كم سيتكبَّدُ المرء ليصبح رائد أعمال، من وقتٍ ومالٍ، وجهدٍ، ووقت تَعلُّمٍ؟

جمعة مباركة،

يقولون خيرٌ لك أن تكون مدير نفسك وألا تمنح 8 ساعات من وقتك في العمل لغيرك. لكنك إن عملت لدى نفسك ففي واقع الحال أنك تعمل 24 ساعة لصالح نفسك وليس فقط 8 ساعات كما ستقدمها لغيرك.

كما أنك لن تكون أبدًا مدير نفسك. إن كنت رائد أعمال فالمدير اختلف وأصبح المدير في حالتك: عملائك. ولم يختفِ المدير كما يظن بعض الناس.

لذا إن دخلت رحاب ريادة الأعمال ظانًا أنها ستمنحك الاستقلالية المادية والمعنوية بأدنى جهدٍ منك فهذا المقال لك. لأنه سيخيب أملك. لكنه سيجنبك انكسار قلبك ويقلل من حدة الألم النفسي عندما لا تجد ما وعدوكَ به.

وفي هذا السياق كتب محمد الخالدي مقالًا ممتازًا عن تجربته الريادية بسط فيه القول وقدّم نصائح قيّمة أوصيك بمطالعته كله: مؤسس دولفينوس يتكلم: وأنا على أعتاب 2020، ماذا تعلمت؟ [مدونة دولفينوس] نقتطف منه لمحات نافعة ثم نجيب على سؤال دينا الذي سيتمحور حوله المقال كلّه.

فهذا المقتطف مثلًا يجيب عن نقطة الوقت في سؤال الأستاذة دينا أدناه.

الوقت جزء من الرحلة [الريادية]، ومحاولات القفز وحرق المراحل سوف تسبب لك الإرهاق والضغط والإحباط التي قد يؤدي بك للمشفى، سواء كنت تتطلع لإصدار نسخة جديدة من منصتك أو تطبيقك أو تريد الحصول على جولة استثمارية لدعم نمو شركتك او تريد زيادة مبيعاتك ومضاعفتها، كل هذه الأشياء وغيرها سوف تأخذ في الغالب أكثر من الوقت الفعلي المخطط له، لهذا لا تتوتر وتقبل الأمر.
من المؤسف أني أدركت ذلك متأخرا بعد ان اضطررت لدخول المشفى بسبب ارتفاع ضغط الدم الناجم عن الإجهاد المهني والتوتر العالي، لهذا تفادى التوتر الناجم عن التأخير بأي شكل من الأشكال، بل عليك الاعتياد على ذلك كجزء من صيرورة الأشياء في بيئة العمل.

كل شئ سيأخذ وقته وزيادة – محمد الخالدي – التغميق من الأصل

وهذا المقطع أيضًا:

هل تعتقد أني أمزح؟ في الحقيقة لقد رأيت عشرات ممن يعملون بهذا الشكل خلال السنوات الماضية. لقد رأيت أحدهم يخرج ف برنامج الجزيرة الشهير “رواد الأعمال” وكانت بالفعل حلقة مليئة بالضحك. إن إنشاء بزنس حقيقي، يحتاج إلى جهد خرافي وعمل جاد قد يستغرق في المتوسط 7-5 سنوات. هل أنت مستعد لذلك؟
من أكثر الأشياء التي تثير شهيتي للضحك، خطابات بعض رواد الأعمال وهم على منصة الاستعراض وهم يخبرونك بأنهم سوق يغيرون صناعة ما خلال الـ12 شهرا القادمة. لقد همس في أذني مرة صديقي الصيني وهو يضحك قائلا لي، ما رأيك أن تراهنني أنه لن يفعلها حتى خلال الـ12 سنة القادمة؟

لا تشتري وهم النجاح السريع، انه مجرد هراء – محمد الخالدي -التغميق من الأصل

والآن إلى مقال اليوم.

اقترحت عليّ الأستاذة دينا الهوارى هذا الموضوع فبارك الله فيها:

لننقل سؤالها نصيًّا هنا ونجيب عليه بعون الله:

جمعتكم مباركة
كم يُكلف المرء أن يصبح رائد أعمال، من وقت ومال، وجهد، ووقت تعلم، وغيره؟

أولًا لنعرّف رائد الأعمال ومن ثَم نجيب على السؤال.

من هو رائد الأعمال؟

إن كلمة (entrepreneurship) هي في الأصل كلمة فرنسية تعني الشخص الذي يباشر، أو يشرع في إنشاء عمل تجاري، وكان الاقتصادي ورجل الأعمال الفرنسي الشهير جين بابيستيه، صاحب القانون الاقتصادي المسمى قانون ساي، هو أول من استخدم المصطلح في نحو عام 1800م بالمعنى نفسه، وقد ظهر مفهوم ريادة الأعمال في الكتابات الاقتصادية مثل كتابات الاقتصادي الأيرلندي ريتشارد كانتيلون (Cantillon 1680-1734)، وعبر عنه بنوع من الشخصية على استعداد لتأسيس مشروع جديد أو مؤسسة، وتقبل المسؤولية الكاملة عن النتائج غيرالمؤكدة، ويرجع تعريف رائد الأعمال إلى العالم الاقتصادي شومبيتر (Schumpeter 1883-1950)، إذ عرّف (Schumpeter-1950) الريادي بأنه «ذلك الشخص الذي لديه الإرادة والقدرة لتحويل فكرة جديدة أو اختراع جديد إلى ابتكار ناجح»….

