كيف تجاوزت مطبّات المزاجية والانشغال الشديد في رحلتي للتدوين 788 يومًا دون انقطاع؟

مساء الخيرات، أرجو أن يكون لديك وقت كي تقرأ المقال كله… إن كنت تشعر بما هو مصوّر أدناه فالمقال مئة بالمئة لك:

متى ستُنجز العمل يا صاح: للمزيد من حقائق الحياة المتوحشة متع بصرك بهذه الصور لكن لا تدعها تلهيك عن عملك
متى ستُنجز العمل يا صاح: للمزيد من حقائق الحياة المتوحشة متع بصرك بهذه الصور لكن لا تدعها تلهيك عن عملك [SadAndUseless.com]

سألني الأستاذ مروان الرشيد:

لا أريد أن يكون هذا المقال نصائح مما قد تقرأها في مكان آخر، وليس بها أي نفع مع ذلك لا أريد الوعد بشيء قد لا يتحقق.

إن كنت تقرأ هذا لكي تخلق الإرادة في نفسك -والكلام غير موجه بصورة شخصية للأستاذ مروان بل لكل من يقرأ- أو كسب سويعات زائدة. فقد يخيب أملك..

ذلك أن مشكلة الوقت في عصرنا والتي تنعكس على مدى انشغال المرء مشكلة فعلية ومزمنة وصعبة الحل. الخبر السعيد أنها قابلة للحل.

يعلم من يتعامل معي، ومن هو مشترك في رديف، أني أحبّ العملية…إذن دعنا نبدأ بالعملية…

بدأت عمل اليوم برسالة لمشترك في رديف يلغي اشتراكه… هذا محزن بالطبع.. ولأني أستكشف أسباب الإلغاء كي أحسّن المنتج أكثر أسأل من يلغي لماذا.. والجواب كان…-لقد خمّنت ذلك بالفعل- الانشغال. وإلا فالمحتوى نافع والمجتمع يستحق…وفق قول ذلك المشترك وهو بارك الله فيه وعد بالعودة لما يخفّ انشغاله…وأرجو أن يحدث ذلك قريبًا…

الآن لو كنتُ مزاجيًا (وقد كنتُ كذلك حتى آمنت بفكرة أن المزاج وهم فكري ليس إلا) لما تمكنت من كتابة هذا ولا حتى العمل بحماس اليوم في رديف.

مع ذلك أنا متحمس جدًا… فمعدّل الإلغاء يؤول للصفر والأسباب لا تتعلق بجودة المنتج… لكن مشكلة انشغال المشتركين مشكلة تتطلب مني بالفعل أن أخصص لها موارد ذهنية ومادية جديرة بأن تُحلّ وأنا بصدد فعل ذلك… على مهل…

أحزن عندما يلغي أحد اشتراكه بنشرتي البريدية، وأحزن عندما يلغي أحد اشتراكه في مجتمع رديف لكن هذا الحزن لا يدوم أتقبل مشاعري الإنسانية وأمضي… وهذا ما أوصي به الجميع؛ الأهم أني لا أحمل أي ضغائن…

ذكرت هذا كي تكون الأمثلة واقعية… أستطيع كتابة كلام إنشائي لكن أظن أن القصص الواقعية أفضل.

كذلك لا أرغب أن يظل أي أحد مشتركًا لأنه يخاف إحزاني مثلًا… فأنا في مهمة لبناء عمل تجاري وليس شبكة لدعمي نفسيًا…

بما أن تعليق أخي مروان الرشيد الذي أدعوك للاستماع لحلقتي الصوتية معه ومشاركتها مع غيرك بحثًا عن «معنى» و«حكمة» في «ثمانية» قواميس: حوارٌ مع المترجم مروان الرشيد [يونس توك] به شقين فلنجعل المقال شقيّن:

الانشغال الشديد:

أؤمن أن الانشغال نوعان. انشغال مفتعل وانشغال حقيقي ولتوضيح الفرق بينهما دعنا نرى هذا الجدول:

انشغال حقيقيانشغال مفتعل
كارثة طبيعية أو إنسانية: إعصار، حريق، فيضان…إلختصفح الشبكات الاجتماعية دون تحديد وقت معين لذلك
انشغال إنساني حقيقي: انتقال من منزل لآخر، وفاة أحد أفراد الأسرة لا قدر الله…إلخمشاهدة الأفلام والمسلسلات ولعب الألعاب الإلكترونية
مرض مزمن، إغماء، تعرض لحادث…وفاة شخص لا تعرف عنه شيئًا أو هوسك بشخصية مشهورة لا تقدم لك أي نفع
قضاء وقت في السجن أو الحجز أو ما شابه (مثل الاختطاف…)النقاشات في السياسة والدين والجنس وشؤون المرأة
الزواج الرحلات الترفيهية والسياحية دون داعٍ
مولود جديد الجلسات الواقعية مع من تسميهم (أصدقاء) وهم ليسوا كذلك

