10 توصيات فعّالة من قارئ نهمٍ تجعلك مواظبًا على القراءة

القراءة فعل بطوليّ، أقل منافعها كفّ شرّك عن العالم وانشغالك بنفسك.

يونس بن عمارة

لا يعرف عامةُ الناس كم يلزم من الوقت والجهد لكي تتعلم كيف تقرأ. لقد سَلَختُ ثمانين عامًا في ذلك، ولا أحسبُني وصلتُ إلى بُغْيتي

جوته: “محادثات مع إكِرمان” – اقتباسًا من كتاب رائع أنصح به: الفلسفة طريقة حياة: التدريبات الروحية من سقراط إلى فوكو، بيير هادو؛ نقله للعربية: عادل مصطفى. ص 148.

مساء الخير،

اقترحت عليّ الأستاذة أمل الحربي بارك الله فيها هذا الموضوع:

لننقل سؤالها هنا ونجيب عليه بعون الحيّ القيوم:

كيف أداوم على القراءة؟

بالنسبة لي المقصود بالقراءة هنا، هي كل ما يندرج تحت هذا الفعل بغضّ النظر عن الوسيط وطريقة الاستهلاك:

  • فقراءة ثريدات تويتر والتغريدات
  • والاستماع للكتب الصوتية
  • وقراءة التدوينات والمقالات
  • وقراءة الكتب
  • وقراءة منشورات فيسبوك ولينكدإين وغيرها
  • وقراءة أعداد النشرات البريدية

كلها قراءة.

واعلم أن القراءة هي ما يفصل ما بين الخبير الحقيقي والخبير الذي انقضت أيام مجده والذي يتكئ على سنوات خبرته دون مواكبة.

وها هنا كلمة قيّمة لديريك سيفرز:

لا ينبغي لمن لعب كرة القدم في المدرسة الثانوية أن يسمي نفسه “رياضيًا” للأبد. كذلك لا ينبغي لمن أنجز مهمة ناجحة منذ فترة طويلة أن يستمر في تسمية نفسه بالناجح. إن أردت اللقبَ (ناجح، رياضي…إلخ) فعليك أن تفعل ما يجعلك جديرًا به وأن تفعل ذلك باستمرار.

ديريك سيفرز عبر نشرة 10+1 Things

نفس الشيء ينطبق على القراءة وعلى أي مجال.

إن حبك للقراءة لمّا كنت صغيرًا وتوقفك عنها لا يجعل منك الآن قارئًا نهمًا. ولا حتى مجرد قارئ. إن كنت قد وقعت في هذه الورطة أي حب القراءة لما كنت صغيرًا وهجرك لها لما كبرت؛ فالترياق هو الاستماع لهذه الحلقة من بودكاستي: يونس توك (الحلقة 48): كيف أستعيد شغفي بالقراءة والكتابة؟

وفيما يلي 10 توصيات تجعلك تواظب على القراءة:

لا بد أن تؤمن بالفعل بأهمية القراءة

مع أن هذا بديهي لدى بعض الناس إلا أن البعض لا يؤمن فعلًا بأهمية القراءة. لا قراءة الكتب ولا غيرها. ويرى من يقرأ أناسًا حالمين على غير صلة بالواقع وأنه يفهم الواقع والملموس ويمتح مباشرة من ثدي الحياة التي تعطيه دروسًا عملية.

وهذا هراء.

للدلالة على أهمية الكتب في “الحياة الواقعية” نستشهد بأن كثيرًا من المؤرخين والباحثين منهم يوسف زيدان يرى أن جنكيز خان استطاع جمع القبائل المتفرقة بفضل كتاب قانونيّ اسمه الياسق، وأنه لولا هذا الكتاب -مع عدة عوامل أخرى منها شخصيته وفكره الذي ألهمه وضع الكتاب- ما تسنى له أن يجمعهم ويفعل ما فعل.

وهذا بغض النظر عن رأيك في جنكيز خان وما فعله. فما نرغب بالاستشهاد به هنا هو أثر الكتب الفعليّ في الواقع.

ونحن نستشهد بهذا، والقرآن من أعظم الكتب التي غيّرت العالم غير أننا في عصر سميتُه من قبل بعصرِ إعادة الدلالة على البديهيات. فالناس تسأل الآن حتى على البديهي ويطالبونك بالدليل. فنحنُ أتينا بالدليل.

لاحظ مثلًا أنه لولا كتب هيغل ما وُجد فكر ماركس ولولا الماركسية ما وجد لا الاتحاد السوفياتي كما عرفناه ولا جمهورية الصين الشعبية ولا أي حزب ماركسي آخر. واعلم أن ملايين قتلت وجنّدت وترسانات عسكرية مهولة أُعدّت لنصرة الفكر الماركسي الذي نبع من رحم فلسفة هيغل.

وما هي فلسفة هيغل إن لم تكن ملازم أعدّها الفيلسوف الألماني لطلبته ثم حُوّلت كتبًا طبعت وانتشرت انتشارًا واسعًا.

