عن الهوية والتاريخ الثقافي وسُلطة اللغة

    تكفّل مصمم تجربة المستخدم (أو Product Designer) ومطور البرمجيات عبدالهادي جعفر (حالياً يعمل لدى شركة صخر المعروفة). مشكورًا بالرعاية المادية (سداد مستحقات المترجم) لهذا المقال. فله مني جزيل الشكر والعرفان.

تتحدث المترجمة الأدبية إيما رمضان عن تعقيدات النشوء في أسرة تتحدث عدة لغات، وفهم القيمة الثقافية للترجمة الجيدة، وكيف يكون فهمك لذاتك مُضمَّناً في اللغة.

هل نشأتِ في أسرة تتكلم عدة لغات؟

    لغة أمي الأصلية هي الإنجليزية، فهي بريطانية. لكنها تتحدث الفرنسية بطلاقة أيضاً، وتبدو أنها تتحدث الألمانية، رغم أنني لم أسمعها تتحدث بها قط. ولغة أبي الأصلية هي العربية، ثم الفرنسية، ثم الإنجليزية. ولم يتحدثا معي وأخي إلا بالانجليزية. جميع عائلة أبي في جنوب كاليفورنيا معنا. وفي كل عطلة نهاية أسبوع نجتمع في لقاء عائلي كبير بمنزل جدي وجدتي ونتناول وجبة لبنانية كبيرة، ويتبادلون أحاديث كثيرة بالعربية، ويتنقلون كثيراً في حديثهم بين العربية والإنجليزية والفرنسية. لكنني لم أتحدث إلَّا بالإنجليزية.

إذن لم تكوني تفهمين ما يقولونه بالعربية؟

    إطلاقاً. كان هناك على الأرجح جانب من… أمي لم تكن تفهم العربية، لذلك لم يرغب أبي في أن تكون لي معه لغة تُقْصِي أمي. لكنني لا أدري أنَّه أراد فعلاً أن يعلمني العربية. ولم يحدثني قط عن لبنان. كلا والديَّ يتحدثان الفرنسية وأمضينا وقتاً طويلاً في فرنسا، وقد كانت هذه اللغة هي التي لا نتحدثها أنا وشقيقي، لذا إذا أرادا الحديث عن أمرٍ ما أمامنا، فقد كانت لديهما لغتهما السرية. وعلى الفور بدأ شقيقي دراسة الفرنسية في المدرسة عندما سنحت له الفرصة وكذلك بدأتُ دراستها. أردنا أن نفهم ونتجاوب مع ما يقولونه. وقد استمتعت حقاً بها، لذلك واصلت دراستها. كانت أمي تتحدث الفرنسية على نحو جيد، فساعدتني على التدرب عليها وساعدتني على أداء واجباتي المنزلية. وفي مرحلة معينة، مثلاً عندما تعلق الأمر بالترجمة التي أعمل عليها، لم تعد قادرة على مساعدتي. وقد أصبح واضحاً جداً سريعاً أنَّ لغتها الفرنسية ليست لغة أدبية معقدة. بدأت أطرح عليها أسئلة متعلقة بمشاريع الترجمة التي أعمل عليها، وكانت تقول «ليست لدي فكرة».  وفي مرحلة معينة أصبحت لغتي الفرنسية مختلفة عن فرنسية والديَّ.

