لماذا التركيزُ على “الفكرة” وليس “القائل” سيؤدي بك لحائطٍ إسمنتي في مُعظم الأحوال؟

ملخص المقال في نقاط:

  • الكلام الذي لا تعرف مصدره هو غالبًا لا قيمة له. إلا في حالات استثنائية. وهي نادرة.
  • التركيز على “ما قيل” وعلى “الفكرة” فقط في عصرنا كفيل بأن يستنزف كل ما لديك من وقتٍ وجهد. ويتركك لم تُنجز ولا شيئًا في حياتك.
  • لماذا من المهم معرفة مصدر الكلام والأفكار؟ لتقييم المصدر. وعدم إضاعة الوقت في بحث فكرة من مصدر غير مؤهل لأن تنفق عليه 3 دقائق وراء بعضها.

سلامُ الله عليكم.

يقولون لك: خُذ الفكرة. لا تُركّز على القائل. لا تُشخصن. وانقد الفكرة فحسب.

أنا مع عدم الشخصنة لكن بقية القضية خاطئة.

وتعريف الشخصنة لديّ كي تتضح الأمور لك هي ألا تمسّ الشخص من ناحية شكله وهيئته وخَلقه. وباختصار: ألا تمسّه من ناحية ما لا يد له فيه. أما:

  • من يمولّه
  • تصرفاته وسجلّه الإجرامي إن وُجد (مع قبول التوبة إن حدثت)
  • أخلاقه

فهذه لا علاقة لها بالشخصنة. من المهم أن تتحقق أن من “ينير فكرك” و”يسليك” يحسّ بالفعل بالناس في العالم. لأن من يجلس في الرفاهية ويقول أنا أسلّي العالم. أسأله:

هل العالَم بالفعل محتاجٌ للمزيد من التسلية؟ لا سيما العالم العربي. ألا يكفي أننا أضحوكة بين شعوب العالم؟

ومن يختبئ وراء الشاشات ويزعم أنه يفضح المحتالين نسأله:

فلربما أنت محتال كذلك؟ فمن أنت؟ ثم لماذا تترك المحتالين الكبار في البلاد وتجري وراء الصغار ألا تعرف كيف توازن أولوياتك؟

قد تسأل لماذا التركيز على الفكرة سينتهي بك لحائط إسمنتي صلب؟

لماذا؟ وأجيبك لأن:

  • من يعمل في فيينا مثلًا وأموره طيبة في نظري لا حاجة لك لعلمه لأنه علم غير نافع في الغالب وغير عملي.
  • من يجلسُ على كراسي مُذهّبة ويتجشأ كل ثانيتين ويدير مراكز علمية بزعمه وتحتاج ملايين لإدارتها. لا حاجة لك بعلمه.
  • ذاك التافهُ صاحب قناة Estranged Intellectual بدل أن يعلّم الناس كيف يعدّون فيديو بحيث تتكون لهم مهارة يتمكنون من بيعها وجني المال أو يعلّمهم أي مهارة أخرى نافعة. يضيّع ألوف الساعات على الشباب بهرائه.
  • من يحلل لنا أوضاع أوكرانيا الآن وفوق مكتبه إناء خزفيّ تساوي قيمته رواتب 5 أشخاص ممن يتابعونه. لا حاجة لك لتحليله.

جميع من سبق: أناس هُرائيون، يقتاتون على الاتجاهات السائدة، وهدفهم أن يشتهروا ومن ثَم يكوِّنوا لأنفسهم خرفانًا وأموالًا.

العلم في السابق كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بعدالة الشخص وورعه. لا سيما العلم الشرعي. لأن خللك في السلوك يعني غالبًا وفي 99 بالمئة من الحالات عدم أهليتك لأن نُصدّق ما تقول. بغض النظر عن الفكرة. بل حتى لو قلتَ “لا إله إلا الله” فهي كلمة وفكرة صحيحة خرجت بتوجيهٍ باطلٍ.

حتى الفلسفة كانت سلوكًا في عهد الفلاسفة الأوائل مثل سقراط وما قبله وما بعده بقليل؛ ولم تصبح تنظيرًا إلا لما أصيبت أوروبا بالجنون وولدت لنا كائنًا مشوّهًا لكنه لطيف المنظر اسمه ما بعد الحداثة الذي كبر ورُزق مولودًا اسمه ما بعد بعد الحداثة.

ودليل أن الفلسفة أصبحت ترهات: هايدغر ودعمه للنازية مثالًا. هيغل أخرجت لنا كُتبه ماركس. ماركس أنتج لنا اشتراكية قتلت الملايين.

نحن نعيش في عصر من قرأ 3 صفحات في الفلسفة أصبح يعدّ نفسه فيلسوفًا. ومن عرف 3 كلمات يتصدّر ويصبح خبيرًا في مجاله.

إن الفلسفة سلوك وحريّة وإن تمثلتها بصورة صحيحة لم تحتج لقراءة الكتب أساسًا ولا حتى تلك الصفحات الثلاثة.

لذا لا يمكنك أن تكون فيلسوفًا وأنت تُدرِّس الفلسفة لأن فلسفةً لا تستطيع انتقاد مدير جامعة: ليست فلسفة بالتالي لن تُخرِّج الجامعات قط مفكّرين أحرارًا. لأن حريتهم لها سقف أعلاه مُحدد براتب تدفعه الجامعة أو الوظيفة.

من ثَم لا ضرورة لقراءة الفلسفة الأكاديمية.

في هذا السياق. دعنا نعرّج على نيتشه. وهو إنسان غير مُوفّق لا حيًا ولا ميتًا وقد دعمت كتبه أفكارًا متطرفة رغم محاولة الكثيرين الآن إنقاذه من هذه الشبهة الفلسفية.