والذي لا يعرف قيمة القراءة مشكلته أنه منفصل عن التاريخ مفارق للحقائق. فلولا الطباعة ما تطورت أوروبا وما الذي تُخرجه المطابع؟

الكتب والنشرات المطبوعة والمجلات والصحف وغيرها.

والتي تُستهلك بالقراءة.

لولا الطباعة ما وجدت الإنترنت كذلك. لأن الطباعة قضت على الأمية لحد كبير في العالم المتحضر. من ثم تثقف الناس ومن وعيهم اخترعوا وابتكروا.

إنه لولا كتاب الخوارزمي عن الجبر. ما تسنى لك أن تحمل في يديك الهاتف الذكي الآن ولا أن تقرأ هذا المقال.

ولولا هيوم وكُتبه لظلّ كانط المفكّر الألماني المعروف في سباته الدوغمائي كما قال بنفسه.

ولولا القرآن والأدب العربي والفارسي والشرقي عمومًا ما كتب غوته رائعته الأدبية الديوان الشرقي للمؤلف الغربي.

ولقتل هذه النقطة بحثًا طالع في هذا العدد من النشرة البريدية Contrarian Tinkering عدة كتب وما أحدثته من أثر ملموس في الواقع:

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

إيمانك بأهمية الشيء وثمرته يجعلك تُقبِل عليه بهمّة ونشاط. فأنت تعرف قيمته الحقيقيّة. وكما قالوا: قارئ اليوم هو قائد الغد. ولعمري قد صدقوا.

استخدم أدوات تسهّل عليك فعل القراءة

وتنقسم الأدوات لقسمين:

أدوات واقعية

مثل القارئات الإلكترونية كالكندل وغيرها. وأجهزة الإضاءة الخافتة (السهّارة) للقراءة الورقية الليلية بل وحتى الشموع العطرية. وكل ما له صلة بالهدوء والاسترخاء المساعد على القراءة والاستيعاب.

أدوات رقمية

وهي هنا مثل حساب على الكندل، وتطبيق Readwise لحفظ الملاحظات مما تقرأه وقارئات الآر إس إس مثل فيدلي وميل برو وغيرهما وما إلى ذلك من تطبيقات وأدوات رقمية.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

تيسير الفعل يجعله أسهل على النفس. وما يسهل على النفس يسهل تكراره ومن هناك تتحقق المواظبة.

اتباع حمية معلوماتية لا غنى عنه

تكلمت كثيرًا عن هذا الموضوع من قبل. ويكفي أن تطالع هذا المقال: كيف أستخدم الشبكات الاجتماعية بحيث لا تؤثر على إنتاجيتي ولا حالتي النفسية؟

إن الحمية المعلوماتية نافعة لصحتك العقلية والنفسية وتمنح ذهنك فسحة يمكن استغلالها وملئها بخيرات القراءة.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

تمنحك الحمية المعلوماتية (حرصك على تفحّص ما يدخل لذهنك وترويض لخورازميات الشبكات الاجتماعية) فسحةً في عقلكَ تستطيع استغلالها للمواظبة على القراءة النافعة.

تنظيم الوقت كفيل بمنحك وقتًا للقراءة

يعلّق الكثيرون عدم قراءتهم أو مواظبتهم على القراءة على شمّاعة “عدم وجود وقت”. العجيب أن هؤلاء وفي الغالب لديهم وقت لتيك توك وغيره. لذا فحججهم واهية.

إن تنظيم الوقت لا بد منه وهناك الكثير من الطرق الآن لفعله منها طريقة الطماطم (بومودورو). فاختر طريقة مناسبة لتنظيم وقتك واتبعها.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

يتيح لك تنظيم الوقت وقتًا تستطيع استغلاله للمواظبة على القراءة.

صاحب القرّاء النهمين وصادقهم

نصح الكاتبُ الشهير عن العادات جيمس كلير مرّة فقال أنه إن أردت ترسيخ عادة لديك. مثل القراءة أو الرياضة أو غيرها. فصاحب ناسًا يمارسون تلك العادة بتلقائية طبيعية.

مثلًا إن أردت ممارسة التمارين الرياضية بانتظام. صاحب من التمارين الرياضية طبيعية في حياته لدرجة أنه لا يتكبد عناء في ملازمتها.

نفس الشيء ينطبق على القراءة. صاحب من يقرأ دون كثير عناء في الشروع في فعل القراءة وهكذا ستترسخ لديك هذه العادة وهذه النصيحة من أعظم النصائح في تكوين العادات وترسيخها.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

من جاور السعيد سَعِد، ومن جاور القرّاء النهمين، أصبح منهم فإن لم يصبح منهم أصابهُ مما يقرأون الكثيرَ من المعلومات والمعارف.

تعلّم القراءة السريعة والمسحية

لا يوجد قانونٌ يجبرك على قراءة الكتب أو المنتجات المعرفية من أولها لآخرها. وحتى لو شعرت بالذنب لعدم إنهائك كتابًا فهذا طبيعي. لكن لا داعي للشعور به.