متى قررتِ أن تصبحي مترجمة؟

    كنت أدرس الأدب المقارن عندما كنت في الجامعة. ولم أكن أدري حقا ما سأفعله بدراسته. كنت أعلم أنني أحب الكتب والقراءة حباً شديداً وأحب الفرنسية وأحب اللغات، لكن لم يكن يوجد منهج دراسي أساسي في جامعة براون، وحرفياً كل ما كنت أفعله هو حضور المحاضرات حيث أقرأ وأكتب مقالات عن الكتب. هذا ما كنت أستمتع بفعله، لكنني أيضاً شعرت بعدم الرضا. لم أكن مهتمة بتحويل الكتب إلى واجبات منزلية، أي شيء تشرِّحه وتحلله لا لشيء سوى محاولة الحصول على علامة امتياز. وقد جرَّدتني هذه الطريقة من الشغف. كنت أعبَّر عن هذا لإحداهن، وقالت: «ألا تعلمين أنّه يوجد مسار ترجمة؟ إنه أحد مسارات الأدب المقارن حيث تحضرين ورش الكتابة ومحاضرات اللغويات، وسيكون جوهر عملك هو استغلال حبك للكتب وحبك للغة في سبيل خلق عمل جديد بالإنجليزية». بدت الترجمة، بالنسبة لي، كطريقة عظيمة للانخراط في الأدب، بطريقة تُشعِر بالرضا ولا تُشعِر بأنَّها تقتل سحر الأدب، وبدلاً من ذلك تبث فيه روحاً إضافية. بدت هذه الفكرة عظيمة.

    درست بالخارج في فرنسا وحاولت ممارسة الترجمة قليلاً لوحدي، ثم عدت إلى جامعة براون. وحالما عدت، انتقلت إلى مسار الترجمة في الأدب المقارن. حظيت بمرشدين عظماء في براون، منهم كول سوِنسِن، وفورِست غاندر، وروبين كريسوِل. وبعد التخرج، شرعت مباشرة في برنامج الماجستير في الترجمة الثقافية بالجامعة الأمريكية بباريس، حيث تعلمت كيف أضع في اعتباري معنى أن أترجم من ثقافة إلى أخرى وأوجُه الاختلاف بين الثقافات. هذه كانت الأسئلة التي لم يُطلب مني التفكير بها في براون، وهي أسئلة ما كنت لأحمل نفسي على التفكير بها لو حاولت أن أترجم وحدي. وقد كان الوضع مثالياً لأنني كنت أعيش في دولة ناطقة بالفرنسية تتيح لي مزيداً من ممارسة اللغة. قرأنا نظريات الترجمة ونظريات الأدب والنظريات الثقافية وشاركنا في الورش. كنا نتدرب، ونترجم الكتب. وكان لدينا مرشد. شعرت كأنني حقاً أصقل شيئاً ما. أتيح لي الحديث كثيراً عن الترجمة وفلسفة الترجمة، وجميعنا كنا نعمل على اكتشاف أي نوع من المترجمين نريد أن نكون. وقد دفعتني الدراسة إلى مستوى جديد حيث شعرت بأنني مزوَّدة بما يلزم لأكون بمقدوري أن أترجم.

أي أنواع من الأسئلة يطرحها المترجم عندما يترجم ثقافة؟

    سؤال التغريب مقابل التقريب، الذي هو عكس التغريب، ويعني -أي التقريب- جعل النص المترجَم مألوفاً للقراء المستهدفين. في الثمانينيات، كانت هناك ترجمات كثيرة تُنجَز وكتب تُنشَر تمحو الإحالات الثقافية من أجل جعل الكتب أكثر مقروئية للأمريكيين. ولا أعتقد أنَّ هذه الممارسة ما تزال سارية، أو على الأقل تُمارس بدرجة أقل. فالآن لدينا الحواشي، ولدينا مسارد المصطلحات، وغيرها. لكنها أيضاً مسألة كيف تكون كريماً مع قارئ وكريماً أيضاً مع الثقافة التي تترجم منها، ولا تمحو أي شيء فقط من أجل إراحة قارئك المستهدَف.

في عملك أحياناً، مثلاً عند ترجمتك Pretty Things لفيرجيني ديسبينتس، تترجمين ثقافات فرعية. كيف هي ترجمة للثقافة الفرعية؟

