التربّح من الأعمال الإبداعية، أو لماذا معظم الفنانين فقراء؟ -حتى في الغرب- وما الحلّ؟

مساء الخير،

يرغب عدد كبير من الناس من الرسّامين والعازفين والكتّاب والشعراء في فعل ما يحبونه فقط، أي الرسم أو العزف أو الكتابة أو تأليف الشعر والعيش بسعادة في هذا العالم.

غير أن الواقع -والحقيقة- لها رأي آخر.

وهناك فكرة عربية غريبة جدًا تقول أن العيش من العمل الإبداعي ممكن في الغرب وهي فكرة خاطئة ناجمة من أن معتنقها لم يقرأ في حياته الشكاوى المُحزنة للكتّاب والفناني في الغرب فهو يشير للـ1 بالمئة من الكتّاب والفنانين الناجحين هناك ويقول انظروا كيف يعيشون هناك ونتعفّن هنا، لكنه لا يسأل عن حال 99 بالمئة المتبقية؟ ما حالهم؟ ودون أن تتكبد العناء أخبرك أن حالهم لا يسرّ.

في الحقيقة حال بعضهم أنه مُغرق بالديون ومهدد بأن يصبح متشردًا بل وبعضهم أصبح متشردًا بالفعل وقد قرأت في مكان ما أن الفقر في أمريكا متوحش قاسٍ لا يشبه الفقر في أوروبا مثلًا بل أقول أنا أنه حتى لا يشبه الفقر في جنوب الجزائر، الفقر سيء في كل مكان. لكنه في أمريكا يزداد حدّة ولا إنسانية.

لنأخذ أحلام موسيقيٍّ كان يريد العيش بفنه في الغرب، وفشل في ذلك وما من ضير في فشله إذ نجح في المجال النباتي كما يبدو؛ لكننا بعد ذلك سنأخذ الحلّ مع مثال عمليّ من الجزائر يمكن تنفيذه وينطبق على أنواع الفنّ الأخرى مثل الكتابة وغيرها: وهذا النص والذي يليه مقتبس من عدد من نشرة الموسيقي البريدية والذي نشره بعنوان: خبراء أنماط الحياة كذبوا عليكَ: فعل ما تحبّ قد يصيّرك مُفلسًا

مثلي مثل بول غودمان، بدأت منذ سنوات عديدة بالعزف في فرقة موسيقية، ولكن بعد ذلك اُفتتنت بالفكرة الرومانسية المتمثلة في الموسيقار الجوّال، وهي المَثَلُ الأسمى لعزف الموسيقى مباشرة ومجانًا للجميع، وحريّة عزف ما أرغب متى أرغب وأن أصبح عازفًا جوّالًا يمتع الناس بموسيقاه في الأماكن العامة.
أحببت سحرَ أن أكون موسيقار شوارع وألهمني حُلم أنه إن كنت صادقًا مع نفسي ومُخلصًا لما أؤمن به، ولم أفكر إلا باللحظة وعزفت بحبّ من أعماق قلبي: عندئذ سأضخ الفرح في قلوب الناس وحيواتهم ومقابل ذلك سيكافئونني بأموال كثيرة.
ترسّخت هذه الفكرة في ذهني وضربت بجذورها عميقًا في وجداني بفعل عدة كتب مختلفة منها كتاب أوهام لريتشارد باخ، ورواية نبوءة سلستين (والأعمال المنبثقة عنها) التي كتبها جيمس ريدفيلد وطبعًا: كتاب السرّ تأليف روندا بايرن.
قد يبدو الأمر سخيفًا الآن، لكن هذه الكتب والأعمال كان لها تأثير هائل طالَ الملايين من البشر وهي جزء من قطاع “قانون الجذب” الذي تبلغ قيمته السوقية ملايين الدولارات.

لا ريب أن هذا الموسيقيّ (الذي كان نباتيًا لأكثر من 35 سنة ولا يزال) يُعبّر عن الكثير من الناس وليس نفسه فقط. لا سيما ذكره لقانون الجذب.

