مذكراتي العزيزة: الفوائد العلمية المُثبتة لتدوين اليوميات

نزّل المقال بهيئة PDF من هنا:

نقضي جزءًا معتبرًا من أوقاتنا في الكتابة. حيث نردّ على الرسائل الإلكترونية، ونملأ الاستمارات، وندردش مع أصدقائنا. ورغم الانتشار الواسع للمحتوى السمعي والبصري، إلّا أن الكتابة لا تزال قناة أساسية للتواصل على الأنترنت لوجود العديد من المجلات، المدونات، والقوائم البريدية التي تجذب الملايين من القراء. لكن بالمقارنة فإن القليل منّا فقط من يكتب لأغراض شخصيّة مثل تدوين تأملاته الخاصّة أو إدارة عواطفه.

ولما سألت قراءنا إن كانوا يسجلون يوميّاتهم، أجاب 41% بالمئة فقط إيجابًا. فيما نسبته 21% قالوا أنهم كانوا يفعلون ذلك في السابق لكن توقفوا الآن. وقال 38% أنهم لم يسجلوا يوميّاتهم من قبل. وهذا يبعث على الحسرة باعتبار الفوائد المحتملة لتسجيل اليوميّات على صحتنا النفسية.

والحق أن التدوين ليس مناسبًا للكل، فهناك طرق أخرى للتأمّل والاسترخاء مثل طقوس التأمل، ورياضة المشي، وقراءة كتاب أو ممارسة حرفة يدوية. لكن إن لم تجرّب التدوين من قبل، فمن الأفضل لك أن تجربه فربما تجده فعّالاً.

الفوائد الصحية لتدوين اليوميات

تتضمن هذه الورقة البحثية المدهشة والشاملة التي كتبها كل من الدكتورة كارين بايكي والدكتور كاي ويلهام، ونشرتها مطبعة جامعة كامبريدج على الأنترنت –أنصح بمطالعتها بشدة- 17 فائدةً صحيةً للتدوين أثبتها العلم، وإليكم القائمة:

  1. نقصان عدد زيارات الطبيب المرتبطة بالقلق.
  2. تعزيز جهاز المناعة.
  3. تخفيف ضغط الدم.
  4. تحسين وظائف الرئة.
  5. تحسين وظائف الكبد.
  6. تقليل عدد أيام التعافي في المستشفى.
  7. تحسين المزاج/العواطف.
  8. الشعور برفاه نفسي أكبر.
  9. التقليل من أعراض الإكتئاب قبيل الامتحانات.
  10. ظهور أقل لأعراض الإنسحاب وأعراض ما بعد الصدمة.
  11. نتائج إيجابية سلوكيًّا واجتماعيًّا.
  12. غيابات أقل عن العمل.
  13. إعادة إدماج أسرع بعد فقدان الوظيفة.
  14. تعزيز الذاكرة العاملة.
  15. تعزيز الأداء الرياضي.
  16. تحسن النتائج الدراسية للطلاب.
  17. إحداث تغيّرات إيجابية في السلوكات الاجتماعية واللغوية.

كيف يحدث كل هذا بمجرد التدوين؟ يقول البحث أن مواجهة مشاعرك القديمة قد تقلل من ضغوطاتك النفسية، لكن من المحتمل ألّا يكون هذا هو التفسير الوحيد. فمن الممكن أيضًا أن عملية بناء (كتابة) خطاب سردي متماسك هو ما يساعدك في تنظيم وهيكلة الذكريات القديمة، وهو ما يجعلها أقل إيذاءً. وختامًا، ورغم أن البحث لا يزال غير واضحٍ تمامًا، فإن الكتابة بوتيرة ثابتة تجعلك تتعرض مرارًا وتكرارًا لذكرياتك القديمة، ممّا يساعدك في التخلص من الانفعالات العاطفية السلبية.

وعن نفسي، اندهشتُ لمدى تعدّد الأسباب التي تجعل قراءنا يدوّنون يومياتهم باستمرار. فمن ذلك أن “التدوين يمنحني الوضوح، التفكير السليم، والشعور بالسيطرة” قالت لي روث. و”كانت الكتابة في مذكرة اليوميات أداة قويّة لجعلي أقل إنطوائيةً. فهي تساعدني على ترتيب أفكاري، وتسليط الضوء على الشخصيات المتشاكسة داخلي لأكون أكثر تصالحًا معها. وكفائدة إضافية فقد جعلتني الكتابة في مذكرة اليوميات أكثر إبداعًا”، شرحت لي سوزان. و”التدوين اليومي يستفزني لأكون أكثر تركيزًا على نفسي، مما يسمح لي بتقرير الطريقة المثلى للتصرف حيال أفكاري ومشاعري.” قالت آمي.

