حوار مع مارك آندريسن

صورة تمثل مارك آندريسن
صورة تمثل مارك آندريسن

أهلا بكم في أول مقابلة نجريها على مدونة “The Observer Effect”. عندما خططت لهذه السلسلة من المقابلات مع القادة الملهمين، خطر ببالي شخص واحد توجب افتتاح السلسلة به. إنه مارك آندريسن. يعتبر مارك أحد أهم الشخصيات وأكثرها تأثيرا في تاريخ الإنترنت. لقد حالفنا الحظ في التطرق لعديد المواضيع، منها كيفية قضائه لوقته، وكيفية اختياره لأهدافه الشخصية، وسر حبه للقراءة، وما الذي يدفعه للاستمرار بعد كل تلك السنين الطويلة، وما الذي يريد من الناس بناءه.

كان مارك كريما ومتفتحا بإجاباته وآملُ أن تستمتعوا بقراءة هذه المقابلة بقدر ما استمتعت بها عندما أجريتها. 

ملاحظة: أُجريت هذه المقابلة في منتصف شهر مايو من عام 2020، وذلك قبل أن تصل بلادنا إلى أزمات كبيرة. وهكذا لم نتناول أيا من المسائل الأليمة التي نعايشها حاليا. 

شريرام كريشنان

فلنبدأ هذا الحوار بلهجة جدية، ما هو احتمال ندمك على قبول إجراء هذه المقابلة من الأساس؟ 

(يضحك مارك) 

لا شك أنك لاحظت كمية الأنشطة العامة التي أقوم بها مؤخرا، لذا يمكنك أن تقيس على ذلك بدقة.

عن الإنتاجية

فلندخل في صلب الموضوع مباشرة، كتبتَ منذ ما يقارب العقد منشورا شهيرا في مدونتك تحت عنوان “دليلي إلى الإنتاجية“. ما هو جديد نسخة عام 2020 من دليل مارك آندريسن إلى الإنتاجية؟

 أهم شيء هو أنني انقلبت 180 درجة على النموذج الذي كان لدي منذ 13 و14 سنة. لقد كان الدافع الرئيسي في البداية هو تأسيس شركتي الخاصة ثم توسيع نطاقها. أما الآن فلدينا العديد من الشركات في معرض أعمالنا، وعدد كبير من الاستثمارات في الأعمال المختلفة التي أدرتها على مر السنين. يتعبني تحمّل ضغط العدد الكبير من الأشياء التي تصلني وتصل الشركاء الرئيسيين هنا فهو حمل ثقيل جدا. وذلك ما دفعني إلى إجراء عملية إعادة هيكلة شاملة لحياتي، في الحقيقة لم يسبق أن كنت بهذا التنظيم قط.

وهكذا فإن اليوم العادي بالنسبة لي يتبع جدول أعمال محدد للغاية. وتجدني أحاول “برمجة ” يومي بقدر الإمكان.

احكِ لنا بالتفصيل كيف يبدو يومك؟

 عليّ أن أقول في البداية إن لا شيء مما سأرويه كان ليكون ممكنا لولا مساعدتي الشخصية التي لا تعرف التعب، آرشو آفيتيان. لقد كانت سلاحي السري لما يفوق العشرين سنة.

 في البداية، وحدة قياسي للزمن هي الأسبوع وليست اليوم الواحد، تتغير العديد من الأشياء بتغير اليوم. ففي يومي الإثنين والجمعة تجد جداول أعمال شديدة الخصوصية لأننا ندير فيهما الأعمال بأسلوب شركات رأس المال المغامر. وفي يوم الإثنين نسابق الزمن طوال اليوم ونجري فيه معظم العمل الجماعي. ويشبه ذلك ما نقوم به في يوم الجمعة أيضا. أما الثلاثاء والأربعاء والخميس فهي أيام مفتوحة. ونجري فيها العديد من اجتماعات مجلس الإدارة واستشارات ريادة الأعمال. عندما تبرمج الأيام من الإثنين إلى الجمعة وفق هذا الجدول المنظم، تفهم أخيرا لماذا يحظى الناس بعطلة نهاية الأسبوع. إنني أسعى جاهدا لتخصيص يومي السبت والأحد لأنعم ببعض الراحة على الأقل.

لقطة شاشة لجدول وقت مارك آندريسن
لقطة شاشة لجدول وقت مارك آندريسن

في منشورك القديم تحدثت عن جدول أعمال أرنولد شوارزنيجر المفتوح وعن فوائد وجود وقت غير مجدول في يومك وما يأتي مع ذلك من مرونة.

عندما أجرى آرنولد تلك المقابلة، أعتقدُ أنه كان يمر “بفترة ريادة الأعمال”، في ذلك الوقت كان منخرطا في العديد من المشاريع الريادية وتأسيس الأعمال. أعتقد أنه ثمة فوائد لمثل هذا المنهج إذا كنت رائد أعمال يمر بفترة إبداع وخلق كثيف.

عشت فترة مشابهة لا بأس بها في بداية مسيرتي عندما كنت أمارس البرمجة. في الأساس، كنت أعمل على شيء واحد طوال الوقت إلى أن أتعب وأنهار. ثم أنهض في الصباح الموالي وأواصل العمل على نفس الشيء. لم يكن لدي جدول أعمال بالمعنى الحقيقي. لقد كنت أعرف جدول أعمالي بالحدس وحسب. ويشبه ذلك إلى حد ما ألا يكون لديك جدول أعمال البتة. لكن التحدي سيظهر بالتأكيد عندما تحاول أن تمارس أي عمل يتضمن إدارة مؤسسة أو خدمة العملاء، وذلك ما أعتقد أن عملنا يتمثل فيه حاليا. إذا كان جزء من عملك يتمثل في التعامل مع الكثير من الواردات، فإنه يتوجب عليك أن تردّ في وقت وجيز وألا تخيب ظنون الناس. قد يستطيع البعض فعل ذلك بلا قيود. ولكنني لا أعلم كيف أفعل ذلك. 