كما ترى معظم أشغال الناس مفتعلة في واقع الأمر وهي كذلك لأنها هروب من “العمل الحقيقي” ولماذا يهربون من العمل الحقيقي؟ غالبًا لأنه ممل طبعًا (حتى كتابة التدوينات ليست عملًا ممتعًا على الدوام…) ونتفلكس ممتعة فلماذا أترك الممتع وأمارس الممل وأنا لدي حياة واحدة؟

الجواب على هذا يتطلب أرضية فكرية تبني عليها كل حياتك ومن ثم وقتك… وأوصي بأن يجيب الإنسان على الأسئلة الصعبة فهذا مما يسهل العمل. على سبيل المثال يجب أن يسأل المرء نفسه أسئلة الميتا. وهي الأسئلة المُتجاوزة أي الفوقية…من مثل:

  • إن كان الانشغال هو السبب وأنا مبرمج لماذا DHH يكتب أكثر مني وربما أكثر مما سأكتبه طوال عمري وكلانا مبرمج؟
  • إن كان الانشغال سببه الأطفال لماذا لدى مديرة يوتيوب نفسه 4 أطفال وتبدو إنتاجيتها عالية؟
  • إن كان الانشغال سببه [ضع هنا السبب] لماذا [فلان وله نفس السبب] ينتج أكثر مني؟

وملاحظة: معظم حيل تنظيم الوقت وزيادة الإنتاجية لا تعمل قطعًا دون أرضية فكرية. والمقصود بالأرضية الفكرية: منظومة قيم تؤمن بها فينبع أداء العمل من داخلك…

إن كنت تخاطب نفسك:

أنا أعمل مثل [ضع حيوانًا يؤدي عملًا شاقًا مثل البغل أو الحمار…] مقابل بنسات ولا أحد يقدّر ما أفعله، وحياتي ليست حياة…متى سأعيش؟

فقد حان الوقت لتمارس التفكير الإيجابي في حياتك. الجميل أن الدكتور مصطفى حجازي أراحنا من العناء وكتب كتابًا ممتازًا حول الموضوع مدعومًا بالدلائل العلمية والتجارب الإنسانية فعليكم به:

فكّر لو كان التفكير الإيجابي خدعة أو حيلة. لماذا لا نجد صاحب عمل تجاري يعتنق العدمية؟

ابحث قدر ما تشاء ولن تجد صاحب عمل تجاري يدعو للإحباط والعدمية. قد يحب قراءة سيوران لكنه في قرارة نفسه لا يؤمن بما يكتب سيوران. وإلا فقد قضى على عمله بالفشل المحتوم.

التفكير الإيجابي تفكير عمليّ يقضي ببذل الجهد في حل المشكلة بدل النواح والعويل والدندنة حولها.

إذن بدل أن أوصي بحيل تنظيم الوقت والإنتاجية أدعو أولا الشخص لإعادة ترتيب حياته وعناصر عقليته وقيمه من مثل:

  • هل الجامعة التي انخرطت بها تستحق وقتك بالفعل؟
  • هل أصبح عملك يشغلك بقدر كافٍ لدرجة لا بد أن تستقل بمكتب عن منزل أهلك؟
  • هل أصدقائك أصدقاء بالفعل؟ أم أنهم من قبيل أصدقاء المصلحة ولا نفع فيهم وإن كانوا كذلك فلماذا مستمر معهم؟
  • هل العمل الذي تعمله الآن يلبي احتياجاتك النفسية والروحية (عدا المالية) أم لا؟ وإن لا فلماذا أنت مستمر فيه؟
  • هل وقتك مشاع مستباح جميع من هب ودب يأخذ منه؟
  • هل أنت حقًا وفعلًا مضطر للعيش في عاصمة البلاد التي لو خرجت صباحًا ولم تتجاوز عتبة بيتك وعطست عطسة ثم عدت للمنزل للتو وجدتها 8 مساء؟

وهكذا بعد ترتيب هذه الأمور وأكثر منها لأنها أمثلة فقط. تعمل كل حيلة إنتاجية وطريقة لتنظيم الوقت. من مثل طريقة  آن لور لو كانف (التي ترجم لها الزميل مصطفى بوشن عدة مقالات بإذنها هنا في المدونة) والقاضية بأن تخصص ساعتين كل صباح للكتابة دون أن تفتح أساسًا البريد أو تطبيقات المراسلة أو قنوات التواصل الاجتماعي حتى تنهي الكتابة. وهي طريقة فعالة حقًا.

والطريقة التي أتبعها هي: أن تقسم المهام حسب الأولوية لكل يوم. ثم تعمل المهمة الأولى في قائمتك في ساعتين أو ما شابه من تركيز من ثم لا يهم إن أنجزت الأخرى أم لا. انقلها لليوم المقبل وهكذا. وبعد التزامك لفترة بإنجاز المهام ذات الأولوية طيلة أيام دون انقطاع ستنتظم حياتك شيئًا فشيئًا.

