم يكن الشخص مضطرًا له لسبب قاهر- عدمُ فهمٍ كليٍ للعمل الحر وما هو.

العمل الحر مستقر إن حوّلته لعمل تجاري مثله مثل أي عمل تجاري آخر. يمكنك أن تؤمن نفسك في شركة تأمين وتسدد الأقساط الشهرية ويمكنك الادخار لدى نفسك أو أي بنك تثق به وتكوين صندوق للمصاريف الطارئة. والعيش حرًا طليقًا معززًا.

الجانب الاجتماعي

في البداية لن يفهم من حولك ماذا تفعله. حتى تبدأ في:

  • الاستقلال المكاني عنهم. وهو أهم نقطة تفعلها في حياتك بصفتك مستقلًا
  • الاستقلال المادي الكليّ عنهم

مجرد هذين الاستقلالين يبثّان إشارة لمن حولك أن عملك جاد. بغض النظر فهموه أم لا. فهم لا يرونك تخرج أكياسًا سوداء بها جثث من المكان الذي تعمل فيه بعيدًا عنهم.

كما كتبتُ مرارًا من قبل يفتقر كثير من المستقلين العرب إلى الذكاء الاجتماعي. فهم يمكثون في بيوت والديهم أطول مما هو مرغوب وهذا يجعلهم لا يأخذون عملهم الحر على محمل الجد.

لكي تكتسب مَلَكة الذكاء الاجتماعي طالع هذا المقال: كيف تستخدم الذكاء الاجتماعي كأداة نافعة لعيش حياة طيبة كمستقل عربي؟

لو كنت مثلي هناك كراء تسدده آخر كل شهر وفاتورة كهرباء كل 3 أشهر وغيرها من المصاريف والفواتير. ستأخذ فعليًا عملك على محمل الجد وتطوّره فيتطوّر. لكن ما دام الحليب والقهوة وقارورة الماء يأتي بها الوالد فهنا مربطُ فرسِ المشكلة كلها.

وقبل أن تعترض حتى أقول لك: لا. إعاناتك المالية الضئيلة بين الحين والآخر لهم لا تكفي.

بعد أن:

  • تستقل عنهم مكانيًا
  • تستقل عنهم ماديًا
  • تمنحهم المال والمعونات وتخدمهم من بُعد

ستكون أفضل أبنائهم بل وحتى أعزّ الأصدقاء لأصدقائك ومعارفك؛ فأنت تساعد وتعاون ومحبوب ولا تبخل. وحتى إن لم يفهموا عملك فأهم شيء يعرفونه: أنك لا تأكل حرامًا وتدير عملًا شرعيًا وتفعل الخير.

شكرًا أستاذة شروق بن مبارك لسؤالك. إن أعجبكم المقال شاركوه ولكم أجر؛ أو شاركوه واشتركوا في رديف ولكم أجران.


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: هل أنت متفرغ للعمل الحر؟ وإن لا فما الذي يمنعك من ذلك؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by Bench Accounting on Unsplash

4 آراء حول “تجربتي في العمل الحر بعد أكثر من 10 سنوات: الجوانب النفسية والمادية والاجتماعية

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s