هل كانت هناك لحظة قررت فيها تغيير نظامك القديم؟ هل حدث ذلك عندما أسست الشركة؟

أجل، بصراحة عندما أسسنا الشركة في عام 2009، دخلنا في خضم الأعمال مباشرة. لقد كان الأمر يشبه بركانا من النشاط الجديد. قررنا أن إحدى قيم الشركة هي احترام الأشخاص الذين نعمل معهم. وأساس هذا الاحترام هو ألا نفشل في مسؤولياتنا أو واجباتنا. ولذا نجيب بسرعة، ولدينا سياسة رفع مستوى الخدمة بحيث نجيب الأشخاص في فترة لا تتجاوز حدا معينا من الزمن. نعتمد على مقولة ج.ب. مورغان القديمة “أعمال من الدرجة الأولى، بمنهج من الدرجة الأولى”. عندما تتصل بنا، تأكد من أننا سنجيبك. عندما نلتزم بفعل شيء ما، تأكد من أننا سنفعله. لقد كان من الضروري اكتساب نظام من نوع ما.

أعتقد أن رأس المال المغامر هو عمل يستوجب البقاء على مقربة، رؤوس المال المغامرة التي حاولت أن تتجرد من الأعمال اليومية، لم تبلي بلاء حسنا. عليك أن تعرف حقا ما الذي يجري من حولك. عليك أن تبقى على اتصال وثيق بما يجري في الأسواق وعالم التكنولوجيا، وأعمال الرياديين. وعليك أن تتواصل مع العديد من الأشخاص طوال الوقت، أليس كذلك؟ الأمر يتطلب اتباع نهج أكثر تنظيما. 

تستيقظ صباح الإثنين، أو تستلقي في أمسية من أمسيات الأحد، وتنظر إلى جدولك، ماذا تفكر؟ 

أفكر “يا إلهي، كم أنا منظم! لدي خطة!” لو لم يكن لدي جدول أعمال، لأصبت بنوبة من الذعر في اللحظة الأولى التي أستيقظ فيها.

الأمر المهم مبدئيا هو أن كل شيء موجود في الجدول. النوم موجود في الجدول، الذهاب إلى الفراش موجود بالجدول، وكذلك وقت الفراغ. وقت الفراغ مهم جدا لأنه صمام الأمان. يمكنك أن تعمل بكامل طاقتك لمدة طويلة ما دمت تعرف أنك سترتاح في النهاية. أما إذا لم تبرمج وقت فراغ كاف في جدولك، فستشعر بالاستياء من جدولك.  عندما كنتُ شابا، لم أكن أعرف مفهوم الراحة. لكن سيأتي وقت، وبالخصوص مع التقدم في العمر، يخونك فيه جسدك. وطبعا، إذا كانت لديك عائلة، لن تستطيع التواؤم مع نظامٍ تعمل فيه طوال الوقت.

أهمية الوقت المفتوح والتوكيل

إحدى الأشياء التي أثارت اهتمامي بجدولك هي وجود العديد من المساحات الفارغة.

تحدثنا كيف أن بعض أهم الأشخاص وأكثرهم تأثيرا في العالم لديهم فسحة كبيرة من الوقت الحر. على عكس بعض المدراء التنفيذيين الذين يعملون وفق جدول مبرمج من الثامنة صباحا إلى السابعة مساء.

كما تعلم، تعاملنا نحن الإثنين، مع مدراء يعملون وفق جدول مبرمج إلى أقصى حد ممكن. وستلاحظ ثلاثة أشياء مع هذا النوع من المدراء.

────────────

الأمر يشبه بعض مشاهد الأفلام الكلاسيكية عندما تقع أزمة هائلة وينادي أحدهم سكرتيرته قائلا “ألغِ كل المواعيد!”

────────────

الشيء الأول هو أنه لا يتوفر لديهم أي وقت للتفكير. ويتبين أن ذلك مهم للغاية.

الشيء الثاني هو أنهم يواجهون صعوبات في التأقلم مع الظروف. في أعمالنا المتعلقة برأس المال المغامر، تواجهنا العديد من المشاكل التي تظهر فجأة من العدم. ونواجه العديد من الصعاب. الأمر يشبه بعض مشاهد الأفلام الكلاسيكية عندما تقع أزمة هائلة وينادي أحدهم سكرتيرته قائلا “ألغِ كل المواعيد!”. حسنا، ربما لن تضطر لفعل ذلك إذا كان جدولك يسمح ببعض المرونة. 

ثم الشيء الآخر الذي قد تراه، هو أن بعض المدراء الذين يُخضِعون أنفسهم لمثل تلك الأنظمة الصارمة، ينتهي بهم المطاف إلى منصب مدراء مصغرين. لابد أنك رأيت بعض الأمثلة عن هؤلاء الأشخاص الذين ينتهي بهم الحال إلى الفشل في كل شيء.

 الجانب الجيد هو أن كل شيء يحصل في المؤسسة يقع تحت سيطرتهم. أما الجانب السيء هو أنهم يصبحون في عنق الزجاجة.

 أما أسوأ الحالات- وقد تعاملت مع شخصين من هذا النوع-  فينتهي بهم المطاف إلى استقبال طابور طويل من الناس خارج مكاتبهم، وستمتد الطوابير إلى خارج الممر وتمتلأ بأشخاص يريدون مقابلتهم. وستدخل مؤسستك في مآزق لا تحمد عقباها. وسيصبح العمل في مثل هذه المؤسسة محبطا، لأن ذلك هو المعنى العكسي للتوكيل.

من المواضيع المتصلة بهذا الشأن مسألة التوكيل. (إيكال بعض الأعمال لأشخاص آخرين) يصعب على العديد من هؤلاء الأشخاص إفلات بعض الأشياء. قد يصبح التوكيل في بعض الأحيان أمرا بديهيا ومُلحًّا. ومن السهل إلقاء المواعظ بهذا الخصوص لكن عندما يصل الأمر إلى التطبيق فإن العديد من الأشخص يعانون منه.

