كيف تتوقف عن قول نعم عندما تريد قول لا

هل وافقت يومًا على شيء ما، ثم تمنيت في الحال أن تسحب كلامك؟ 

ثمة عميل صعب المراس يرفض التوقيع على العرض، هل نحن بحاجة إلى اجتماع داخلي لمناقشة الموضوع؟ نعم

ابن رب عملك السابق يرغب في الدخول إلى مجال خدمات الاستشارة، هل في وسعك أن تشرب معه فنجان قهوة لتطلعه على طبيعة المجال؟ نعم

ابن عمك الثاني يستضيف “حفل لم شمل أبناء العم”، إنه لا يبعد سوى مسافة 3 ساعات قيادة بالسيارة، أليس كذلك؟ نعم.

 ورغم ذلك فإنك تصاب بمغص في البطن بعد كل مرة تقول فيها نعم. 

لقد مضت أربع أشهر منذ أن قرأت لأبنائك حكاية ما قبل النوم دون أن تغرق في تصفح صندوق بريدك الإلكتروني. يشارف الربع الأول من العام على الانتهاء ولم تتخذ أية خطوات نحو تحقيق هدفك الجريئ والكبير في إصلاح عمليات استثمار شركتك. 

ولكن في الغالب، أنت متعب ومفرط في الالتزامات، وتريد أن تختلي بنفسك لمدة طويلة.

 بهذا الصدد، تحدثت شوندا رايمز (وهي العقل المدبر خلف سلسلتي غرايز آناتومي وسكاندال) في حديثها لمؤتمر TED عام 2016 تحت عنوان “عام من قول نعم في كل المناسبات“، عن “قوة كلمة واحدة” وكيف “غيرت كلمة نعم حياتي، وغيرتني شخصيًا”. 

بلى، ففي حياتي أيضًا كانت كلمة نعم محرّكًا للصُدف الجميلة والفرص القيمة وإيجاد الإلهام (ولولاها لما أسستُ موقع RadReads أساسًا!) ومع ذلك، قد يصاحبها أحيانا شعور بالانزعاج والاستياء والتعب.

“عليك أن تتجاوز نفسك”

دافيد وايت

هكذا كتب الشاعر دافيد وايت، ولكن كيف لك بحق السماء أن ترسم خط الإنطلاق لتصل إلى هناك؟

“نعم وألف نعم” أو “لا”

فلنبدأ بإرشادات بسيطة. هذا الاختبار البسيط يعمل بشكل جيد كنموذج ريادي عصامي، لأنه يحمي أهم مواردك: وقتك. يقترح المؤلف ديريك سايفرز أسلوبين من التفكير عند تقييم أي شيء:

عند اتخاذ القرار فيما إذا كان ينبغي عليك القيام بأمر ما، إذا كنت تشعر بأقلّ من “رائع! سيكون ذلك مذهلا! طبعا! نعم وألف نعم!” فعندها ينبغي عليك أن تقول “لا”.

لكن من المسلم به أنه ثمة المزيد من الحالات والتباينات ولا يقتصر الأمر على هذين الحالتين في العالم. إذن كيف يمكنك بشكل أعمق أن تتخذ وتنظم قراراتك؟

عبء اتخاذ القرارات

سأراهن بأن قولك لنعم ينبع من أصلٍ نبيل جدًا: الفضول. سواءً عندما تقابل شخصًا جديدًا. أو تقرأ كتابا جديدًا، أو تستكشف لغزا جديدًا. لأن الوعود الغامضة بما يقبع في الجهة الأخرى قد تكون جذابة للغاية. 

من جهته، وفي منشوره بعنوان القرار الواحد الذي يغنيك عن مئة قرار يشرح تيم فيريس كيف أنه كان يرغب في اتخاذ القرارات انطلاقًا من “أصل هادئ” بدلا من “أصل مضطرب وحُكْمٍ مشوش”.

حتى “تخلق فضاءً يسمح لك برؤية الصورة الأكبر وإيجاد الجواهرالمكنونة” تمكن فيريس من إيجاد “تأثير دومينو كبير” في حياته وهو ألا يقرأ أي كتب جديدة في عام 2020. بالنسبة إليه، كانت القراءة مصدرا للخوف من فوات الشيء (أن تكون “متشبثا بشخصية الرجل المثقف”) وإحدى أشكال تضييع الوقت “المقبولة اجتماعيًا”. 

