عام 1440 وملاحظات عن تاريخ الطباعة لدى العرب والمسلمين

عساكم بخير وعافية.

حاليًا أنا مشترك في قائمة بريدية إنجليزية اسمها 1440 تقدم للمشتركين فيها يوميًا أفضل ما في الويب الإنجليزي في شؤون العلم والتجارة والسياسة والترفيه.

وتقول النشرة أن تسميتها تعود إلى أن 1440 هو العام الذي اُخترعت فيه آلة الطباعة التي نشرت المعرفة بين الجماهير العريضة، كما أن هناك 1440 دقيقة في اليوم لو تقضي 5 دقائق منها صباحا في قراءة عدد النشرة الذي يُرسل إليك. لن يفوتك شيء كما يدّعون.

نعود لموضوعنا. وذكرت النشرة كي تروا أهمية اختراع آلة الطباعة. وقد قرأت في مكان ما أن الطابعة أحدثت في العالم آنذاك ما تحدثه شبكة الإنترنت الآن، وبهذا الصدد نطالع:

لا يزال العلماء يعترفون إلى اليوم بأن المطبعة هي “التقنية الأكثر فاعلية والتي لم يخترع الإنسان قط مثيلًا لها” وهي إلى الآن أساس تقنيات المعلومات والاتصالات.

الدكتور وحيد قدورة – أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام (ندوة تاريخ الطباعة العربية – مركز جمعة الماجد) ص 111

لذلك جال في خاطري هذا السؤال:

لماذا لا يوجد في المصادر العربية أي ذكر للطباعة أو الطبع أو كتاب مطبوع في السنوات التي تلت اختراع الآلة الطابعة؟ لنقل مثلا لماذا لم يذكرها علماء المسلمين والكتّاب العرب الذين عاشوا ما بين 1400 و1600 ميلادية مثلًا.

من غير المعقول أن يمر حدث كهذا ذو تأثير بالغ لا يظهر عنه أي ذكر لدينا حتى بعد 50 سنة من وقت ظهوره بل قل مئة ولن تجد ذكرًا له. ولا أحكي بعد قرون من ظهوره مثل سنوات 1700 وما بعدها، بل في المدة التي انتشر فيها في أوروبا.

السؤال الآن لماذا لا نجد للآلة الطابعة ذكرا حتى بالرفض أو أي شيء أصلًا في سنوات ما بين 1400 و1600م في التراث العربي والاسلامي؟

صحيحٌ أن هناك ذكرًا لها بعد 200 سنة من اختراعها، كما نطالع في تاريخ بچوي إبراهيم أفندي:

إن ابتكار الكفار للكتابة بخط الطباعة هو فن غريب، والحقيقة هو اختراع غريب، وقد ذكروا أنه في تاريخ 1440م من ميلاد عيسى عليه السلام قام رجل حكيم معروف باسم “إيوان كوتنبرك” (يوهانس غوتنبرغ) بهذا الاختراع في مدينة “مايانس” (ماينز)، وقد مضى منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا مائتا عام، وجميع كتب الكفار هي بخط الطباعة، وفي البداية، إذا كانت هناك رغبة في طبع أي كتاب، فإنه هناك صعوبة قد تظهر في وضع وتنظيم حروفه في مكانها بقدر كتابة (الكتاب) باليد، ولكن بعد ذلك، لو كانت هناك رغبة، فإنه يمكن طبع ألف كتاب في زمن يسير جدًا، ولا يحدث إرهاق في طبع الألف مجلد، قدر الإرهاق في كتابة مجلد باليد.

تاريخ بچوي إبراهيم أفندي – التاريخ السياسي والعسكري للدولة العثمانية المجلد الأول تر وتقديم ناصر عبد الرحيم حسين ص 148 – المركز القومي للترجمة

لكن لا يوجد لها حدّ علمي ذكر قبل ذلك، وبما أنني قلت لعل العالم لم يكن شديد الاتصال وقتها فلم تذكر في مؤلفات العلماء المسلمين لدينا الذين عاشوا في تلك الفترة أي ما بين 1400 و1600م. قرأت عدة رحلات للمسلمين لأوروبا في تلك الفترة فقط بأمل أن يذكر الرحالة المسلم ولو خطأ أنه رأى آلة طباعة ويصفها لنا ويبدي رأيه. لكن حسب مطالعاتي لم أجد.

ومع أنك لما تبحث عن هذا الموضوع ستجد أن هناك من يقول أن المسلمين رفضوها. إلا أن أقاويل الرفض ستجدها أولاً بعد سنة 1700 وهذا بعد قرون من اختراعها. ثانيًا أن حكايات الرفض والتحريم غير دقيقة. طالع المرجع 1 و2 لتعرف مثلًا أن إشاعة أن السلطان سليم الأول أصدر فرمانًا يقضي بالإعدام على من يمارس الطباعة في أراضي الدولة، ومنع إنتاج أي كتب تطبع بحرف عربي [كانت الأبجدية التركية العثمانية تستخدم الحروف العربية] مجرد إشاعة لا أساس لها من الصحة.

مرجع1: هل رفضت الإدارة العثمانية استخدام المطبعة؟!

مرجع2: Did the Ottoman empire suppress the printing press?