إذن، عندما تريد في أن تفسح المجال في جدولك، كيف تفعل ذلك؟ كيف تقول “لن أفعل هذا الشيء”، “سأقول لا”، أو “سأكلف شخصا آخر بفعل هذا”؟ 

حسنا، الجانب الجيد في طريقة إدارتي للأمور، هو أنني لا أشرف بشكل مباشر على أي أحد.

لست معتادًا على إجراء مقابلة مع شخص مثلك، لأنك لست مديرا تنفيذيا تقليديا يشرف على مؤسسة ضخمة. 

 صحيح، وهذا ما يجعل الأمور مختلفة، على الأقل إلى حد ما. لستُ مضطرا للتعايش مع ضغوطات المواجهات الشخصية ومسؤوليات الإدارة. وحتى إن كنت منخرطا في قدر لا بأس به من إدارة شؤون الشركة، إلا أنها شؤون نناقشها في اجتماعاتنا الداخلية. ولدينا أيضا أشخاص رائعون يديرون فرقا متنوعة. الشيء الوحيد الذي نضطر إلى فعله في مرحلة ما، هو معرفة كيف نقول لا، وفرز الواردات التي تصلنا.

وهذا ما يأخذنا إلى لقطات الشاشة والملفات النصية التي أريتني إياها سابقًا.

 لدى كل مدير نظام تدقيق خاص به. فلديك وقت محدد ومجموعة من المشاريع التي تهمك وتريد التركيز عليها. ما هو نظامك لجعل هذا الأمر ينجح؟ 

لقطة شاشة من ملفات مارك آندريسن
لقطة شاشة من ملفات مارك آندريسن

إذن مبدئيا، ثمة نوعين من المشاريع. لدى شركة آبل مفهوم يطلقون عليه اسم “المشرف المباشر” لأي مشروع. أحاول دوما معرفة المشرف المباشر، من هو الشخص المسؤول عن تسليم المشروع؟ إذا كان ذلك الشخص هو أنا، عندها يجب أن أضيف المشروع بأكمله إلى جدولي. فإذا لم أضفه إلى الجدول، فذلك يعني أنه لن ينتهي أبدا. تتناول المراجعة الأسبوعية كل المشاريع التي يشرف عليها الآخرون. كمثال عن ذلك، قد تبدأ شركتك عملية جمع أموال، أو تمر بمرحلة تنفذ فيها صفقة كبيرة. لا أريد أن أجري خلف رائد الأعمال أو المدير التنفيذي كل يوم بالضرورة، لكن أريد على الأقل أن أبقى مطلعا باستمرار، أليس كذلك؟ لا أريد أن تسوء الأمور وأصل إلى المرحلة التي يقول فيها المرء “ما الذي حصل؟” 

الأهداف والأنظمة

أرغب في أن ألقي نظرةً شاملة بعض الشيء، فلنتحدث عن إطار زمني أطول، فلنقل على مستوى سنوي، هل هناك أسبوع تذهب فيه إلى قمة جبل ما للتأمل، وتقول “حسنا، علي في هذا العام أن أقضي وقتا أطول مع المؤسسين” أو “علي في هذا العام أن أقضي وقتا أطول في قراءة الأبحاث العالمية” أو شيئا مشابها. وفيما يخص ذلك، كيف تربط أهدافك الشخصية بأهداف الشركة في الطريقة التي تقضي بها وقتك واهتماماتك، هل ثمة قمة جبل حقا؟ 

(يضحك مارك)

تبا، لا توجد قمة جبل! دعنا من قمم الجبال! ودعنا من البعوض والحشرات اللاسعة وكل ما له علاقة بذلك. 

ثمة شيئان يحصلان، ففي كل ستة أشهر أو ما شابه أشعر ببعض الضغط. وتبدأ الأمور بالإفلات من يدي، ولذا في كل ستة أشهر، أمارس نوعا من التوبة والرجوع إلى الذات. ويكون الأمر على هذا المنوال “حسنا لديك نظام رائع، لكن الأمر قد بدأ يصبح مثقلا أكثر مما ينبغي” و “إنني أقول نعم للعديد من المقترحات وأنخرط في العديد الأشياء”.

عليك أن ترتقي بنفسك وتعرف ما المهم. آخذ في العادة ساعة من الوقت لأتأمل الأشياء التي كنت أقوم بها. يتعلق الأمر أساسا بمعرفة العتبة التي تفرق بين قول نعم وقول لا. أحاول مراجعة ذلك مرة في كل عام. كما أعيد كتابة خطتي الشخصية مرة في العام، أعيد من الصفر كتابة مسعايّ وأهدافي ثم أرتب النشاطات التي تتلو ذلك. سأقول شيئين عن تخصيص الوقت.

أولا الأمر لا يتعلق بالجدول، قد تقرأ عن بعض المدراء التنفيذيين وممارساتهم المعقدة، وكيف أنه يستخدمون صحيفة بيانات لجدول مواعيدهم.

اشتهر ستيف بالمر باستعماله ملف إيكسل كجدول لمواعيده.

أجل، بالضبط. وهكذا يصبح لديهم كل تلك التحليلات المفصلة والرسوم البيانية والتقارير وكل تلك الأشياء. إذا كنت تدير إحدى أكبر الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية فربما يمكنني أن أتفهم الأمر، لأنك تصبح بمثابة رئيس دولة في تلك المرحلة. تحاول أن تقتطع بعضا من الوقت بين مختلف المواعيد، وتحاول أن تقتصد كل ما أمكنك من الوقت. أشعر بنوع من التعاطف تجاه الأشخاص الذين يواجهون مثل هذا التحدي. إنه مستوى آخر من الصرامة لست مستعدا للوصول إليه.  

أحاول أن يكون لدي حدس بما يجري من حولي وعن كيفية استعادة توازني. لقد أسست الشركة لأحقق ما أريد تحقيقه. وهدفي هنا هو أن أحقق ذلك في سياق الشركة. ولذا فإن الإجابة المختصرة هي دوما نفسها، كيف ننجح بالشركة؟ بالنسبة للمشاريع التي تشارك فيها الشركة، كيف أحسن من دوري في كل ذلك؟  كما تعرف، لقد كان هذا هو موقفي لإحدي عشرة سنة متتالية، ولا أظن أنني سأغيره في أي وقت قريب. أعتقد أن الأمر يتعلق بالتركيز على هدف واحد وتنقيحه باستمرار، أكثر من كونه يتعلق بمحاولة إعادة التفكير في الأهداف. 

