يفشل معظم الناس في فعل ما يرغبون بفعله لأنهم لا يريدونه حقًا كما يظنّون [حقيقة مُرّة]

مساء السعادة،

اقترح عليّ الأستاذ طارق ناصر هذا الموضوع فشَكَر الله له، الأستاذ طارق مشترك في رديف فاشترك أنت أيضًا في رديف.

أوصيك كذلك بمطالعة مقالات مدونته: مدونة طارق ناصر فهي مليئة بالنفع ومتابعة حسابه على تويتر فهو ماتع.

اُنظر أدناه إحدى التعليقات الحديثة على مقال ترجمه الأستاذ طارق ونشره في مدونته وعنوانه كيف تصبح الأفضل في العالم في مجال ما؟

إحدى التعليقات على مقال ترجمه الأستاذ طارق ناصر: كيف تصبح الأفضل في العالم في مجال ما؟
إحدى التعليقات على مقال ترجمه الأستاذ طارق ناصر: كيف تصبح الأفضل في العالم في مجال ما؟

ها أنا ذا أنبّهك لا تفوّت على نفسك المنفعة التي في مدونته.

والآن لمقال اليوم.

تغريدة طارق ناصر

لننقل اقتراحه نصًا هنا ونجيب عليه بعون الحيّ الذي لا يموت:

هل ترى التذكير بالموت ومقولة “عش يومك كأنه آخر يوم في حياتك” حافزًا كافيًا للاستمرارية وعدم الكسل والتسويف؟

إن استخدام فكرة “الموت” ومفهومه لتذكير الناس به ديدن الزهاد. ففي قصص الزهاد والواعظين دومًا ما يذكّرونك بالموت كي تعمل لآخرتك.

وها هنا ارتباط الموت بالعمل. لأن منطقهم يمضي كما يلي: بما أنك تريد أن تعيش مُنعّمًا في الآخرة لما لا نهاية فاعمل هذه السنوات القليلة هنا.

أيضًا النصوص الدينية في كل الديانات تقريبًا تربط العمل بالنجاح في اختبار الآخرة. بما فيها القرآن مع ذلك كله هناك قاعدة في الدين الإسلامي مفادها: أنه لن تدخل الجنة بعملك أبدًا إنما بفضل الله.

ويعرف كل المسلمين أن هذا لا يعني أن تتخلى عن العمل لآخرتك.

ماذا لو متّ غدًا؟ هل ستكتبُ نصّك الأسطوري؟

سبب التسويف والكسل في نظري ليس جهل الناس بما يحفّزهم إنما بعدة عوامل منها:

  1. هم لا يعرفون ماذا يريدون أساسًا
  2. إن عرفوا ما يريدون فهو غالبًا رغبات آخرين لا رغبتهم هم
  3. في حال عرفوا ما يريدون وكانت رغبتهم هم فعلًا فهم لا يعرفون كيف يحققونها

هذه هي المشكلة الحقيقية.

الآن لتوضيح النقطة 1 لو قلت لأحدهم يريد أن يصبح كاتبًا أنه سيموت غدًا، فمن المفترض لو كان صادقًا أن يكتب نصّه الذي طالما حلم أن يكتبه.

ولم لا يكتبه ولدينا أمثلة واقعية على هذا؟

لنأخذ أمثلة:

