عن الإبداع والفوضى: احذر أن تصيرَ مثل الرجل المُعلّب الذي كتب عنه تشيخوف ذات يوم

مساء الخير يا أصدقاء،

اقترحت الأستاذة ميمونة -بارك الله فيها- عليّ هذا الموضوع:

سؤالها كما لخّصته هي بارك الله فيها:

كيف يستطيع اي شخص ابتكار افكار / نظريات جديدة وهو لم يرتب بيئته أو ما حوله؟

قبل أن نمضي قدمًا في الإجابة بعون الحيّ الذي لا يموت، أحذّرك أن كثرة التنظيم والدقة تجعلك مثل الرجل المعلّب الذي كتب عنه أنطوان تشيخوف أحد قصصه الماتعة التي أوصيك بمطالعتها. ونقتطف منه هذا المقطع الطريف:

منذ حوالي شهرين مات في مدينتنا شخص يدعى بيليكوف، مدرس اللغة اليونانية، زميلي. لقد سمعت عنه بالطبع. كان يمتاز بأنه كان دائما، وحتى في الجو الجيد لا يخرج إلا بالخف فوق الحذاء وبشمسية، وحتما في معطف ثقيل ببطانة من القطن. وكانت شمسيته في كيس، وساعته في كيس من الشامواه الرمادي، وعندما كان يستخرج المطواة الصغيرة ليبري قلما يستخرجها من كيس. حتى وجهه بدا وكأنه أيضا في كيس، فقد كان يخفيه دائم خلف الياقة المرفوعة. وكان يضع نظارة سوداء، ويرتدي سترة بدون أكمام، ويسد أذنيه بالقطن، وعندما يستقل عربة يأمر الحوذي برفع الغطاء. وباختصار فقد لوحظ لدى هذا الرجل ميل مستمر وجارف إلى إحاطة نفسه بقشرة، إلى وضع نفسه فيما يشبه العلبة، التي يمكن أن تعزله وتحميه من المؤثرات الخارجية. كان الواقع يثيره، ويخيفه ويجعله في قلق مستمر، وربما لكي يبرر وجله هذا، وتقززه من الحاضر، كان يمدح الماضي دائما وكل لما لم يكن له وجود أبدا. وكانت اللغات القديمة التي يعلمها بالنسبة له في الواقع هي نفس الخف والشمسية التي يختبئ بها من الحياة الواقعية.

أنطون تشيخوف، الأعمال المختارة، المجلد الثاني، الروايات القصيرة، دار الشروق ص 276

قد تسأل: لماذا سيجعلك التنظيم المفرطُ إنسانًا معلّبًا؟

الجواب: هو أن

الفوضى (أو الشواش كما يخبرك الفيزيائيون) هو الحالة الطبيعية للعالَم

من المهم أن نكرر هذا بعبارة مختلفة: العالم بطبيعته فوضوي. والنظام والتنظيم والترتيب حالات طارئة عليه. يمكنك القول كذلك أن العالم مُنظم بطريقة تخالف مفهوم النظام لدى البشر، فهو فوضوي أو منظم وفق طبيعته هو.

نستطيع كذلك تفصيل ذلك في نقاط كما يلي.

  • العالَم لم يكن قطّ منظمًا بطريقة واضحة. مثلًا أنت لن ترى الغابة تنسّق عشبها كما ترى في البساتين التي يعتني بها بستانيّ حاذق.
  • وفق العلماء الفيزيائيين من القوانين التي تحكم العالَم: الإنترُوبيا وإحدى تعريفاتها: مقياس العشوائية أو الفوضى في نظام ما.
  • مُعظم الاختراعاتِ والابتكارات المدهشة التي نستمتع بها الآن كالطائرة والغوّاصة والسفن مستوحاة من الطبيعة (العالَم كما هو).
  • كما ترى العالَم يعجّ بالفوضى (الإنتروبيا) وهو مصدر لا ينضب من الابتكارات.
  • يمكن إذًا أن تنبع الأفكار الجيدة والأعمال المُنظمة من رحم الفوضى.