العملية والنتيجة والمراهنات

أريد أن أتحدث إليك بشأن موضوع مثير للاهتمام، لأنه كما تعرف، توجد مدرستان فكريتان عن كيفية تحديد الأهداف. سواء على المستوى الشخصي أو المؤسساتي. الأولى تتمثل في استخدام استراتيجية الأهداف والنتائج الرئيسية (OKR) وأدوات القياس ثم النظر إلى شيء قابل للقياس الكمي من أجل قياس النتائج بموضوعية. أما المدرسة الفكرية الأخرى فتتمثل في التركيز على المدخلات والعمليات وليس على النتائج، ولأضيف إلى ذلك، عملك فريد من حيث أن لديه حلقات تغذية راجعة طوال العام على عكس عمل ذو نتائج فصلية. 

نعم، نركز في عملنا على المدخلات كثيرا، يتعلق الأمر أساسا بكونه مسألة تفضيل العملية عن النتيجة. ولهذا السبب بالضبط، فإن الرأسمال المغامر ليس نشاطا موسعا. لا نعرف تحديدا إذا كان سينجح شيء ما أو يفشل في سنينه الخمس الأولى بعد مرورنا عليه. إذن ما الذي أتعلمه؟ ما الذي أتعلمه في السنين الثلاث الأولى عندما لا ينجح؟ ففي بعض الأحيان تعاني تلك الشركات لبعض الوقت ثم تنجح نجاحا كبيرا. وأحيانا يحصل العكس- تنجح بعضها بسرعة ثم تواجه مشاكل خطيرة لاحقا. 

من الصعب أن تجد تشبيها جيدا، لكن الأمر يشبه لعبة البوكر، أليس كذلك؟ من الصعب جدا أن تكون لاعب بوكر جيد. إذا كنت تلعن حظك في كل مرة تحصل فيها على يد رديئة، فإن العادات السيئة ستتراكم وحسب. إنك بحاجة لنظام يساعدك على التفكير في العملية.

“التفكير في  شكل مرهانات” لآني دوك هو أحد أفضل الكتب في هذا المجال.

نعم بالفعل، مايكل موبوسين تحدث باستفاضة عن هذا الموضوع في كتبه التي تتناول هذه الممارسة بصفتها مهنة. حرفة الاستثمار بصفتها ممارسة تفصل العملية عن النتيجة. نكاد نعيش في عالم يحاول اختصار العملية برمتها. النتيجة تأتي عندما تأتي، قد يكون ذلك بعد 5 أو 6 أو 8 أو 10 سنوات. في تلك المرحلة، يساورني الشك عندما يتعلق الأمر بالنظر إلى الخلف ووصف العلاقة العرضية بين الأشياء التي فعلتها ونتيجتها. وأشعر دوما بالريبة والحيرة. 

من الصعب حقا استخلاص النتائج من العلاقات العرضية.

نعم، ولهذا لا نقضي الكثير من الوقت في الجري خلف هذا المسعى. إننا نركز على معرفة الطريقة المثلى لإجراء العمليات. ما هي الطريقة المثلى لإدارة الشركة؟ ما هي الطريقة المثلى لمساعدة رواد الأعمال؟ بالمناسبة الطريقة المثلى لا تكون عبر تقديم الكثير من المساعدة. الطريقة المثلى هي معرفة ما الذي يحصل في السوق، وعبر معرفة أنسب طريقة للمساعدة من خلال شبكتنا، والطريقة المثلى لمساعدة فرق الإدارة. الأمر كله عبارة عن عملية.

وبصراحة ينطبق ذلك أيضا على نفسيتي، في الحقيقة ليست لديّ جينات القمار. فلا أشعر بتلك الإثارة تجاه المراهنات والنتائج. أجلس لمثل تلك المراهنات ولا يصيبني شيء. لا تتسارع دقات قلبي ولا تضطرب الكيمياء بداخلي. ثم يشتغل الجزء الرياضي والمنطقي من عقلي، حسنا، العائد المتوقع من هذه الممارسة سالب، فما الذي أفعله هنا بحق السماء؟ يصبح الأمر مملا في الثواني العشر الأولى ثم أغادر المكان. 

إحدى الأشياء المميزة في الشركة هي أننا لا نحتفل بنجاحاتنا بما فيه الكفاية. لا نشعر بالكثير من الإثارة عند الفوز حقا.  نحب روح التنافس لكن المردود ليس أهم شيء بالنسبة لنا. 

هذه نقطة مهمة لأن الناس في الخارج غالبا ما يقارنون أصحاب رأس المال المغامر بالمقامرين، لكن الأمر من الداخل يبدو مختلفا على نحو لا يصدق. 

لن أكون أبدا مقامرا محترفا، لكن إحدى الأشياء التي تكتشفها عن المقامرين المحترفين هي أنهم قد يلعبون البوكر في الليل، لكن ما يفعلونه في النهار هو أنهم يتسكعون سويا ويقيمون رهانات جانبية بمبالغ كبيرة، وقد يكون رهانا جانبيا سخيفا بأتم معنى الكلمة، كأن يجلسوا في مطعم ويتراهنوا على ما إذا كان عدد السيارات الزرقاء التي ستمر من هناك أكثر من عدد السيارات الحمراء. ما يفعلونه في الحقيقة هو شحذ وتقوية نفسيتهم حتى يستطيعوا اتخاذ قرار في مثل هذه الرهانات من وجهة نظر رياضية بحتة دون عاطفة أو أي شيء آخر. إنهم يشحذون أنفسهم حتى يستطيعوا أن يكونوا حاسمين بالكامل. وعلى النقيض من هذا، يأملون أن يكون الشخص الذي سيجلسون قبالته في تلك الليلة عاطفيا للغاية. لأن الشخص الحاسم سيقضي على الشخص العاطفي بدون رحمة. إنها إحدى تلك النشاطات الغريبة التي قد تشهد فيها أرباح أو خسائر خيالية، لكن المحترفين لا يبالون لأن النتيجة مسألة إحصائية بحتة. إنها مجرد جزء من اللعبة، وعندما يخسرون سيعودون في اليوم الموالي وسيكونون أحسن على الأغلب. 