  1. كتب كافكا في ليلة واحدة (22/ 23 سبتمبر/ أيلول 1912) وبدفقٍ متواصل من العاشرة مساء وحتى السادسة صباحا، أقصوصة “الحُكم”، على دفترٍ من دفاتر يومياته التي كان يضمّنها كل ما يرد في باله أو يعمل عليه، من دون التمييز بين كونها نصوصا أدبية أو انطباعات يومية. تعليقي: وهي من أشهر القصص العالمية حاليًا وعن هذه القصة -لوحدها- من الكتب والدراسات ما يفوق ما ستكتبه أنت طيلة حياتك.
  2. الإرهابيّ برينتون تارنت منفذ مجزرة مسجديّ نيوزيلندا -عليه من الله ما يستحقه- كتب 74 صفحة في بيانه الآثم ذلك. ومع ذلك لا زال كثير من الطيبين في هذا العالم عاجزون عن كتابة 3 صفحات مع بعض. فتأمّل. تعليقي: مع العلم أن هذا الإرهابي كان من الممكن أن يموت ويُقتل في تبادل لإطلاق النار في خضم اقترافه لجريمته الشنعاء.
  3. جان دومينيك بوبي فجأة أثناء قيادته سيارته مع ابنه تعرض لجلطة حادة في جذع الدماغ غيرت شكل حياته بعدها. ومع أنه أصيب بالشلل ولا يستطيع الحركة أو الكلام إلا أنه صار كاتباً مشهوراً وكتب رواية بيع منها ملايين النسخ، وقد كتبها بإغماض رمش عينه اليسرى 200 ألف مرة!
  4. كتب الكاتب الكردي الإيراني بهروز بوجاني روايته “لا صديق سوى الجبال” مستخدما تطبيق واتس آب من مركز اعتقال تشرف عليه السلطات الأسترالية، وقد استغرقت كتابة تلك الرسائل -التي تشكّل الرواية- خمس سنوات دون كلل أو يأس. وبحسب ما قال الكاتب بهروز فقد “كان يعمل لساعات طويلة كل يوم تصل أحياناً إلى 16 ساعة”.

مع ذلك عندما تحكي هذا لمن يقول لك أريد أن أصبح كاتبًا يقول لك “همم”. ويمنحك تعبيرًا من تقاسيم وجهه تشبه تعابير وجه اللمبي.

ميم عن الكتابة
ميم عن الكتابة

مع أن ذلك “الراغب في الكتابة”:

  1. غالبًا لن يموت في سنّ الأربعين كما مات كافكا ولن يصاب بالسلّ قبل موته
  2. غالبًا لا يخطط لاقتراف مجزرة قد يموت فيها ويعتقل في السجن لفترة طويلة
  3. غالبًا هو لم يصب بالشلل ولا يستطيع الحركة أو الكلام ولم يضطر للرمش بعينه اليسرى 200 ألف مرة كي يكتب دون أن يستعمل يده
  4. لم يعتقل ولم يُهجّر ولديه وقت وتطبيقات أحسن من واتساب لكتابة روايته مثلما كان حال الكاتب بهروز

وأنا أجزمُ أنه لو قلت للناس وعملت استفتاء: ستموت غدًا فكيف ستخطط ليومك؟ فمعظمهم لن يثبت على ما كان يقول من قبل أنه يريده بل يغيّره لفعل آخر هو حقًا ما يريده ونحن نقول له. إذن افعل ذلك الآن هناك في العمر فسحة الآن.

شخصيًا أنا يونس بن عمارة لو قلت لي سأموت غدًا سأكتب في ذلك اليوم تدوينة كذلك.

لكي تعرف ما إن كنت تمضي في طريق صحيحة في حياتك قسها بقدر ما ستغير من حياتك إن سألت نفسك: سأموت غدًا فما أنا فاعل؟

لم يحدث هذا؟

ذلك أن رغبة الناس في أن يفعلوا شيئًا ما هي في الغالب انعكاس لرغبة آخرين ومبنية على المظاهر وليست رغبة حقيقية.

ركّز هنا. كل ما تريده الناس: هو الجزء الحسن من الأشياء دون تحمّل تبعية أي مسؤولية أخرى لذلك الشيء.