اولآن، قد لا توائم هذه الطريقة جميع الناس. لكنَّ فكرةَ التماشي في قولك لكلمة لا مع رؤية أوسع هي فكرة قوية. حيث يقول المستثمر بيدرو سورينتينو:

“إذا لم تحرص على وقتك، سيسرقه الناس منك”

هل نتوقف إذًا عن إسداء الجميل للآخرين؟

إننا نقف على أكتاف العمالقة.

شخصيا أقفُ على أكتاف العمالقة.

 لم يكن لأحد أن يدخلني إلى جامعة يال لولا مستشار كليتي الذي استثمر في مستقبلي. 

العديد من الموجهين الاسثنائيين دفعوا مساري المهني إلى الأمام في شركة Rad في وول ستريت.   

والكثيرون ينشرون ويسوقون بحماس مشاريعيَ الإبداعية.

إذن كيف بوسعي أن أقول لا لمثل تلك النسخة الشابة والمتحمسة مني وهي تبحث عن فرصة العمر؟

جوابي هو: “إن فاقد الشيء لا يعطيه”.

هذا المثل الشهير (الذي لا نعرف مصدره) يساعدني عندما تنهال عليّ أعداد كبيرة من طلبات الالتقاء والاتصال بالفيديو، وخصوصًا من قبل الأشخاص الذين يرغبون في التعلم من خبرات مساري المهني. 

إن تظافر خبرتي التي تفوق 15 سنة مع حضوري المنتظم على شبكة الإنترنت، يعني أن بريدي الإلكتروني مملوء بطلبات الاستشارة والاستفادة. ونعم، بودّي الإجابة على كل واحدة منها- لكن ذلك سيكلفني كثيرًا:

 عائلتي وصحتي وسلامة عقلي. 

وهنا يأخذ المثل مفعوله. فعندما أعطي أكثر مما يجب، أتذكر هذا المثل. عندما آتي إلى الاجتماع وأنا مشوش ومكدّر الخاطر ومنطويًا على ذاتي. أو ربما أسوأ: مستاءً.

لا أريد أن أبدو بهذا المظهر أبدا. ليس أمام عائلتي ولا أمام متابعيَّ على شبكة الإنترنت الذين يقدرون عملي.

إليك استراتيجيتان للإفادة بخبراتك 

سأعترف بأن الاعتماد على طرح الأسئلة الوجودية قد لا يكون الحل العمليّ لمشكلة ازدحام طلبات اللقاء بك. لذا إليك استراتيجيتين يمكنك الاعتماد عليهما فورًا. 

ضع نظام حصص داخلي، إن ترتيب ذلك بذهن صاف (وبمساهمة الأشخاص الذين يشاركونك مصالحك وحياتك، مثل زوجتك، أو شريك عملك) قد يقفز بعملية اتخاذك للقرارات من العشوائية إلى الترتيب.

قد تُقرر بأن تقديم لقائين تعليميين شهريًا يتماشى مع أولوياتك الحالية في الحياة. إذن التزم بهما. إذا تلقيت ثلاث طلبات لشهر فبراير أجِّل واحدة منهما لمارس. إذا تلقيت 24 طلب في فبراير، فإن جدول العام قد انتهى.

وبعد ذلك جد طريقة جيدة للإفادة والاستفادة. فبهذا الصدد، وفي منشوره بعنوان إجابتي السحرية على “مرحبًا، هل بوسعي الاستفادة من خبراتك؟” فإن لدى مقاول الإنترنت آلكس هيلمان جوابا جاهزا (على الأرجح أنه أعدّه باستعمال خاصية توسيع النصوص) لهذا السؤال المتكرر: 

“تسرني المساعدة! إنني أُبقي وقتا مخصصا لتقديم الاستشارات لعملائي والطلبة وأعضاء Indy Hall، لذا حاليًا، أحسن طريقة لي للمساعدة هي أن تعرف مقدمًا الأسئلة التي تود طرحها. حاول اختيار أهم سؤال أو سؤالين بالنسبة لك، وكلما كان السؤال أكثر تحديدا كان ذلك أفضل!”

ألكس هيلمان

في البداية، يقول هيلمان إن 70% من الأشخاص “لا يكلفون أنفسهم عناء اختيار السؤال الذي يودون طرحه عليك!” 