عن الكتب

سأغير الموضوع قليلا، لقد سألت العديد من معارفنا المشتركين عما يريدونني أن أسألك في هذه المقابلة، والسؤال الوحيد الذي تكرر دائما هو: كيف تقرأ كثيرا؟ 

────────────

العالم مكان معقد وعشوائي، ومحاولة فهمه تأخذ العمر بأكمله.

────────────

لقد قرأت طوال حياتي منذ أن كنت طفلا صغيرا، إنها عادة رافقتني زمنا طويلا. ببساطة، يشبه الأمر محاولة حل الألغاز الكبرى. المصطلح الأمثل هو “الاستيعاب”. ويكون السؤال الأساسي هو؛ ما الذي يحدث ولماذا؟ العالم مكان معقد وعشوائي، ومحاولة فهمه تأخذ العمر بأكمله.

الشيء الذي حاولت أن أفعله في السنوات القليلة الماضية هو “شحذ” عقلي من خلال ما أقرأه. أقرأ أشياء حديثة أو أشياء خالدة…

هذا ما يسمى أثر ليندي.

نعم، إنني أحاول استخلاص كل شيء يقع في الوسط. ما اكتشفته هو العدد الكبير من الأشخاص الذين بوسعهم أن يكتبوا في المنطقة الوسطى عندما يحاولون كتابة شيء حصل في الأسبوع الماضي أو الشهر الماضي أو العام الماضي أو حتى العقد الماضي- وهم الأشخاص الذين أثق بهم في تقديم تقرير موضوعي عن الوضع الحالي، إنهم قلائل جدا ويعدون على الأصابع. لدينا وضع مشابه حاليا (كوفيد 19)، الآن مع فيروس كورونا أصبحت أطالع التطورات العلمية والاقتصادية كل يوم لأنها مسألة حرجة. وأحاول قدر الممكن تجنب التأويل والتعليق عن الموضوع. 

والشيء الآخر مثلما تحدثت، هو وجود العديد من الأشياء الخالدة التي أثبتت أحقيتها مع مرور الزمن. في وسعك أن تقضي كل حياتك في قراءة الأعمال الخالدة وهو الشيء الذي كان يفعله الأذكياء فيما مضى. 

إذن كيف تنتقل من المستوى الصفر إلى المستوى الأول في مجال جديد؟ كيف تبدأ؟ هل تبدأ من العموميات أو تغوص في العمق مباشرة؟ 

إحدى الأشياء التي تميزنا كشركة هو أننا نتعرف على العديد من الأشخاص ونتحدث إليهم. والعديد من هذه المحادثات تكون وجها لوجه. في غالب الأحيان تتعرف إلى شيء جديد عندما يشرحه لك شخص آخر. لذا أهم شيء هو أن  تكون متيقظا ومنتبها في كل محاورة. وعندها سيمنحك شخص آخر أفكارا كبيرة ومجالات جديدة. أسميها “الأشياء القادمة من المستقبل”. شيء ما يحصل في العالم. قد يكون شيئا يحصل في مكان واحد. لكن المدهش كيف أنه قد ينتهي به المطاف إلى الانتشار في كل مكان. غالبا ما أطلب من هؤلاء أن يقترحوا عليّ شخصا آخر للتحدث معه عن الموضوع أو اقتراح كتاب لقراءته. 

بين الحين والآخر يحصل شيء جميل. عندما أطلب من أحدهم اقتراحات للقراءة في موضوع ما ويقول “حسنا، لا أعتقد أنه توجد كتب في هذا المجال حقا” فتلك هي أفضل السيناريوهات، لأننا قد نكون رواد تلك الفكرة. إذا كانت الفكرة متعلقة بالتقنية أو الأعمال أو الإدارة المالية، فإننا نجري تصويتا داخل الشركة. لن أذهب ببساطة وأغوص في الفكرة لمدة أسبوعين لكننا في العادة نكلف شخصا آخر من الشركة بتلك المهمة. نكلف أحدهم بحيث تكون المهمة جزءا من تطوره الشخصي وتطور دوره داخل الشركة. كما أنها فرصة لنتعلم أكثر عن الحاضر. 

────────────

مشكلة الشعور بأنك مضطر لإكمال كل كتاب تقرأه ليست تضييعا للوقت وحسب، لكنها تبطئك وتعطلك عن القراءة أيضا. 

────────────

تحدث نافال رافيكانت في بودكاست مؤخرا، كيف أنه قد توقف عن إكمال قراءة الكتب إلى النهاية. لقد تخلى عن الشعور بالذنب والحاجة إلى إكمال قراءة الكتب. تايلر كووين قال شيئا مماثلا. هل تكمل كل كتاب تقرأه؟ 

نعم، أعاني مع هذا الموضوع حقا. لدي العديد من الكتب التي لم أكملها بعد، ويجدر بي التخلص منها. باتريك كوليسون تحدث عن هذا الموضوع أيضا. مشكلة الشعور بأنك مضطر لإكمال كل كتاب تقرأه ليست تضييعا للوقت وحسب، لكنها تبطئك وتعطلك عن القراءة أيضا. إذا لم أكن قادرا على قراءة كتاب آخر حتى أنتهي من الكتاب الموجود أمامي، وإذا كنت لا أريد قراءة الكتاب الموجود أمامي، فحينها قد أذهب لمشاهدة التلفاز. وقبل أن تنتبه للأمر، تجد نفسك قد توقفت عن القراءة لشهر كامل ثم تقول “ما الذي فعلته؟” أعتقد أن تجنب هذا لهو من الأهداف الرئيسية. تأنيب الضمير قد يكون فعالا للغاية. 