    إنها صعبة حقاً بالنسبة لي لأنني لا أزعم أنني جزء من تلك الثقافة الفرعية. غالباً ما أترجم أعمالاً تتناول ثقافة فرعية أو ثقافة بعينها لستُ جزءاً منها وربما لستُ على اتصال بها. لكن بالطريقة نفسها التي تعمل بها الترجمة بصرف النظر عن المحتوى، إنها بحث. مهمتك هي أن تجعل تلك الثقافة مألوفة لديك، حتى تعرف بشأن تلك الثقافة أو الثقافة الفرعية ومن ثَمَّ تنقلها بدقة. أتذكر عندما ترجمت لآن غاريتا، كثير من أحداثها تدور في النوادي الليلية، وقال مرشدي: “عليك أن تذهبي إلى النوادي الليلية. والآن بما أنَّكِ في باريس يجب عليك الذهاب إلى النوادي الليلية”. وبشيء من التردد وافقت. لأنه بحث. ومع كتب ديسبينتس، معظم عملي كان سؤال أصدقائي أسئلة بعينها. هناك إحالات لفرق موسيقية بعينها. لذا أسأل صديقاً “هل تعرف هذه الفرقة؟ مَن قد يعرف هذه الفرقة؟ ما المجموعة العمرية التي أبحث عنها؟”. واللغة العامية… أعني أنه إذا كان هناك نوع من اللغة العامية مستخدم في إحدى الثقافات الفرعية في فرنسا، فهذا لا يعني أنها شبيهة باللغة العامية والثقافة الفرعية هنا. لا أحاول سوى جعلها تبدو أصلية. ولا يعني الأمر دائماً إعادة خلق الشيء نفسه. وبالنسبة لي يتعلق الأمر بالنظر إلى الثقافة الفرعية لمن هم في العشرينيات من أعمارهم في باريس، وأسأل “كيف يتكلم من هم في العشرينيات بأمريكا؟” وليس “كيف يتكلمون في فرنسا؟” ثم أقلد ذلك.

إلى جانب الذهاب إلى النوادي الليلية، ما الأشكال الأخرى التي يتخذها هذا البحث؟

    يتوقف هذا على الكِتاب إلى حد كبير. فيما يتعلق بالشعر المغربي الذي كنت أعمل عليه مؤخراً لكاتبه أحمد بوعناني، مكثت في المغرب عاماً. وتضمن ذلك الذهاب إلى منزله، والذهاب إلى أماكن ذهب هو إليها، والحديث مع أسرته. يشتمل شعره على الكثير من الإحالات إلى أشياء ثقافية، مثل الأساطير المغربية، والحكايات والمباني المغربية، وألوان الشوارع. كثير من ذلك يمكنك بحثه، إذا كنت أكاديمياً بإمكانك الحصول على دوريات مختلفة. لستُ أكاديمية، لذلك فإن وجودي على الأرض، وتمكُّني من رؤيته يتحدث عن هذا اللون، يساعدني كثيراً. “حسناً، إنه يتحدث عن منظر المنارات في السماء، إنه يتحدث عن هذه الأسطورة التي لن يساعدني البحث عنها في قوقل على اكتشافها”. لكن إذا ذهبت لأسأل أمين المكتبة في هذا المكان، فعندئذٍ يمكنه إخباري عما هي.

هذا رائع حقاً. لا بد أنّ ذلك كان مشوِّقاً جداً، أن تتخرجي في الكلية وتصبحي مترجمة، وتسافري وتمرِّي بكل هذه التجارب الجديدة كجزء من ذلك البحث.

    أجل. كما كان من المهم لي أن أترجم من الفرنسية، لكتاب عاشوا في أماكن غير فرنسا. فهناك أماكن كثيرة جداً ناطقة بالفرنسية، حيث يكتب الناس بالفرنسية. وهو أمر مذهل بشأن اللغة الفرنسية. أعني، أنّه من المؤسف جداً أنَّ هذا حدث بسبب الاستعمار، لكنه يعني، بوصفي متكلمة بالفرنسية، أنّ بوسعي الاطلاع على مزيد من الأدب مما إذا كنت أتحدث اللغة المجرية، مثلاً. لم أرغب في التركيز على فرنسا فحسب، وأردت أن أجد أعمالاً تعكس وجهات نظر مختلفة ومن أمم مختلفة. لا توجد كتب كثيرة تُتَرجَم من المغرب. ولا توجد كتب كثيرة تُتَرجَم من الجزائر. ولا توجد كتب كثيرة تُترجَم من السنغال. جميع هذه الأماكن فيها كتابة بالفرنسية، لكن هناك إحجام أو، لا أدري، ربما عدم كفاية المبادرات من جانب المترجمين والناشرين. إذا تمكنت من نقل ونشر كتاب مغربي واحد، مثلاً، ما كان ليُنشر من دوني، فهذا أمر جيد.