الملخص:

الانشغال نوعان مفتعل وحقيقي. والمفتعل يجب القضاء عليه بترتيب حياتك وإنشاء أرضية فكرية تبني عليها مسيرتك المهنية والحياتية. ومن هناك ستصلح الطرق والحيل المتعلقة بتنظيم الوقت والإنتاجية. لأنه دون أرضية لن تجدي تلك الحيل نفعًا. وإنشاء الأرضية يأتي من سؤال نفسك الأسئلة الصعبة والإجابة عليها والأسئلة تتعلق بأهدافك في الحياة ومنظومة قيمك وما ترغب بفعله…

أما الإنشغال الحقيقيّ فلا مشكلة فيه لأنه لا يحدث كثيرًا فحتى لو كسر الانشغال الحقيقي ما تفعله يوميًا (كتابة، ترجمة، عمل…) لن يلومك أحد. ولن يُحدث ثقوبًا كثيرة في استمراريتك…لذا لا أراه مشكلة ولا أحد سيلومك ولا عبرة بأن مثل هذا النوع من الانشغال يكسر الاستمرارية لأنه لا يُحسب.

المزاجية

شخصيًا لا أؤمن بالمزاجية. لأنها وهم ومتابعة للنفس وتقلبات كيماوية يمكن أن تُضبط في حقيقتها بنظام غذائي جيد وقسط كافٍ من النوم والابتعاد عن البشر غير المناسبين.

ودواء المزاجية هو الاستمرار في عمل شيء دون انقطاع…وفق مبدأ ‘قدت نفسي لله وهي تبكي حتى انقادت له وهي تضحك”… نفس الشيء، ولأن هِممنا ضعيفة وقد لا يكون الحق سبحانه هو هدف البعض لكن المبدأ يضل صحيحًا..

ستنقاد لك نفسك وهي تبكي في البداية نحو هدفك حتى تقودها وهي تضحك… وهذا هو السرّ.

وأيًا ما كان هدفك ومهما كان، سيكون الله حاضرًا هناك ولا شك، وهذا الأمر خارج نطاق من يختار الهدف. لأنه غاية الغايات والمحيط بكل شيء وعاقبة كل شيء.

وقد تكلمت عن المزاجية بما يكفي في هذا المقال: هذا الأمر ينبغي أن تُميته موتة بشعة… والآن.. فطالعوه وشاركوه مشكورين…

الملخص:

  • المزاجية لها صلة شديدة بالجسد، والجسد به عقلان وليس واحد (ممارسو اليوغا يقولون الجسد نفسه عقل كله بصورة ما) واحد فوق كتفيك والآخر في بطنك (فبطنك يحوي من العصبونات ما يساوي كل العصبونات الموجودة في دماغ قطة*) فإن أتعبت العقل السفلي أتعبك.. واسأل مرضى القولون شفاهم الله ولأن صلتها كبيرة بالجسد وجب أن نعتني به من:
    • نظام غذائي مناسب لنا
    • ممارسة الرياضة المناسبة لنا
    • الاستماع لجسدنا وعدم تجاهله
  • من الناحية النفسية، المزاجية المزمنة والمفرطة تشوّه نفسي بنظري نابع من عدة آفات تصيب النفس. لهذا يجب أن ينظف المرء نفسه من هذه الآفات من مثل: المقارنة، والسخط على القدر، والغضب دون داعٍ، وفرط الحركة والكلام الكثير دون غاية والضحك المفرط والتسلية طيلة الوقت وإدمان المدخلات المعلوماتية عبر البصر والسمع والعقل…

*هناك دماغ قطة في بطنك:

من المعروف جدًا أن المعدة والنظام الغذائي لها آثار مباشرة على المزاج. فراعي هذا. راقب ما تأكله وراقب جهازك الهضمي. المعدة والأمعاء لديها مئة مليون عصبون لوحدها أي أن هناك دماغًا صغيرًا (يقارب عدد عصبوناته تلك الموجودة في دماغ قطة!)، وهو عندما لا يتفاهم مع الدماغ الأعلى يحدث حربًا أهلية وأعتقد أنك تعرف جيدًا من هو الخاسر فيها.

كيف تجدد حياتك بعد فترة ركود معنوي؟

آمل أن المقال أفادكم. لا تنسوا المشاركة في تحدي رديف…


أعجبك ما أصنعُه من محتوى؟ تواصل معي الآن: اضغط الزرّ الأخضر.


روابط منتقاة

الزميلة عائشه آل علي تكتب كعكة بيل غيتس تعلمنا عدم الإسراف [مدونة عائشه آل علي] أوصي بمتابعة المدونة ✅

الزميل أحمد مكاوي يحكي لنا عن كيبورد يشرب شاي [مدونة الماك] أوصي بمتابعة المدونة ✅

طالع ما كتبه معتصم باكراع مراجعة كتاب حياتك الثانية تبدأ حين تدرك أن لديك حياة واحدة [موقع حكمتي] أوصي بمتابعة الموقع.

جميع الكتّاب/الكاتبات أعلاه مشتركون في رديف. اشترك في رديف الآن:


يونس يسأل: كيف تتعامل أنت مع المزاجية والانشغال الشديد؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by Priscilla Du Preez on Unsplash

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s