تعلّم القراءة السريعة وأن تمسح ببصرك النصوص بسرعة. هناك كتب تُقرأ بهذه الطريقة. مثل كتب تنمية الذات والكتب المعلوماتية الخفيفة. لكن كتب المتعة والتسلية وللمعرفة المعمقة: اقرأها ببطء.

اقرأ ما يهمك فقط. تصفّح الفهارس وابدأ مباشرة بما يشدّ انتباهك. فهكذا تسعد نفسك وتجعل القراءة مُحبّبة لنفسك.

إن قالوا لك أن هناك قانونًا عالميًا يجبر الناس على إنهاء الكتاب من الغلاف للغلاف فقل لهم

  • أن الكاتب المغربي القدير عبد الفتاح كيليطو في حوار له مع مجلة فكر وفن قال أنه لا يقرأ الكتب من الأول للآخر.
  • كما أن عدنان إبراهيم حكى مرة أن تشارلز داروين كان يقرأ بتفكيك الكتب يعني يفكك الكتاب ويأخذ منه فقط الفصل الذي يود قراءته ويترك الباقي. وهو هنا مُجرم كتب إذ هذه الطريقة تقتضي إتلاف الكتاب.

ثم أخبرهم أن عبد الفتاح كيليطو وتشارلز داروين ليسوا أحسن منك.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

قراءة ما تحبّ فقط دون التقيد بالبدء من الأول ودون أن تفرض على نفسك أن تنهي الكتاب. يحبب القراءة لنفسك ومن ثم يسهل عليك المواظبة عليها.

لا تقرأ ما يشاع أنه نافع. بل ما يلامس قلبك أنت

هناك مقولة تُنسب للمؤلف الياباني هاروكي موراكامي مفادها:

إن قرأت ما يقرأه الناس سينتهي بك المطاف أن تفكر كما يفكرون

ومن الواضح أن “معظم الناس” لا يملكون حياة سارّة جديرة بأن تُحتذى. و”أكثر الناس” فئة لا يرغب عاقل بأن تكون مثاله الأعلى.

والتوصية هنا: أن تقرأ ما يروقك. اقرأ ما تحبّ وأكثر منه. فأنت تحيا حياة واحدة وحياتك هذه هي اختيارك وقرارك. غالبًا لما تقرأ ما تحب ستتعثر بكتبٍ لم يقرأها إلا عدد قليل من الناس وهذا ما يصنع تميّزك.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

إن قراءة ما تحب لا ما يوصي به عموم الناس أو المؤثرين. يجعل فعل القراءة فعلًا تسعى أنت إليه لأنه ينطوي على فعل ما تحبّه.

اشترِ الكتب الورقية والمفكّرات الورقية

هناك ما يكفي من أدلة علمية أن القراءة من المطبوع والورقي والملموس أفضل من ناحية الاستيعاب والفهم.

فضلًا عن هذا وفي عالَم متقلّب ستكون أوقاتك عامرة دائمة فإن ذهبت الكهرباء فستجد ما تقرأ ويغذي ذهنك. وإن وقعت في ظرف لا يتيح لك استخدام الأجهزة الإلكترونية ستجد الكتاب الذي يفتح أمام ناظريك عالمًا يتجاوزك ويتجاوز ظروفك الضيقة ومكانك المحدود.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

في حال انقطاع الكهرباء أو الإنترنت أو تعطل الأجهزة وعطبها. ستتمكن من القراءة وتحافظ على نصيبك من القراءة اليومية.

عندما تنهي قطعة محتوى: مباشرةً اكُتب عنها

عندما تنهي قطعة محتوى شارك ملخّصها أو انطباعاتك أو آرائك بشأنها مع غيرك. سواءً أكان ذلك عبر سناب شات أو تويتر أو مدونتك.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

بفعلك هذا ستكوّن حلقةً مباركة (Loop) مكونة مما يلي:

  • قرأت قطعة محتوى
  • كتبت/تكلمت عن رأيك بها وما استخلصته
  • نفعت الناس وحصلت على تفاعل
  • ذلك التفاعل سيحفزك على قراءة المزيد وإبداء رأيك فيه وهكذا دواليك

شارك ما تقرأه مع غيرك

وهذه التوصية تشبه ما سبقها. إلا أنها لا تتطلب منك إبداء رأيك أو الكتابة عمّا تقرأ، بل فقط المشاركة. صوّر أغلفة الكتب التي تقرأها وروابط المقالات التي تتصفحها. وما تتعلمه الآن.

كيف ستساعدك هذه التوصية على المواظبة على القراءة؟

إن مشاركة ما تقرأ يجذب لك أشباهك ممن يفكّر مثلما تفكّر، ويساعدك على الظهور في نتائج بحث من يبحث عن نفس الكتاب أو المقال مما يرفع حظوظك في مصادقة أناس لهم نفس توجهاتك ومن ثم إيجاد صحبة صالحة تعينك على القراءة وترسيخها عادة لديك.

هذا ما جاد به القلمُ في موضوع كيف تواظب على القراءة.

إن أعجبك المقال شاركه ولك الأجر أو اشترك في رديف ولك أجران.

أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: كم تقرأ من كلمة يوميًا وإن كان العدد تقريبيًا؟

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s