ما الذي يجذبكِ للترجمة؟

    بالنسبة لي، لطالما استمتعت كثيراً بالقراءة والكتابة، لكن لا أعتقد أنني شخصياً لديَّ شيء جدير بالكتابة. ليست لديَّ قصة بحاجة ماسَّة إلى روايتها. فهناك الكثير جداً من الكتابات الجيدة في العالم وهناك الكثير جداً من القصص التي تجب روايتها. إذا تمكنت من مساعدة تلك القصص على أن تنتشر وتُسمَع، بدلاً من كتابة قصصي الخاصة بي – التي ليست بحاجة إلى أن تنتشر وتُسمع- فسيكون هذا أمرًا جيدًا بالنسبة لي. أحب تحقيق انتشار أوسع لهذه النصوص التي أعتقد أنّها مميزة جداً ومن المهم جداً أن يعرف الناس عنها.

ماذا تفعلين لتجنب الاحتراق الوظيفي؟

    من ضمن الأشياء التي أفعلها أنني أقرأ كتاباً لا علاقة له بالعمل لـ 10 دقائق قبل أن أخلد إلى النوم، وأحياناً أشاهد برنامجاً تلفزيونياً سيئاً. وأنا حالياً عضو في دوري العازبات الخيالي. تختار المرأة التي تعتقد أنها سوف تحصل على الورود أو أياً كان وتحصل على نقاط. إنه أشبه بكرة القدم… في الواقع لا أعرف كيف يجري الدوري الخيالي. صدقاً، كنت أتوقف عن العمل في موعد العشاء وأمضي بقية الليلة في الاسترخاء، ولم أعد أفعل ذلك لأنني لديّ عمل كثير جداً. عنايتي بنفسي لم تعد لها وجود. أعتقد أنَّ عنايتي بنفسي التي أعرفها هي إنهاك نفسي والكد في العمل والعمل ساعات طويلة جداً لفترة معينة من الزمن، ثم أصاب بالذعر وأعكس الوضع وأقتطع وقتاً من العمل وأسافر، مثل العودة إلى بيروت. كل هذه الأشياء تنقلب رأساً على عقب من أجل إحداث التوازن بين كل شيء. ربما أميل لإيذاء نفسي بدلاً من العناية بها، لكن…

يبدو هذا جيداً.

    هذا كل ما لديَّ الآن.

ذهبتِ مؤخراً في رحلة إلى بيروت لإلقاء محاضرة في الجامعة الأمريكية. وكانت أول زيارة لك إلى لبنان، موطن أبيك. كيف كانت الزيارة؟

    لم يحدثني أبي عن لبنان قط خلال نشأتي. غادرأبي لبنان أثناء الحرب ولم يعد قط. كان يبلغ من العمر 18 أو 19 عاماً. وهذا الجزء من تاريخ عائلتي لطالما كان محجوباً عنِّي خلال نشأتي. كان هناك أفراد من عائلتي أراهم كل أسبوع ولا أستطيع التواصل معهم لأنهم لا يتحدثون سوى العربية، مثل جدي وجدتي. كانت قصصاً غريبة مبهمة لم أعرف حقاً ما تعنيه.

لم أعرف ما يعنيه أن أكون لبنانية. ولم يكن لديّ أي أصدقاء لبنانيين. كانت نصف قصتي التي لم أستكشفها، ولم أفكر بها قط، أو أتماهى معها. أمِّي بريطانية، وأمضيت وقتاً طويلاً في إنجلترا، وخلال طفولتي في جنوب كاليفورنيا كنت أتعرَّض للسخرية كثيراً لأنني أستخدم كلمات بريطانية بدلاً من الأمريكية، وهذه هي الأشياء التي أشعرتني بأنني بريطانية. عندما كان الناس يشيرون إلى أنني أقول عبارات ليست أمريكية، كان سببي هو «آه، هذا لأنني بريطانية». كان لديّ تناقض الشعور بأنني بريطانية حتى النخاع وعدم الشعور إطلاقاً بأنني لبنانية، أو حتى معرفة ما يعنيه أن أشعر بأنني لبنانية. كلما تعرفت على صديق لبناني يقول: «ألا تتحدثين العربية؟ لم يسبق لك الذهاب إلى لبنان؟ ما الذي تتحدثين عنه، أنت لست لبنانية حقاً». وكنت أحس بكثير من الإحباط.