  • يريدون المال لكن ليس العمل بجد لذلك ولا الادخار
  • يريدون الأطفال لكن ليس مسح مؤخراتهم وتربيتهم
  • يريدون الأطباق اللذيذة لكن دون عناء طهيها
  • يريدون الزواج لكن ليس تحمّل وجود إنسان بكل عيوبه ومشاكله معك
  • يريدون الكتابة لكن دون مطالعة حرف
  • يريدون أن يأكلوا ما يريدون دون أن تتأثر صحتهم
  • يريدون أسنانًا لامعة وقوامًا رشيقًا وبشرة صقيلة ملساء لكن دون صرف أي فلس على ذلك ولا بذل أي جهد لتحقيق ذلك

وذلك لا يكون في الدنيا أبدًا لأن آخر خيال الناس فيما يريدونه متوفّر في الجنة وهي أي الجنة واقعًا غير متاحة في الدنيا.

إن رغبتَ أن تعرف ما إن كانت رغبتك حقيقية أصلية أم لا اسأل نفسك: هل ستتخيل نفسك تفعلها في اليوم الذي ستقبض فيه روحك؟

إن كان جوابك لا فهي غالبًا وفي معظم الحالات ليس ما ترغبه حقًا.

لنأخذ مثالًا عمليًا بهذا الصدد: يرغب الكثيرون من الرجال في هذا العالم أن يموتوا في حجر المرأة التي يحبوّنها. وهذا ما يريدونه حقًا. وقد تمكن من فعله البعض. لذا فإن رغبة هؤلاء الحقيقية يمكن صياغتها كما يلي:

أن تعمل على أن تكون زوجًا وأبًا صالحًا قدر الإمكان ولا تجعل العمل أو أصدقائك يؤثرون على وقتك مع أهلك

ولا. أنت:

  • لا تريد حقًا أن تشتري تلك السيارة رباعية الدفع لأنه في واقع الأمر أنت تغبط ابن عمك الذي اشتراها لا غير
  • لا تريد حقًا سكنى الفيللا التي زرتها ذات يوم بل تريد أن تبث أن لك مكانة اجتماعية ليست لديك حقًا
  • لا تريد أن تبني شركة تُموّل بالملايين لأنه بتلك الملايين كل ما كنت تريده حقًا رسم بسمة على وجه المرأة التي تحب وهي تبتسم لك لما تشتري لها علبة شوكولا ميلكا ولا تنسى ذلك أثناء عودتك للمنزل

فها هنا رغبتك الحقيقة وكي ترفع حظوظك في تحققها سيتوجب عليك في هذا المثال بالذات أن تضحي بالعمل إزاء وقتك مع عائلتك وليس العكس وتضع أهلك في أعلى مصفوفة قيمك. وتمضي وفق ذلك فيكون احتمال أن تموت في منزلك أو في رحلة أو نزهة مع زوجتك (وليس في مكتبك وأنت تعمل أو وأنت تركب القطار عائدا للمنزل) أعلى من غيره إحصائيًا وواقعيًا.

وهذا سبب عدم فعل الناس ما يريدون فعله أنه في واقع الأمر لا يريدون فعله وإنما يريدون ثمرته ومظهره.

  • لا يريدون الكتابة إنما يريدون أن يظهروا كتّابًا مثقفين توضع كتبهم في رفوف الأكثر مبيعًا
  • لا يريدون الرشاقة إنما يريدون أن يظهروا رشيقين جاذبين لأنظار الناس ودهشتهم
  • لا يريدون المال إنما يريدون السيارة والمنزل ذو الطوابق والحلي الذهبية التي يأتي بها المال وذلك لسبب واحد لديهم: فقع مرارة حسّادهم وبالذات أقاربهم والبصق المعنوي في وجه من قال لهم يومًا: لن تحققوا شيئًا

ثم لكي لا يتأذوا نفسيًا يقولون لأنفسهم أعذارًا غير حقيقية تبرر لماذا لم يحققوا ذلك مثل:

  • المهارة التي أريدها موهبة وليست لدي لهذا فشلت وهو خطأ إذ لو كانت الكتابة -كمثال على المهارة- موهبة لماذا نشأ ابن ستيفن كينغ الكاتب المشهور كاتبًا هو كذلك؟ ولماذا أبناء عادل إمام وغيره من الممثلين ممثلون جيدون لحد بعيد هم كذلك؟
  • الظروف هي التي منعتني
  • القطة بوسي هي السبب
  • الدولة الجزائرية هي السبب
  • مزاجي
  • هرموناتي
  • رقائق إلكترونية ضمن اللقاحات تجعل بيل غيتس يتحكم بي عبر الأقمار الاصطناعية ويمنعني من فعل ما أريد
  • وجود الكثير من الأنيمي في هذا العالم، وأنا مدمن أنيمي بالتالي سأحقق ما أريد في حياة أخرى (هو من كثرة مشاهدته الأنيمي آمن بفكرة العودة البوذية في حياة أخرى وضيّع كل شيء بما في ذلك معتقداته)
  • تعويذة سحرية أطلقتها ابنة عمي عليّ
  • بنت سلطان الجنّ تعشقني وتمنع أي بنت بشرية من بنات حواء أن تقربني
  • المخابرات الروسيّة تتجسس على سجّل تصفحي وتحجب عني كل معلومات نافعة ودروس قيّمة
  • أنا مصاب باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)

في أعماق أي شخص يعرف حقًا أنها أعذار زائفة. وحلّها أن تعرف حقًا ما تريد دون تأثيرات اجتماعية ومن ثم تعمل على تحقيقها لسنوات وستتحقق. لأن هذا ما يحدث في العالم كل يوم فقصص النجاح التي تقرأها إما أنها مزيفة أو حقيقية والحقيقية قبلها سنوات طوال من الكدح والعمل اليومي ولا شيء آخر. أما المزيفة فمسألة وقت وتنكشف حقيقتها.

لذا ذكر الموت فعلًا يفيدك في تحفيز نفسك على العمل لكنه نافع بصفته اختبارًا لما تريد حقًا.

مرة أخرى يمكنك تجريب مصداقية ما تريده حقًا بسؤال نفسك:

هل ستفعله إن كان هذا اليوم آخر يوم في عمرك؟

إن كان جوابك نعم فهو رغبة حقيقية لأن سؤال الموت يُسقط أهمية ما سيقول الآخرون ولهذا كان فعّالًا في تمحيص ما تريده حقًا لنفسك. إن كان جوابك لا فاسأل نفسك مرة أخرى:

ما الذي أريد فعله في آخر يوم من حياتي؟

وهو ذاك هو هدفك ورغبتك الحقيقية.

وذكر الموت محفّز على العمل من ناحية أنه يشير لك أنه إن أجّلت شيئًا لتفعله غدًا فقد لا يكون لك غدٌ أساسًا.

من هنا تفعله اليوم وهذا فعلًا ما يرفع الإنتاجية.

فالجواب المختصر إذن: أن تمضي في حياتك وفق مبدأ “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا” حسن فعلًا لكنه لن يعالج التسويف والكسل دون أن تعرف حقًا ما تريده وألا يكون ما تريده مجرد نسخة كربونية مزيّفة لرغبة شخص آخر غيرك أنت.

إن فعلت ما تريده وترغبه بحقّ فها هناك شقائك في الدنيا ينقص وكدحك -وإن كان موجودًا- تغدو أكثر تحمّلًا له. لأنه وكما خمّنتَ حتى لو كنت تفعل ما تريده بحقّ لن تخلو حياتك من المنغّصات. وخيرٌ لك أن تفعل ما تريده بالفعل لأن الدنيا تذكرة مؤقتة لدخول لعبة ستنتهي عاجلًا أو آجلًا فالعبها بأسلوبك أنت.

أطال المولى أعماركم في رضاه وتوفيقه، وأعطاكم حتى يرضيكم ثم زادكم من فضله.


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: ماذا أعددت لآخرتك؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by Alain Pham on Unsplash

رأيان حول “يفشل معظم الناس في فعل ما يرغبون بفعله لأنهم لا يريدونه حقًا كما يظنّون [حقيقة مُرّة]

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s