وهو يقول بعد هذا المقطع أن لهذه الأفكار جذورًا في الديانات الإبراهيمية وغيرها وليست جديدة وهو محقّ. وأصلها وعدم جدّتها هو بالفعل جزء من جاذبيتها وتأثيرها على الملايين. إضافة إلى تسويق جيد لو سمحت لي أن أضيف.

ما الحلُ؟ الحلّ وصفة بيترسون:

يقولون «افعل ما تحبّ»
يقولون «استفتِ قلبك»
يقولون «عِش الحلم»
وهذه النصيحة ممتازة جدًا إن كان ما تحب عمله صدف وأن كان له نموذج عمل تجاري رأسمالي ناجح ويدرّ دخلًا بالفعل (نموذج العمل التجاري يعني طريقة لجني المال من المنتج أو الخدمة) لكن وكما كتب بول غودمان مؤخرًا في مقاله: جوردان بيترسون مُحقّ: المبدعون ملعونون: ما لم يكن لديك فطنة وحسّ رجل أعمال، أن تنجح عالميًا وأنت تفعل ما تحبّ تحدٍ مستحيل أن تتغلب عليه بغض النظر عن براعتك في صنع الفنّ الذي اخترته (كتابة أو رسما أو عزفا).
يقول بيترسون أنه ما لم يتمتع الفنانون ومنشئو المحتوى بمهارات فارقة في التسويق والمبيعات والدعم الفني هم أنفسهم و/أو كان لديهم المال ليدفعوا لمحترفين في تلك المجالات كي يسخّروا مهاراتهم لصالح فنّهم، فإنك بصفتك فنانًا أو منشئ محتوى محكوم عليك أساسًا بالفشل.
كافح المبدعون منذ قرون لكي يعيشوا ويكسبوا لقمة عيشهم من فنهم، متكئين في الغالب على رعاية الأرستقراطيين والأثرياء والكنيسة لتحمّل نفقات تنفيذ مشاريعهم الإبداعية…
صحيح أن الإبداع أمر إيجابي للمجتمع إجمالًا، لكن هذه المنافع الإجمالية نادرًا ما وفّرت حياة مريحة لمنشئ المحتوى بصفتهم أفرادًا.

التغميق مني

إذن الحلّ في وصفة بيترسون هنا وهي أنه على مُنشئ المحتوى والمبدعين تعلّم وإتقان:

  1. التسويق
  2. المبيعات
  3. الدعم الفني (خدمات ما بعد البيع والاحتفاظ بالعملاء الحاليين)

أي بالمختصر: أن تفكّر بمثابة رائد أعمال، وصاحب تجارة، ومؤسسة إعلامية* لا صانعَ محتوى فردٍ.

*بخصوص التسويق والعمل بمثابة مؤسسة إعلامية سينفعك هذا الملف (رسالة إلكترونية) من Corey Haines:

وهذا ما دعوت له في مقالي كيف تُسوّق لنفسكَ؟ رحلة التسويق لا تنتهي: حتى شاهدُ قبرك -بعد طولُ عمرٍ- لافتةُ تسويقٍ للترحّم عليك حيث قلت أن التسويق لم يعد خيارًا في هذا العصر. فلا بد أن تتعلمه وتطبّقه. وهو ليس خيار أيًا كان المجال الذي اخترته.

سنختار الآن فنًا يبدو من العسير أن تتربح منه وهو عزف آلة إمزاد (ظاهرة في الصورة البارزة للمقال) ونفترض أن الشخص عازف الآلة الموسيقية في بدايته لا يملك إلا هاتف وإنترنت وآلة إمزاد واحدة ولا يعرف إلا العزف عليها هي، لكن له رغبة بأن يثبت نفسه ويكوّن لنفسه حيزًا في هذا العالم المليء بالضجيج.