ما يميز الفوضى عن غيرها أن النظام سمة بشرية، لو كنت عالم آثارٍ ووجدت صخورًا منظمة بطريقة معينة فستعرف حتمًا أن الطبيعة لا تفعل ذلك. وجود حشائش مُشذّبة ومقلمة بعناية يعني أن بشريًا (أو روبوتًا صنعه بشريّ؟) فعل ذلك. لذا النظام علامة الإنسان.

ولهذا عندما يرغبُ الإنسان في ضمان عدم تدخل أي تحيز بشريّ عند اختياره شيئًا ما. يستخدم القرعة وهي ما يمكن تسميته بـفوضى صغيرة مُنظمة. فعندما يُختار الفائز في مسابقة ما وفق القُرعة لا يدعي أحد أن إنسانًا اختار الفائز مسبقًا؛ والقرعة بنظري إحداث فوضى عن عمدٍ في عناصر معينة بُغية القضاء على التدخل البشريّ.

الآن نسأل: لماذا النظام مهم للبشر أصلًا؟

بعد تأملٍ، لاحظت أن النظام مهم للبشر لأنه يجعل إنجاز المهام الروتينية أسهل. فأنت ستحرص مثلًا على غسل الأطباق وترتيبها في درج المطبخ ليس لأنك مهووس بالنظام، بل لأنك إن لم تفعل ذلك ستصبح مهمة إعداد الوجبة القادمة أصعب وأعسر عليك.

وهذه هي منفعة النظام والتنظيم: تسهيل إنجاز المهام المقبلة.

لكن وكما ترى مهما كنت منظمًا سيعود دومًا كل شيء للفوضى. وتعيد تنظيمه وهكذا دواليك. وهذه هي حكاية البشر في سعي مستمر للسيطرة على الفوضى التي يميل له العالم بطبعه.

لنتحدث الآن عن سؤال الأستاذة ميمونة وهو مرة أخرى:

كيف يستطيع اي شخص ابتكار افكار / نظريات جديدة وهو لم يرتب بيئته أو ما حوله؟

وإجابته بكلمة واحدة: أن الإبداع والابتكار لا ينبع من النظام بل من الفوضى غالبًا. لماذا؟ تسأل. والجواب: بحكم مفهوم العملية الإبداعية.

تكلمنا من قبل عن العملية الإبداعية في مقال عنوانه كيف تحظى بالتميز والتفرّد في صنعك للمحتوى؟ وقلتُ وقتها:

بداية علينا أن نعرف أنه ما من شيء أصيل مئة بالمئة. فكل شيء بُني بصورة أو بأخرى على شيء سابق والمؤرخون والمنقّبون في المصادر سيجدون لك أصلًا لأي شيء تعتبره جديدًا. على سبيل المثال الميتافرس فكرة غير جديدة بل الكلمة نفسها غير جديدة، فكرة اللامركزية في الويب 3.00 ليست جديدة. وهكذا. إذن هنا لا بد أن نفهم العملية الإبداعية كي نُجريها. ذلك أن الإبداع هو سرّ التميز بين الأقران والمنافسين وهو وفق وجهة نظري: تركيب عناصر بطريقة جديدة أو على هيئة جديدة.

إذن ما من شيء جديد بذاته في العالَم فكل شيء ذرات والأشياء -حتى ما يبدو أنها جديدة- إعادة ترتيب لها وحسب.

فالجديد إذن أو الإبداعي أو المبتكر ما هو إلا:

  • ربط (جديد) بين شيئين لم يكونا مرتبطين من قبل
  • البراعة في تنفيذ شيء أُنجز مثله بالفعل من قبل

الآن لماذا الفوضى مُحفّز من محفزات الإبداع والابتكار؟

لأنها تساعدك في نقطة الربط بين شيئين لا علاقة ظاهرة أو مسبوقة بينهما.

ومما يؤيد هذا المفهومَ للإبداع -على الأقل في جانبه اللفظي- أحد الدراسات الحديثة حيث:

توصل العلماء في بحثهم المنشور أن ” العديد من النظريات تفترض أن المبدعين قادرون على إنتاج أفكار أكثر تباينًا”. إذا كان ذلك صحيحًا فتسمية كلمات غير مترابطة ثم قياس المسافة الدلالية بينها يمكن أن يكون مشابه للمقياس الموضوعي للتفكير التبايني.”