ومن جهتها: “أكثر ما يهمّني هو معالجة مشاعري يوميًّا، والكتابة هي الأداة المثلى لممارسة ذلك بشكل متسمر.” أضافت كوني. “إنها طريقة رائعة لاستكشاف زوايا جديدة لأفكاري ومشاعري، وطريقة لإعادة التفكير حول أهدافي، وللاحتفاظ بسجل لأوقات ومناسبات التقائي بالناس” كتب جوناثان.

وبعيدًا عن الفوائد الصحيّة النفسيّة والجسميّة، فإني أشعر أن التدوين هو هديّة تقدمها لذاتك المستقبليّة. ولمّا كنت في السادسة عشر، فزت في مسابقة جهوية فحظيت برحلة إلى الصين رفقة مدرستي. ولأسباب دينية فقد واظبت على التدوين في مذكرتي يوميًّا لما كنت هناك، أكتب أفكاري وأسئلتي، وأجمع تذاكر المتاحف التي زرناها. فقدت المذكرة منذ مدة، وأتمنى لو أمكنني قراءتها اليوم لأضع نفسي مكان بنت الستّ عشر ربيعًا التي تزور الصين لأول مرة.

كيف تبني عادة تدوين اليوميات؟

يجد غالبيتنا صعوبة في إيجاد الوقت والطاقة اللازمتين لتدوين يوميّاته. “لا أكتب يومياتي، لكني أمضي وقتًا معتبرًا من وقتي في الكتابة. أشعر وكأنه عمل إضافي” يشرح بول جارفيس، مؤلف كتاب “شركة الشخص الواحد” ومؤسس شركة فاطوم أناليتيكس. “أرغب في ذلك، لكن لم أتمكن أبدًا من إنشاء تلك العادة” قال قارئ آخر. إن كنت جادًّا في رغبتك في تدوين يومياتك، فإليك بعض الإستراتيجيّات:

اِحجز له أوقاتًا:

لا تنتظر حتى تتفقد إمكانية توفر وقتٍ للتدوين. احرص على حجز وقت مكرّس لذلك. وهذا يعني أن تضيفه لرزنامتك مع الحرص على أن تكون في بيئة مناسبة وقت الموعد. هل تُفضل الصباح الباكر؟ أو آخر المساء لمّا يأوي الأطفال لأسِرتِهم؟ أو مساء يوم الأحد لمّا يصبح البيت هادئًا؟ أيًّا كان احجز وقتًا للكتابة. يجب أن يكون المكان مريحًا وهادئًا، وتستطيع الذهاب إليه بوتيرة منتظمة. ذلك أن تكريسك لوقت ومكان معيّنيْن للكتابة يُسهل عليك تحويله لـطقس.

اختر صيغةً مناسبة:

يوجد العديد من الطرق لتدوين اليوميات. شخصيًّا أستعمل طريقة تدعى تقنية “زائد ناقص التالي” للتدوين، فيما يستخدم البعض الكتابة الحرة، أو رؤوس الأقلام، أو يحتفظون بسجل الامتنان. لدي صديق يكتب شعر هايكو يوميًا. يمكنك تجربة عددٍ من هذه الطرق. لكن في النهاية يتوجّب عليك اختيار الطريقة الأنسب لك، كي تسهّل على نفسك بناء عادة الكتابة. تتضمن هذه الخطوة تحديد إن كنت ستكتب على حاسوبك، أو على تطبيق هاتف، أو على دفتر، أو أيّ صيغة أخرى.

كن واقعيًّا:

لا تَقسُ على نفسك كثيرًا، وضع في حسبانك التزاماتك الشخصية والتزامات العمل. هل تملك ثلاث أطفال، ووظيفة بدوام كامل، وأبٌ لتعتنيَ به؟ من الأرجح أن التدوين اليوميّ مدّة ساعة هدف مُبالغ فيه. “[أَكتُبُ] جملةً واحدةً كل يومٍ تقريبًا” قالت روث لما سألت القراء عن عاداتهم في التدوين. العديد من فوائد التدوين لن تتحصّل عليها إلا بالاستمرارية. لذا اِحرص على ترسيخ عادة التدوين لديك.