ريادة الأعمال، أحمد بن عبدالرحمن الشميمري؛ وفاء بنت نصار المبيريك، العبيكان للنشر، ص 24 – التغميق مني

وريادة الأعمال في اللغة العربية ليست كلمة جديدة ظهرت بظهور الإنترنت، فقد وجدتُها في عدد من مجلة الأبحاث الصادرة عن الجامعة الأميركية في بيروت بتاريخ 1963 يعني بعد عام واحد من استقلال الجزائر. شاهد الصور أدناه:

أيضًا من النافع قراءة مفهومي عن رائد الأعمال في نقاش قديم لكنه ماتع على حسوب عنوانه: لماذا لم نرى منافسا حقيقياً ومهّماً لموقع وادكنيس حتى الآن؟ وهو نقاش ريادي ثري به مختلف وجهات النظر نزّله بصيغة بي دي إف إن شئتَ.

ومن ذلك النقاش نقتطف:

العامل المفقود هو (الريادة)

هل تعرف ما معنى الرائد هو الذي يسبق القافلة لرؤية ما يعترضها او هل المكان امن او للبحث عن الماء ومنه الورود اي الوصول لمنبع الماء…بمعنى حديث الرائد يستكشف مناطق ويضع حلول لامور غير موجودة (ليس دوما لكن هذا المفهوم السائد له)

أحد نقاشاتي على حسوب – يونس بن عمارة

عودة للسؤال الآن.

كم يُكلِّف المرء أن يصبح رائد أعمال، من وقتٍ ومالٍ، وجهدٍ، ووقت تعلُّمٍ، وغيره؟

كم تُكلّفك ريادة الأعمال من وقت؟

كما قلنا سابقًا، عندما تعمل لدى غيرك فلك دوام واضح وساعات عمل معينة (إلا إن كنت في شركة مُستغِلّة) ثم يكون وقتك لك. في حال كنت رائد أعمال فأنت تعمل 24 ساعة على مشروعك بل حتى لاوعيك يعمل أثناء نومك.

كم تُكلِّفك ريادة الأعمال من وقت إجمالًا؟ يعني كم سنة. رقم الأستاذ محمد الخالدي مؤسس دولفينوس أعلاه هو من 5 لـ7 سنوات ورقم سام بار وهو ريادي في صناعة المحتوى والإعلام هو 10 سنوات وهناك إحصائية لريادة الأعمال في المحتوى تحدده بـ6 سنوات.

وأنا من خبرتي أقول أنها عشرة سنوات مثل سام بار.

ولا فرق كبير بين صانع المحتوى المستقل المتفرغ ورائد الأعمال. لأن صانع المحتوى المستقل هو في الحقيقة رائد أعمال في مجال المحتوى، أو اختصارًا: رائدُ أعمالِ مُحتوى.

ناثان باري يسأل وسام بار يجيب. المصدر: تويتر
ناثان باري يسأل وسام بار يجيب. المصدر: تويتر

كم تُكلّفك ريادة الأعمال من مالٍ؟

حسب مشروعك. من 100 دولار حتى مئة ألف. يمكنك البدء بـ100 دولار، إذ أن هناك كتابًا رياديًا قيّمًا عنوانه ابدأ مشروعك بـ100 دولار وألّفه كريس جيلبو؛ انتبه إلى أن المال في ريادة الأعمال في الحقيقة غير مهم بقدر أهمية همّتك وإيمانك بنفسك ومشروعك واستمراريتك في العمل.

أما عن نفسي فقد حكيت عن تجربتي في مجتمع رديف وقد كلّفني إطلاقه 4500 $

تكلفة الإطلاق الأولية للمجتمع كلفتني استثمار 4500 دولار تقريبًا مع وقتي بدوام كامل (+8 ساعات عمل يوميًا) طيلة كل هذه الأشهر

10 دروس تعلمتها بعد 282 يومًا من إدارة مجتمع رقمي بالاشتراكات المدفوعة

لكن ماذا لو لم يكن لديك مال تسألني؟

أجيبك: أنا أيضًا لم يكن لدي مال. لم يكن لدي تلك 4500 دولار ولا أقل منها. في الحقيقة بدأتُ من تحت الصفر بالديون يعني بالناقص، وحصلت على المال بالعمل لدى الآخرين والادخار ثم إطلاق مشروعي. يمكنك أنت كذلك فعل نفس الشيء.

إن أثارت قصتي فضولك فقد فصّلت فيها القول في هذا الملف حمّله واستمتع.