التقنية الأخرى تتمثل في قراءة العديد من الكتب في وقت واحد.

 كيف يعمل ذلك؟ هل لديك رزمة من الكتب بجانبك طوال الوقت؟ أم أنك تستعمل تطبيق كيندل على هاتفك؟

 لدي رزمة من الكتب الورقية، ومجموعة من الكتب الرقمية على تطبيق كيندل في الوقت ذاته. وأقرأها جميعا في الوقت ذاته. عندما أجلس لأقرأ، أقرأ أكثر الكتب إثارة لاهتمامي من تلك المجموعة، ويتضح في النهاية أنها الكتب التي أنهيها. ومن الناحية النظرية تجد نفسك بعد شهر تقرأ كومة من الكتب وتصل للفصل الثالث في العديد من الكتب ولا تعود إليها. الأمر يشبه وجود قميص في خزانتك لم ترتده منذ عام، وهي علامة على أنه يجدر بك التخلص منه.

عن التعلم ووجهات النظر البديلة

يتحدث مايكل نيلسن وآندي ماتوسشاك عن التكرار المتباعد. بعض الناس يعيدون قراءة الكتب فقط من أجل استيعاب الأشياء بشكل أفضل. هل تعيد قراءة الكتب؟

────────────

عندما تدون الملاحظات، إن ذلك في الحقيقة تحفيز مزدوج للذاكرة، فرصة مزدوجة لتذكر شيء ما.

────────────

(يضحك مارك)

أطمح لأن أكون ذلك الشخص لكنني لا أطبقه حاليا. أتذكر التعليمات، لكنني لا أتذكر الحيثيات. أتذكر الأفكار والمفاهيم والشروحات بوضوح لكنني أفشل عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل. إنني أنسى الأشخاص والتواريخ وأنسى تفاصيل المحاورات. 

أكتب الكثير من التفاصيل لكنني لا أعود إليها لاحقا. لقد قرأت كتابا رائعا عن الذاكرة. عندما تدون الملاحظات، إن ذلك في الحقيقة تحفيز مزدوج للذاكرة، فرصة مزدوجة لتذكر شيء ما. توجد تقنية أخرى تحدث عنها كريس ديكسون. فهو يرى فصول الكتب مثل التدوينات. عندما يجلس ليقرأ، يتجه إلى الفهرس ويقرأ قائمة المحتويات وكأنها تدوينات. حسنا، هاتين التدوينتين تبدوان مثيرتين للاهتمام، لكنني لن أقرأ البقية. لن أقرأ كل تدوينة في المدونة، أليس كذلك؟ سأقرأ فقط التدوينات التي تثير اهتمامي.

لكن هذا لا ينطبق على الأعمال الروائية. 

الأمر يختلف طبعا بالنسبة للأعمال الروائية.

سنتحدث عن الأعمال الروائية في يوم آخر. في مقابلة سابقة تحدثت كيف أنك تشعر بالسرور عندما يثبت أحدهم أنك على خطأ. إذن كيف تبحث عن الآراء البديلة؟ 

هذا نوع مهم من تنمية الذات. عموما أغلب الأشخاص من حولك لا يحبذون عندما يقال لهم إنهم على خطأ، أليس كذلك؟ فهم يكرهونه أشد الكره. ومن المثير للاهتمام معرفة أسباب هذه الحالة. أفضل تفسير بوسعي التفكير فيه هو التالي: الناس يعاملون أفكارهم معاملة أطفالهم. قد تمتلك فكرة ويشبه الأمر امتلاكك لطفل، عندما يعتبر أحدهم فكرتك غبية يشبه الأمر اعتبار أطفالك أغبياء. وهناك تنتهي المحاورة. ما أحاوله جاهدا الآن هو أن أقضي وقتا أقل في مجادلة الآخرين. لأن الآخرين لا يريدون تغيير آراءهم. وهكذا أصبحت أحاول تجنب الجدال. 

ومع ذلك، ثمة نوع من الأشخاص الذين لا يمانعون تغيير آرائهم. ومن المثير للاهتمام، أنهم نفس الأشخاص الذين يود الجميع لو كرهوهم. إنهم مدراء صناديق التحوط. ويبدو أن مدراء صناديق التحوط البارعون يشتركون في هذه الصفة:  إذا دخلت معهم في جدال ساخن، سيستمعون في الحقيقة لما تقوله. لن يغيروا دوما رأيهم لكن أحيانا سيقولون: “حسنا، هذه وجهة نظر جيدة بالفعل”. ثم سيقولون: “شكرا”. وهذا غريب جدا لأن أغلب الجدالات لا تنتهي بهذه النتيجة في العادة. السبب الذي يجعله يشكرونك هو لأنهم سيعودون إلى المكتب في الصباح الموالي ويعكسون سياستهم المتعلقة بالتجارة. 

أعتقد بطريقة ما، أنها وظيفة ترتبط بمنصب يصبح فيه رأي الآخرين اعتباطيا، تصبح الآراء شيئا يمكن ربح المال من خلاله. في أغلب أدوار القيادة النمطية، قد تصبح هويتك مقيدة مثلا في استراتيجيتك لقيادة ألف شخص. إثبات أن أحدهم على خطأ – وبينما قد يكون أحسن شيء بالنسبة للمؤسسة- إلا أنه ليس جيدا بالنسبة للمدير.

 نعم مدراء صناديق التحوط هم أحسن مثال لأن في وسعهم تغيير سياساتهم التجارية كل يوم. فقد يضعون خطة طويلة الأمد حيال شركة ما في يوم الإثنين ثم يعكسون تلك الرؤية لاحقا في نفس الأسبوع. كما أنهم يحبون التخلص من الأفكار القديمة. – لنفس السبب الذي ذكرته- سيربحون المال من خلال ذلك. في بعض الأحيان أشعر في داخلي بالحاجة إلى تبني مثل تلك العقلية، لكن الموضوع صعب للغاية.

حسنا إذا كنت ترغب في وجود أشخاص يخبرونك كم أنت مخطئ، فما عليك إلا أن تذهب إلى تويتر.