أما البقية فإن هيلمان يستوحي من أسئلتهم بغرض فهم مشاغل العملاء وكتابة الأفكار وحتى كفرصة للمبيعات! فيضيف ذلك إلى هذه المقاربة:

إن ذلك يتيح لي مساعدة الآلاف من الأشخاص وفي نفس الوقت يجعلني أبدو مثل ساحر قادر على قراءة العقول.

“فومو” الخوف من تفويت الأشياء وعقلية الندرة

لم نتحدث عن أمر مهم للغاية: خوف تفويت الأشياء. ففي عصر التفاخر على وسائل التواصل الاجتماعي، والخيارات اللانهائية، والإنستغرام، نقبع مرعوبين من فكرة تفويت ذلك الشيء الكبير الذي قد يغير حياتنا.

في منشورها بعنوان جومو أو سعادة تفويت الأشياء شاركتنا مؤسِّسَة Ness Lab آن لور لوكانف هذه المشكلة الشائعة:

تُدعى إلى حفلة عشاء، أو مشروبات، أو مناسبةٍ ما. لكنك لا تستطيع الحضور. ربما عندك التزامات في العمل، أو اتصال من عميل، أو لديك طفل ينبغي عليك البقاء معه في يوم العطلة. لكنك لن تستطيع إلا التساؤل: ما الذي فاتني؟ هل يستمتعون بوقتهم من دوني؟ هل سيجتمعون على حوارات لن أستطيع الانضمام إليها؟

طالع للكاتبة آن لور لوكانف على مدونتي:

ثمة عبارة مجازية في تويتر تقول: “لا تخبرني بأولوياتك، بل أرني جدول أعمالك”؛ تقترح لو كانف إعادة النظر في كيفية قضائك لوقتك (باستعمال مفكرة أو مدققة وقت)، وأخذ استراحات من الإنترنت وإعادة التواصل مع “نفسك والأشخاص الذين تهتم بشأنهم”.

وعلاوة على ذلك، هل خوفك من فوات الشيء (وخوفك من قول لا) مرده عقلية الندرة؟ بصفتك مقاولًا (رياديًا) هل تسأل نفسك: ماذا لو أن تلك القهوة جلبت عميلك الأول، ماذا لو أن زوجتك المستقبلية ستكون حاضرة في افتتاحية هذا المتحف، أو أن الحديث في ذلك المؤتمر قد يزيد حصتك من صندوق المكافآت التشجيعية.

نعم، لن نعرف أبدا بشكل قاطع أجوبة هذه الاحتمالات. لكن هذه الأفكار تأتي من منظور “المجموع الصفري” وهو التصور بأن العالم فطيرة كبيرة وما إن يأخذ أحدهم شطيرة منها حتى يخسر شخص آخر حصته. لكن هل تؤمن حقًا بأن هذا صحيح؟ هل تتذكر حدثا في حياتك حيث كان الوضع مربحا للجميع؟

هل قول “لا” اليوم قد يزيد من حظوظك لقول “نعم وألف نعم” في المستقبل؟

تذكر أنّك شخص صالح

أما بالنسبة لأولئك محبي إرضاء الناس (وأشير بإبهامي إلى نفسي) فاسمعوني جيدا:

لا يعني قول “لا” أنك شخص سيئ.

لا يعني أنك أناني.

لا يعني أنك ناكرٌ للجميل.

ولا يعني أن باب الفرص والصدف الجميلة سيُغلق.

 بالعودة إلى حديث رايمز في مؤتمر TED نرى كيف أن قولها نعم ساعدها في التغلب على خوفها من التحدث أمام الجمهور، والظهور على التلفاز وتعلّم التمثيل. لكنّ أهم نعم  قالتها على الإطلاق هي:

“لقد قطعت وعدا على نفسي بأنني من الآن فصاعدا، كلما يطلب مني أحد أطفالي بأن ألعب معهم، مهما كنت منشغلة أو متوجهة إلى مكان ما، سأقول نعم في كل مرة”.


رابط المقال الأصلي.

تُرجم المقال ونُشر بإذن الكاتب الأصلي له: Khe Hy.

نقل المقال للغة العربية: عبد الرزاق بلهاشمي.

ظهرت النسخة العربية لهذا المقال لأول مرة على مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Jadon Kelly on Unsplash

One thought on “كيف تتوقف عن قول نعم عندما تريد قول لا

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s