هناك عدة طرق للحصول على تمويل لمشروعك -لكني أنبّهك أن المال بذاته ليس مهمًا كثيرًا في ريادة الأعمال- لأنه كما يقول الإنجليز رأس المال المغامر (VCs) رخيص يعني ستجد فعلًا من يموّلك أو تجد مصدرًا يعطيك الانطلاقة. لكن كل الجهد والتعب يكمن في الاستمرارية والإدارة اليومية لمشروعك.

تستطيع أن تجد تمويلًا لمشروعك بـ

  • الانخراط في حاضنة أعمال أو مسرّعة أعمال مثل هذه فاستركابيتال 
  • التواصل مباشرة مع المستثمرين وتجد قائمة وافية بهم (من العرب) في صفحة المستثمرين من موقع جولة
  • الاقتراض من العائلة والأصدقاء والجهات المالية مثل البنوك
  • حالتي: تعمل وتدخر ثم تطلق المشروع. قد يساعدك بعض الأصدقاء كذلك في التمويل

كم تُكلّفك ريادة الأعمال من جهدٍ؟

الكثير جدًا، جهدٌ عظيم للغاية يرافقه تعب وإجهاد وقد تدخل للمشفى -عافاك الله- كما صرّح الخالدي أعلاه وغيره كثيرون.

أيضًا قد تتعرض لمشاكل في الصحة العقلية. ريادة الأعمال دون وعي ستحرقك وظيفيًا لا محالة وتعرّضك لإجهاد شديد.

تسألني: هل يمكن أن أغدو رائد أعمال دون أن أُحرق وظيفيًا أو أُقتل من الإجهاد؟

الجواب نعم إن اتبعت هذه التوصيات التي تجنبك الاحتراق الوظيفي: أسباب الاحتراق الوظيفي سواء أكنتَ مُستقلًا أو موظفًا وكيف تتصدى لها؟

حتى مع اتباعها ستجُهد لكن في تلك الحالة سيخفّ الإجهاد؛ وغالبًا لن تدخل المشفى بسبب التوتر إن اتبعت النصائح.

كم تُكلّفك ريادة الأعمال من وقت تعلُّم؟

كل ثانية من ثواني عمل رائد الأعمال هي لحظة تعلّم. وذلك حتى مماته. لكن تسألين عن البداية الأولية والجواب هو -نظرًا لأننا نحكي عن رائد أعمال وليس مستقل في تخصص ما- فهي وفق خبرتي الشخصية 5 ساعات تعلم يومية لا تسلية فيها لمدة 6 أشهر دون انقطاع. هذه الفترة من التعلّم تعطيك أساسيات ريادة الأعمال وإدارة عمل تجاري عبر الإنترنت.

في هذه الفترة يمكنك أن

  • تنخرط في دورات في ريادة الأعمال مثل مساقات ألِف ستارت أب وهي مجانية وأوصيك بها.
  • تقرأ كتب ريادة الأعمال مثل كتاب رائد الأعمال التقليلي وهو كتاب تقييمي له خمس نجوم وأنصحك به.
  • تشتري استشارة من مرشد في ريادة الأعمال وتطلب منه خطة تعلّم تمضي وفقها. يمكنك شراء استشارات من موقع منترني وغيره.

اختبار يكشف إن كنت تصلح لريادة الأعمال أو لا

إليك هذه الأسئلة الستة. التي إن أجبتك عليها كلها بـ نعم فأنت تصلح لريادة الأعمال. إن أجبتك ولو على سؤال واحد فقط بـ لا فأنت لا تصلح لريادة الأعمال.

  1. هل لديك صبر وتحمل على مشروعك لعشر سنوات مقبلة مع العمل يوميًا عليه؟
  2. هل لديك قوة تحمل ومرونة وحُسن خلق وتغاضي وتغافل على معاملة الناس من عملاء وموظفين ومستقلين ومستثمرين وشركاء؟
  3. هل لديك ذهنية تفهم الفشل أنه درس تستقي منه الكثير وليس وصمة عار؟
  4. هل أنت جاهز لارتكاب الأخطاء وعدم تكرارها وارتكاب أخطاء جديدة كل مرة والتعلّم منها؟
  5. هل أنت جاهز لأن تضحي بالكثير من وقت راحتك وتسليتك ووقتك الاجتماعي مع الآخرين من عائلة وأصدقاء؟
  6. هل أنت جاهز لأن تتعلم حتى مماتك؟ وتظل تتعلم كل يوم دون انقطاع؟

إن كانت إجابتك نعم على كل الأسئلة الستة فريادة الأعمال مجال يصلح لك. إن أجبت ولو على سؤال واحد فقط منها بـ لا فدعَك من ريادة الأعمال. فأنت لم تخلق لذلك.

تم المقال بحمد الله، إن أعجبك شاركه ولك أجر؛ أو شاركه واشترك في رديف ولك أجران.


أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: من رائد الأعمال العربي الأحب لقلبك؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by Marten Bjork on Unsplash

رأي واحد حول “كم سيتكبَّدُ المرء ليصبح رائد أعمال، من وقتٍ ومالٍ، وجهدٍ، ووقت تَعلُّمٍ؟

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s