(يضحك مارك)

عن تحسين الذات والحافز

فلنغير الموضوع قليلا، يستعمل تايلر كوين إحدى المقارنات بحيث يسأل: إذا كان عازفو البيانو يتمرنون على السلالم الموسيقية، وإذا كان لاعبو كرة السلة المحترفون مثل ستيف كوري يتدربون بالكرة، فما الذي يفعله أصحاب المهارات المعرفية؟ سؤالي لك، وخاصة بالنظر إلى خبرتك الطويلة، ما الذي تفعله كل يوم لتصبح أفضل؟ 

الشيء الذي تعاني منه دوما هو صعوبة معرفة ما الذي يجري حقا، ما الذي يجري على أرض الواقع؟ 

على سبيل المثال، عندما تسأل ريادي أعمال عن حال شركته يجيبك دوما “على أفضل حال”. وهذا على الأرجح ليس بصحيح. فهو غالبا في خضم إعصار لأن تلك هي طبيعة عمله. إذن، ما الذي يحدث حقا داخل الشركات؟ ما الذي يشتريه العملاء حقا؟ ما هي السياسات التي يتم اتباعها؟ ما هي آخر تطورات عالم التكنولوجيا؟ ما هي أوضاع المنافسة؟ وإذا نظرنا إلى مشاكل وقتنا الحاضر، ما الذي يحدث حقا مع فيروس كورونا؟ 

إن معدل الوفيات الحقيقي لفيروس كورونا لا يزال علامة استفهام كبيرة، وثمة أبحاث تخرج نتائجها كل يوم. وعلى الرغم من هذا يتمسك الكثيرون بآرائهم لدرجة أنها تصبح مواقف أخلاقية. عليك أن تقول “لا، لا، ما الذي يحصل حقا؟” إننا نعيش في عصر يتطور فيه العلم كل يوم. هذا ما عنيته في البداية عندما تحدثت عن البقاء بمقربة وأيضا ما تحدثنا عليه للتو عن الاستعداد لمراجعة آرائك.

من بين الأمور التي أتحدث عنها كثيرا مفهوم “الآراء القوية التي تتمسك فيها بضعف”، أعتقد أنه في كل عمل، ترغب في أن تلتزم، ترغب في أن تتصرف، ترغب في أن تنحاز لفعل ما. والآن كما تعلم، أصحاب رأس المال المغامر يقعون على الجانب المعاكس من أمثال مدراء صناديق التحوط، لأن علينا الانتظار لعشر سنوات حتى نحصد النتائج. ولهذا نصبح أكثر التزاما بتلك المشاريع.

────────────

 لدينا القدرة على مدى القرن القادم، أو القرون القليلة القادمة، في أن نحقق تقدما كبيرا ونحسن المستوى المعيشي لكل شخص عمليا. 

────────────

وهذا ما يجعلك تركز على المستقبل وتنغمس فيه لمدة طويلة، بالنظر إلى طبيعة عملك.

 لكنني أعتقد أنه حتى لو لم يكن لديك هذا العمل، لفعلت الشيء ذاته كل يوم. ما الذي يحفزك على قراءة موضوع جديد في كل يوم؟ 

إنها أكثر الأشياء إثارة للاهتمام في العالم، أليس كذلك؟ 

على مر السنين وبعد تعلّمي الكثير في مجالي التاريخ الاقتصادي والتاريخ الثقافي، أصبحت من أشد المؤمنين بأن التكنولوجيا هي المحرك الحقيقي للعالم. 

منذ آلاف السنين، لم يوجد شيء سوى زراعة الكفاف، وفجأة شهدنا عملية إقلاع عمودية منذ بضع مئات السنين. انفجر المستوى المعيشي في كل أرجاء العالم. ليس بشكل متساوي، لكن الأمر بدأ في أوروبا وانتشر من هناك. الأمر ببساطة يتعلق بالتكنولوجيا. لقد كان الأمر دوما متعلقا بالصحافة المطبوعة، والإنترنت وهلم جرا، وسترى هذا المسار التصاعدي المذهل. لدينا القدرة على مدى القرن القادم، أو القرون القليلة القادمة، أن نحقق تقدما كبيرا ونحسن المستوى المعيشي لكل شخص عمليا. التكنولوجيا حرفيا هي القدرة على استغلال الموارد الطبيعية أحسن استغلال. 

وهكذا، بالنسبة لي، أعتبر هذا الموضوع الأكثر إثارة للاهتمام بدون منازع، والموضوع الأكثر فائدة ونفعا الذي أستطيع التفكير في فعله.

────────────

جلست وأعدت قراءة القصة مرارا وتكرارا لمدة أربع ساعات وأنا أستشيط غضبا. 

-────────────

سأكون مقصرا إذا لم أسألك هذا السؤال. منذ أسابيع قليلة، نشرت مقالك الشهيرة الذي دعا الناس إلى “البناء”. هل يمكنك أن تخبرنا عن الكيفية التي كتبت بها هذا المقال؟ هل كان ذلك بأسلوب جيري ماغواير- الكتابة في ليلة واحدة؟

نعم، لقد كتبتها في ليلة واحدة، لقد حصل ذلك حرفيا في ليلة واحدة. بدأ الأمر بموضوع البونشو.

سأصف الأمر على أنه مزيج من التصاعد والتنازل.

بدأ التصاعد عندما قرأت القصة في جريدة وول ستريت وكيف أنه مع ذروة انتشار الفيروس ومع الوفيات الكثيرة التي صاحبته، لم يقتصر الأمر على النقص الفادح في توفير الكمامات الواقية لعمال المستشفى وحسب، لكن حصل عجز أيضا في توفير المعاطف الواقية. ولهذا وجهت سلطات المدينة نداءً إلى المواطنين تطلب منهم التبرع بمعاطف البونشو الواقية للمطر حتى تستطيع إدارة المستشفى حماية عمال قطاع الصحة. 