بعد أن طالعت كتاب ندوة تاريخ الطباعة العربية حتى انتهاء القرن التاسع عشر -مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث وجدت ضالتي فالمسلمون لم يتجاهلوا الطباعة وآلاتها. بل لم تَرق لهم وحسب. والسبب ليس دينيًا بل جماليًا في الغالب. نطالع:

تقنيات هذه الطباعة وتطورها لم تنتشر عند المسلمين لعدم اهتمامهم بهذا اللون من التقنية الميكانيكية لأسباب ذوقية وفنية حسية تتعلق بجمالية الخط العربي ولغته، وليست دينية كما يدعي [البعض]

الطباعة العربية في أوروبا -الدكتور قاسم السامرائي – ندوة تاريخ الطباعة العربية ص 49

لبحث الموضوع دعنا نصحح بعض المعلومات أولاً

1. الأوروبيون ليسوا أول من اخترع آلة الطباعة

قد يقول قائل الأوروبيون لم يخترعوا “الطباعة” ككل لأنها كانت موجودة في الصين، لكنهم اخترعوا آلة الطباعة ذات الحروف المتحركة. وهذا هو إنجازهم.

الرد: ولا حتى هذا من إنجازهم؛ والدليل ها هنا:

اخترع الصيني بي شينغ سنة 1041م طريقة الطباعة بالأحرف المنفصلة “أو المتحركة”، وهو أسلوب متطور جدًا بالقياس إلى أسلوب الألواح الخشبية، لأنه يساعد على طبع آلاف النسخ من أي كتاب كان…هناك مصدر إسلامي من القرن الرابع عشر الميلادي يؤكد ذلك (أي مواكبة المسلمين للاختراع الصيني)، وهو كتاب جامع التواريخ للوزير فضل الله بن عماد بن علي رشيد الدين (1247-1318م) الذي تحدث عن زيارته للصين ومشاهدته للمطبعة ووصف الأحرف المنفصلة للغة الكاتاي katai.  

الدكتور وحيد قدورة – أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام (ندوة تاريخ الطباعة العربية – مركز جمعة الماجد) ص 114-115

2. المسلمون عرفوا الطباعة بالفعل قبل العام 1400 أي قبل غوتنبرغ أصلًا.

وهنا فيه ثلاث أدلة، اثنين نصية تاريخية، وأخرى مادية (أكثر من خمسين وثيقة) سنعرض منها 3 صور.

الإشارة الأولى ما ورد في مصدرين أندلسيين متأخرين يتحدثان عن فنّ غامض للطباعة، الأول لابن الخطيب وعنوانه “الإحاطة في أخبار غرناطة” الذي ذكر أن أبا بكر القلوسي أهدى للوزير الحاكم كتابًا عن خصائص صناعة الحبر وأدوات الطباعة وهذا الكتاب فريد في محتواه.

أما الشهادة الثانية فهي لابن الأثير الذي ذكر في كتابه “الحلة السرية” أن بدرًا مولى الأمير عبد الله كان يكتب السجلات في داره، ثم يبعث بها فتطبع.

وقد اختلف العلماء حول هاتين الشهادتين إلا أنه يبدو -أمام غموضهما، وفي غياب مصادر أخرى- أن الأمر يتعلق بأسلوب متطور للطباعة بالألواح الخشبية.

الدكتور وحيد قدورة – أوائل المطبوعات العربية في تركيا وبلاد الشام (ندوة تاريخ الطباعة العربية – مركز جمعة الماجد) ص 113

تعليقي: الكتاب المقصود في الشهادة الثانية هو الحلة السيراء وهو من تأليف ابن الأبار. وليس كما ورد الحلة السرية لابن الأثير. ونفس هذه المعلومات ترد بصورة أدق في محاضرة الطباعة العربية في أوروبا -الدكتور قاسم السامرائي – ندوة تاريخ الطباعة العربية ص 50:

أما في الأندلس فإن الإشارات المستقاة من المصادر التاريخية الأندلسية تثبت أن فن الطباعة كان معروفًا فيها أيضًا؛ ففي ترجمة أبي بكر القلوسي من كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة أنه “رُفع للوزير الحكيم كتابٌ في خواص الأمُدَّة (ج مداد أي حبر) وآلة طبع الكتاب، غريبٌ في معناه”، وأورد ابن الأبَّار أنّ: “بدرًا مولى الأمير عبدالله كان يكتب السجلات في داره ثم يبعثها للمطبع، فتطبع، وتُخْرَج إليه، فتبعث إلى العمال”

الأدلة المادية:

استخدام العرب للقوالب الخشبية في طباعة كتبهم الدينية وبخاصة المصحف الشريف والأدعية وحتى أوراق اللعب (ما تسمى الكوتشينة) وغير ذلك، فقد استخدموا طباعة الكتب بالقوالب الخشبية في المشرق العربي والأندلس في نهاية القرن الثالث للهجرة (التاسع للميلاد)…ويؤيد هذا اكتشاف ما يزيد على خمسين وثيقة من الوثائق العربية المطبوعة على الرقّ والكاغد وقماش الكتان اكتشفت في واحة الفيوم بمصر مع الوثائق البردية المعروفة ببرديات الدوق راينر، وهي تعود إلى ما بين سنة 287 و751 هجرية

الطباعة العربية في أوروبا -الدكتور قاسم السامرائي – ندوة تاريخ الطباعة العربية ص 49

آمل أن تكون هذه المعلومات قد نفعتكم. أراكم في يومية الغد إن شاء الله!

5 thoughts on “عام 1440 وملاحظات عن تاريخ الطباعة لدى العرب والمسلمين

  1. إذا ترك الطباعة في القرون المتأخرة نكوص وتخلف كارثي.. لمخالفته سنة الواقع آنذاك وسنة السلف!

    Liked by 1 person

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s