ابتكر العلماء اختبارًا جديدًا لقياس الإبداع، ويمكنك تجربته بكل بساطة [مجموعة نون العلمية] – التغميق مني

ذلك أنه لما تكون الأشياء مبعثرة وفق لا نظام معين، ويكون هناك شيئان بعيدان عن بعضهما من ناحية النوع مثل دبّاسة ورق وكشّاف ضوءٍ؛ لنقل مثلًا يمكنك مثلا الخروج بفكرة مقال: حوار بين دبّاسة أوراقٍ وكشّاف ضوء في نصف الليل في مكتبك. تتصور فيه حوارًا بين دباسة الأوراق والكشّاف الضوئي يحكون فيه عن قصة فيها رسالة تريد إيصالها للقارئ.

وإليك فيما يلي

بعض محفّزات الإبداع والابتكار:

  1. التمشي على غير هدى (دون وجهة محددة) في الطبيعة أو الشوارع
  2. البحث في أصول الكلمات (التأثيل) إذ وراء كل كلمة قصة وتلك القصة يمكن أن تُلهمك فكرةً
  3. الاستعانة بالنظريات الفلسفية، إذ قراءة تساؤلات الفلاسفة وحكاياتهم ونظرياتهم تمنحك نظرة جديدة وتوسّع آفاقك العقلية
  4. إجراء التجارب الفكرية
  5. تشغيل سناريوهات “ماذا لو” في ذهنك
  6. تجربة أشياء جديدة لم يسبق لك أن جربتها: مكان، لغة، مهارة، طبق، فاكهة…

انتهى المقال بحمد الله، إن أعجبكم شاركوه مع غيركم ولكم أجر، أو اشتركوا في رديف ولكم أجران.


يونس يسأل: ما هي محفزات الإبداع والابتكار لديك؟


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


حقوق الصورة البارزة: Photo by Hans-Peter Gauster on Unsplash

10 آراء حول “عن الإبداع والفوضى: احذر أن تصيرَ مثل الرجل المُعلّب الذي كتب عنه تشيخوف ذات يوم

  1. مقال جميل وملهم للغاية أستاذ،
    لا تستغرب إن قلت بأن أهم محفز لي على الابتكار والحصول على أفكار ابداعية هو الطبخ، حتى اعتدت على كتابة أفكاري في مذكرة الهاتف أثناء اعداد الطعام، وحتى ايجاد حلول لمشاكل عالقة منذ مدة، المهم عقلي يشتغل بشدة أثناء تواجدي بالمطبخ حتى أنني أنزعج من أن يقتطع أحدهم حبل أفكاري وأنا أعد الطعام 😅

    Liked by 1 person

      1. طبعا، سأكتب عن هذا..تراودني الفكرة منذ مدة
        من الاطباق التقليدية الرشتة ربما لأني أحبها 😅 ومن المعجنات بيتزا المنزل، ومن الأطباق الحلوة الكعكات والتحليات.

        Liked by 1 person

  2. محفزات الابتكار بالنسبة لي هو المشي وأخذ حمام .. والأهم من هذا برأيي هو إعطاء العقل الفرصة للتفكير الحقيقي وليس استعماله فقط للأمور الاستهلاكية كمراقبة ما تعرضه شاشة الهاتف مهما كان نوعه.

    Liked by 1 person

    1. ممتاز نحن نتقاسم موضوع المشي. الحمام ممكن البارد ينعشني لكن لم ألاحظ أنه يأتيني بأفكار بل يحسّن المزاج ويجعلني مقبلًا أكثر على الحياة…أحييك على تعليقك. 👌

      إعجاب

  3. أعجبني جدا المقال✨.
    بالنسبة لي التنظيم و البساطة تعطيني الهدوء و راحة البال و صفاء في الذهن.
    أما الابتكار فلا أصنف نفسي من المبتكرين و إن كان وصلتني بعض التعليقات من الخارج بذلك و لكن أنا أرى و أحس بأني مُطورة أكثر من مبتكرة… و في التطوير لا أحتاج الى محفزات. فقط احتاج أستوعب الفكرة و أمارسها و بعد فترة بسيطة أجد نفسي أطور فيها بشكل طبيعي جداً.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على يونس بن عمارة إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s