خطة مبدئية للترويج لعازف آلة إمزاد [مثال ينطبق على أي فنٍ]

المرحلة ما ينبغي أن يفعل فيها
مرحلة المرمطة*1. عمل تحدٍ في تيك توك/تويتش/أنستغرام. حيث يكون التحدي صارخًا مثل عزف أمزاد لـ10 ساعات
2. مواصلة النشر 3 مرات يوميًا في تيك توك/تويتش/أنستغرام
3. في وقت الفراغ: تعلم التسويق، تعلم التقنية، تطوير الأداء…إلخ
4. تكرار الخطوات من 1 لـ3 لسنوات (عامين على الأقل)
المرحلة المتوسطة1. إنشاء دورة مصغّرة عن كيفية عزف آلة إمزاد وبيعها بثمن معقول
2. تقديم دروس خصوصية بثمن أعلى لمن يرغب
3. التسجيل في تطبيقات مثل كاميو /ستارزلي وتقديم التهاني/التبريكات/الإعلانات حسب الطلب مقابل ثمن
4. صنع آلات إمزاد صغيرة للأثاث (الديكور) تصلح للمكاتب والسيارات وأخرى كاملة تصلح للعزف وبيعها
المرحلة الاحترافية1. إنشاء مكتبة مقاطع صوتية تصلحُ بدايات لفيديوهات يوتيوب، انتقالات من مقطع لآخر، صوت أزرار في تطبيقات أو لعبة ما، وبيع ترخيصها للشركات والأفراد مقابل اشتراكات سنوية
2. إنشاء ثيمات للهواتف (بالتعاون مع مصمم) تكون فيها الأصوات أصوات آلة إمزاد وصور الخلفية وغيرها صور عالية الجودة لما يعكس الثقافة الطوارقيةبكافة عناصرها (هناك من يربح 10 آلاف دولار شهريًا من مثل هذا لمواضيع أخرى على Zedge)
3. قراءة هذا المقال (عدد من نشرة بريدية) لماذا الهوية الصوتية مهمة؟ وفهم ما تعنيه الهوية الصوتية وتقديم الهويات الصوتية للشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة

*في مرحلة المرمطة وقبل أن ترى بصيص ضوء النجاح ستمرّ بهذه المرحلة المبينة في الصورة أدناه فإن كنت فيها لا تجزع، المجد قادم لا محالة إن لم تيأس وتتخلَّ عن أملك وعملك.

يمكنك بقليل من الخيال والاطلاع، وإخراس الصوت السلبي في رأسك أن تكتب إنطلاقًا من الخطة أعلاه خطة لك وإن لمجال مختلف مثل الكتابة أو الترجمة أو النطق بلغات أجنبية إلخ…

أرجو أن المقال أعجبك، شاركه ولك أجر، أو اشترك في رديف ولك أجران.

تحديث بتاريخ 28 يونيو 2022: نشر موقع صندوق النقد الدولي مقالًا حديثًا نافعًا ذا صلة بالموضوع أدعوك لمطالعته كله ونقتطف منه:

وقبل ظهور تكنولوجيا سلسلة الكتل، كان الفنانون الرقميون يكافحون لإثبات أنهم المبدعون الأصليون للأعمال الفنية. وقد تغير هذا الوضع مع ظهور الرموز غير القابلة للاستبدال، إذ أحدثت تغييرا شاملا في نموذج أعمال المعارض التجارية التي عادة ما كانت تحصل على نصيب الأسد من أرباح سوق الفن. فالفنانون يتاجرون الآن بشكل مباشر على شبكة الإنترنت، عادة من خلال أسواق مثل OpenSea أو Nifty Gateway، دون الحاجة إلى وسيط. وبدلا من التضحية بنسبة كبيرة تتراوح بين 40% و50% يحصل عليها مالك المعرض، يدفع الفنانون رسم معاملة بسيطا.

تَمْكِين المبدعين

أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: كيف تسوّق لنفسك وخدماتك ومنتجاتك حاليًا؟

رأيان حول “التربّح من الأعمال الإبداعية، أو لماذا معظم الفنانين فقراء؟ -حتى في الغرب- وما الحلّ؟

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s