وحينها قررت أنه لم يعد في وسعي تحمل أكثر من ذلك وفقدت أعصابي. لقد جلست وأعدت قراءة القصة مرارا وتكرارا لمدة أربع ساعات وأنا أستشيط غضبا. 

ما ردة الفعل الأكثر إثارة للدهشة التي شاهدتها؟ 

الشيء الأكثر إثارة للدهشة كان ردا استقبله كلا الجناحين السياسيين بإيجابية. وتحديدا رد النائب كيفن مكارثي وهو محافظ نوعا ما وقيادي حاليا في مجلس النواب. لقد التقط المقال وركض به. أرسله إلى كل النواب الجمهوريين في تلك الليلة وتحدثوا في ذلك الشأن لبعض الوقت. ومن جهة أخرى قرأت تغريدة جميلة لسايكات شاكرابارتي وهو الشخص الذي عمل بجانب النائبة آليكساندريا أوكازيو كورتيز.

وهكذا لدينا محافظون متشددون وتقدميون متشددون، ولنقل إن رد فعل الطرفين كان متساويا في الإيجابية. كما مثلت تلك الردود شريحة واسعة من ردود فعل المواطنين. الشيء المثير للاهتمام هو أن كلا الجناحين السياسيين وجدا أن الموضوع مقنع تماما. وذلك ما كنت أحاول لفت الانتباه إليه. اسمع، ثمة حتما الكثير من المحادثات التي تستحق الخوض، مثل مسألة ما الأفضل، السوق الحر أم التدخل الحكومي؟، والعديد من المسائل الأخرى. لكن كلا الطرفين يعلمان أن هناك خطبا ما، بإمكانهم الشعور به.

────────────

“…وهكذا علينا أن نعيد التفكير. وأعني ذلك بدون مبالغة، علينا أن نسأل أنفسنا، هل نحن راضون بوضعية المدارس؟ وهل نحن راضون بوضعية المستشفيات؟ وهل نحن راضون بوضعية المنازل؟…” 

────────────

أحد أكثر الأشياء إثارة للاهتمام في ما يتعلق بمقالك هو أنك لم تحدد فعلا ما الذي يجب بناؤه. والآن بما أنك برفقتي، لو كان في وسعك اختيار شيء واحد فقط تتمنى ممن سيقرأ هذا الحوار أن يذهب ويفكر في بنائه- ماذا سيكون؟  

حسنا سأختار ثلاثة أشياء! الأمر يشبه الثالوث المقدس لمعضلتنا الحديثة. إنها الرعاية الصحية، والتعليم والإسكان. إنها الأشياء الثلاث الكبيرة. لذا بالأساس، ما حصل في الأسواق هو أننا ضاعفنا الإنتاج بشكل جنوني، وخفضنا الأسعار إلى الحضيض. نصنع التليفزيونات بشكل جنوني، ونصنع السيارات بشكل جنوني، ونصنع الغذاء بشكل جنوني. شهدت أسعار هذه الأشياء تراجعا هائلا في آخر عشرين سنة، وهذا أمر رائع بالنسبة لعامة الناس. تراجعُ الأسعار هو أمر شديد الروعة بالنسبة للناس لأنه يصبح في وسعهم شراء أشياء أكثر بدولار واحد.

لدينا طريقتين للنمو: أن يزيد راتبك، أو أن تنخفض أسعار الأشياء التي تشتريها. وأعتقد أن غالبية الأشخاص يستهينون بفوائد انخفاض الأسعار. وهكذا فإن الأشياء التي نصنعها تصبح أرخص طوال الوقت. وهذا رائع. أما الأشياء التي لا نصنعها حاليا، ونشهد عجزا فيها هي الإسكان، كما أننا لا نبني العديد من المدارس، ولا يتوفر لدينا نظام الرعاية الصحية الذي نستحقه- فهذه المجالات، تشهد الأسعار فيها ارتفاعا شديدا.   

وهذا ما يدخلنا في سياسة المجموع الصفري. أعتقد أن لدى الناس مستوى قوي من الوعي. قد لا يكون في وسعهم ترجمة هذا الوعي إلى مصطلحات اقتصادية منهجية، لكن بالتأكيد لديهم وعي قوي بمؤشرات نمط الحياة الغربي الحديث. تسمع الأشياء مثل: أريد امتلاك منزل، أريد أن أعيش في حي جميل، أريد أن يدرس أبنائي في مدارس جيدة، وأريد الحصول على رعاية صحية جيدة. وتلك هي الأشياء الثلاث التي تشهد أسعارها ارتفاعا متزايدا. وعلى كل حال، لقد بنينا تلك الأشياء في الماضي، وقد بدأت في خذلاننا. 

وهكذا علينا أن نعيد التفكير. وأعني ذلك بدون مبالغة، علينا أن نسأل أنفسنا، هل نحن راضون بوضعية المدارس؟ وهل نحن راضون بوضعية المستشفيات؟ وهل نحن راضون بوضعية المنازل؟

سأطرح عليك آخر سؤال، الآن بعد أن خضت هذه المقابلة، ما مدى ندمك عليها؟

(يضحك مارك) 

لم تكن مقابلة مؤلمة إلى تلك الدرجة. 

لم تكن مؤلمة لتلك الدرجة. حسنا، أستطيع التعايش مع ذلك. مارك، شكرا جزيلا.

شكرا على قراءة أول مقابلة نجريها على مدونة “The Observer Effect” بإمكانك الاشتراك في المدونة من هنا وستصلك رسالة بالبريد الإلكتروني في كل مرة ننشر فيها مقابلة جديدة (سيكون ذلك كل بضعة أسابيع). شاركونا بأفكاركم وتعليقاتكم وأسئلتكم عبر البريد الإلكتروني أو حسابنا على تويتر.


رابط المقال الأصلي.

تُرجم المقال ونُشر بإذن المُحاوِر الأصلي: سريرام كريشنان.

نقل المقال للغة العربية: عبد الرزاق بلهاشمي.

ظهرت النسخة العربية لهذا المقال لأول مرة على مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Daniel McCullough on Unsplash

رأيان حول “حوار مع مارك آندريسن

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s