البعض يقول أن أخته هي من غيّر أفكاره نحو دعم النازية وما شابه من فِكر.

المعلومة الأخرى التي لا يخبرونك بها عن نيتشه هي أن أخته هي من كانت تصرف عليه.

ومن يدفع لك المالَ بصورة تجعلك معتمدًا في حياتك عليه: فإنه هو من يحدد مسارك الفكريّ.

وهذه هي حجتي بالضبط.

لا بد أن نعرف بصفتنا جمهورًا إن كنت مرتزقًا أنك مرتزق. ثم سنركز على الفكرة لا مشكلة.

تركيزك على الفكرة، وهو شيء دعوت لعدم فعله مرارًا إذ عدالة الشخص مهمة وسؤال “من يصرف عليه” موافق للمثل الإنجليزي “اتبع المال إن كنت تود معرفة السبب”، أهم حجر في صرح الفكر النقدي.

ينخدع الناس بالمظاهر: سيارات، مونتاج ممتاز، صوت جميل، حُسن شكل…

لكن الذي يحيرني من سنوات -ولا يزال- هو: لماذا لا يسأل متابعو هؤلاء السؤال البديهي:

هل سأظل فاشلًا ولم أحقق شيئًا في حياتي وأتابع ‘صانع المحتوى’ هذا وهو أموره منتظمة؟ أم سأعمل قلبًا وأتعلم بايثون وأعمل عن بعد؟

في عصرنا هذا لا بد من تفعيل نمط التفكير النقدي. لأن الأفكار أصبحت من الوفرة بحيث ستضيع وقتك وتعطّل عملك.

من يقول ركّز على الفكرة يبدو أن لديه من الوقت ما يجعله يفكّر بهذه الطريقة.

لو ركّزنا مثلًا على أفكار من مثل:

  • هل الأرض كروية بالفعل أم مسطحة؟
  • هل نحن نعيش في محاكاة؟
  • هل مكة في السعودية أم الجزائر؟ (ابحث بكلمة أين الكعبة الحقيقية وسترى طنًا من الهراء)

لن نفعل شيئًا في حياتنا. ذلك أن هناك قانونًا اسمه قانون براندوليني وهو كما يلي:

يُعرف قانون براندوليني أيضًا باسم مبدأ لا تناظر الهراء (bullshit asymmetry principle)، وهو قول مأثور على الإنترنت يؤكد على صعوبة كشف المعلومات المُضللة والخاطئة وتلك المُتذاكية. وينصّ على أن مقدار الطاقة المطلوب لدحض الهراء يفوق مقدار الطاقة اللازمة لإنتاجه.

ما هو قانون براندوليني؟

بعبارة أخرى: دفع الهراء ودحضه يتطلب:

  • حريرات كثيرة وهذه تأتي من الطعام والطعام غير مجاني
  • وقتًا والوقت مال في عصرنا

لذا معظم الأفكار لا تحتاج أن يُردّ عليها لقدرة كل شخص على قول ما يشاء والتفكير بما يشاء.


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: هل تهتم لقائل الكلام أم لا ولماذا؟


تحديث بتاريخ 02 مارس 2022:

مما يدعم هذا الاتجاه: أي أهمية المصدر في الثقة بالمعلومات. ما يدعى «تأثير آينشتاين». ونقرأ عنه:

تزداد احتمالية تصديق الأشخاص لادِّعاء مبهم إن صدر عن أحد العلماء، عنها حال صدور الزَعم نفسه عن مُرشد روحاني…

ووجد الباحثون أن المشاركين في الدراسة، بغضّ النظر عن البلدان التي ينحدرون منها أو مستويات تديُّنهم، رأوا في العبارات الفارغة المنسوبة للعلماء من المصداقية والموثوقية ما فاق نظيراتها التي قيل إنها جرت على ألسنة قادة روحانيين. وقد أطلق الفريق البحثي على هذه الظاهرة اسم «تأثير آينشتاين»، وأشاروا إلى أن تأثيرها يصبح أضعف على المشاركين الذين أعربوا عن كونهم أصحاب معتقدات دينية راسخة.

كما أشارت نتائج البحث إلى أن الأشخاص يجتهدون لفهم فحوى الرسائل المُبْهَمة حال ثقتهم في مصدرها.

العلماء أكثر مصداقيةً [NATURE الطبعة العربية]

حقوق الصورة البارزة: Photo by Moritz Moser on Unsplash

4 آراء حول “لماذا التركيزُ على “الفكرة” وليس “القائل” سيؤدي بك لحائطٍ إسمنتي في مُعظم الأحوال؟

  1. حقيقة أحيانا أهتم لقائل الفكرة أو الكلام إذا كانت لي تجربة سابقة مع أفكاره سواء كانت جيدة أم سيئة فأقع حينها في الحكم المسبق على الفكرة قبل التمعن فيها فآخذها على النحو الإيجابي أو السلبي، وأحيانا أخرى أهتم بالفكرة أكثر إذا لم أكن أهتم بقائلها سابقا..ولكن في كلتا الحالتين أحاول قدر المستطاع تشغيل حسي النقدي كما ذكرت ذلك في المقال.
    شكراً 🙏

    Liked by 1 person

  2. أخالفك الرأي والمهم التركيز على الفكرة عوضا عن القائل حتى لا يكون هناك حاجز نفسي من تقبل الحق من المخالف.. وليس هذا اتخاذ للسيئين قدوة أو التعامل معهم.

    Liked by 2 people

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s