أدوات لتدوين اليوميات

هل اقتنعت الآن وتود خوض تجربة تدوين اليوميات؟ فضلًا ضع في حسبانك أنه لا يهمّ كثيرًا أي أداة ستختار ولن تتأثر المنافع المكتسبة من التدوين جَراء ذلك. ما يهمّ فعلًا هو قدرتك على الاستمرار والتمسك بالتدوين. مع أخذ كل هذا بعين الاعتبار سيكون من المفيد تجربة مختلف الأدوات لتقرّر أيُّها أسهل عليك وأدعى للاستمرارية. وفيما يلي قائمة من الأدوات التي أرشّحها لك شخصيًّا:

750 كلمة:

أُنشئت هذه الأداة قبل سنوات، ويستعملها الآن 50000 شخصٍ حول العالم. وهي أداة كاملة الخصوصية ومتوفرة للاستعمال مباشرة على الأنترنت. وهي مغايرة للتدوين المعروف- فأنت لا تحتاج إلى عنونة مدخلاتك ولا يوجد خيارات للنشر أو التعليق. إنها مجرد أداة صمّمت خصيصًا لمساعدتك على بناء عادة الكتابة اليومية. كما تمنحك بعض الإحصائيات الطريفة عن مدى تشتتك وسرعتك في الكتابة.

تطبيقات تسجيل الملاحظات:

هناك عدد غير قليل من هذه التطبيقات التي يمكنك استعمالها في تدوين يومياتك، مثل إيفرنوت Evernote ونوشن Notion. وتطبيقي المفضل حاليًا هو روم ريسرش  Roam Research. إذ أحببت فيه قدرته على الربط البصري بين المدخلات وإنشاء الأنماط بينها. وإليك دليلًا للمبتدئين إن كنت تود البدء في استعماله.

دفتر جيد من الطراز القديم:

سواءً أكنت معجبًا بطريقة رؤوس الأقلام في تسجيل اليوميات أو أي طريقة أخرى –كما قلت سابقًا، فأنا شخصيا أستخدم تقنية “زائد ناقص التالي” للتدوين- فأنت لا تحتاج إلى تكنولوجيا فائقة لتحتفظ بيومياتك. استخدم الناس الدفاتر الورقية في تسجيل يومياتهم لقرون وكانت أمورهم تسير على ما يرام. كما أن استعمال الدفاتر فرصة لقطع اتصالك بالتكنولوجيا والتفكير بعيدًا عن الشاشات.

هناك المئات من تطبيقات تدوين اليوميًّات، إن لم يكن الآلاف. وكما يُفترَض أن تفعل مع طريقة التدوين، فقط اختر واحدة ولا تلتفت خلفك. لا تسمح للمقارنة بين الطرق والتطبيقات أن تأخذ الكثير من وقتك. وسواءً أقررت أن تكتب جملةً كل يوم أو اخترت مقاربة أكثر تنظيمًا، فأنت لا تحتاج إلى أداة معقدة لبناء عادة التدوين اليومي. وإن لم تتمكن من المحافظة على وتيرة يومية فلا تجلد ذاتك! فالكثير من الناس –بما فيهم أنا- يدونون يومياتهم على فترات متقطعة.

عن نفسي، أجد الكثير من الإلهام للتدوين حين أكون على سفر، أو حين أمرّ بتجربة عاطفية صعبة. ولا ضير في هذا. إن تدوين اليوميات أداة يمكنك استعمالها لتحسين إدارتك لصحتك العقلية. وكأيّ أداة أخرى، أنت لست مجبرًا على استعمالها فقط لأجل الاستعمال. تذكّر أنها أداة متوفرة، وقد تفيدك أحيانًا، وحين تحتاجها فلن يصعُب عليك توظيفها.


رابط المقال الأصلي

           تُرجمت هذه القطعة من المحتوى بإذن كاتبتها الأصلية:  آن لور لو كانف.

          ترجمها للعربية: مصطفى بوشن.

           نشرت لأول مرة بالعربية في مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Hannah Olinger on Unsplash

6 thoughts on “مذكراتي العزيزة: الفوائد العلمية المُثبتة لتدوين اليوميات

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s