    عندما ذهبت إلى بيروت، كان أمراً غريباً لأنني أدركت أنَّ هناك أشياء متعلقة بي يمكن وصفها بأنها لبنانية جداً. وعندما كنت أسير في الشارع، افترض الجميع أنني لبنانية. أعني، إنني لبنانية، لكني نكرة … لم أكن بارزة. دخلت إلى الجامعة الأمريكية دون أن اُسأل عن بطاقة هويتي. وفي كل متجر دخلته، كان الناس على الفور يبدأون بالحديث معي بالعربية. كان شعوراً لطيفاً جداً أن أستطيع أن أقول لنفسي «آه، أنا واحدة من جميع الآخرين. إنني أندمج هنا. يمكنني التنقُّل دون أن أُلاحَظ باعتباري سائحة أو غريبة». كان ذلك شعوراً مميزاً لم أختبره من قبل قط. شعرت بأنني مسموح لي بالشعور بأنني لبنانية، وشعرت كأنني مسموح لي بأن أدعو نفسي لبنانية، بطريقة لم تسنح لي من قبل قط لأنني فهمت فجأة المزيد عن الأمر وكنت هناك ورأيت معنى أن أكون لبنانية، وتعرفت في نفسي على أشياء كانت موجودة سلفاً، أشياء كانت سلفاً جزءاً مني.

    ومع جلوسي في سيارات الأجرة مع رجال يبدون مثل جدي وسماع الموسيقى نفسها التي كان يشغلها أبي، كان صعباً أن أضطر إلى دخول كل مكان وأن يتحدث الناس معي بالعربية وأن أضطر إلى أن أقول على الفور «آه، لا أتحدث العربية». لكن الجميع هناك يتحدثون الإنجليزية، لذا لم يكن الأمر كأنني لم يكن بمقدوري التواصل، بل كان أشبه بتذكير مستمر بأنني لست لبنانية بالكامل. لم أكن منغمسة انغماساً تاماً في الثقافة. ولم تكن اللغة في متناولي. كففت عن حرمان نفسي من حق أن أدعو نفسي لبنانية. ومنذ عودتي إلى الولايات المتحدة، بدأت الثورة، ذهبت إلى مظاهرة تضامنية في بوسطن، وهو أمر لم أفعله من قبل قط لأنني كنت سأُبعَد منها. وعلى الأرجح ما كنت لأتابعها في الأخبار. والآن لن أتابعها على الأخبار فحسب، بل أريد أن أكون في مظاهرة لأرى لبنانيين آخرين مثلي من الذين في نيو إنغلاند ويشعرون بأنهم مُبعَدون منها. ما أزال أستوعب نوعاً ما كيف يمكنني الاتصال باللبنانيين دون أن أشعر بأنني محتالة أو مدَّعية. عندما ذهبت إلى المظاهرة في بوسطن لم أستطع قراءة أياً من اللافتات أو فهم أياً من الهتافات، وقد جعلني هذا أشعر بأنني عاجزة فعلاً عن الاتصال وأنني ما زلت بالخارج. لا أدري، ما زلت أستوعب كيف أتفاعل مع ذلك الجزء من نفسي بطريقة تشعرني بالأصالة.

هل يغير هذا رؤيتك للعمل الذي تؤدينه بوصفكِ مترجمة؟

    هذا سؤال وجيه حقاً. أعني، إنك محق. الطريقة التي أقرأ بها الكتب اللبنانية هي من خلال المترجمين لأنني لا أستطيع قراءة العربية وقيل لي أنَّ كثيراً من الكتابات المعاصرة المثيرة للاهتمام التي تُكتَب إنما تُكتَب إما بالإنجليزية أو العربية. ولا تُكتب بالفرنسية. ولذلك، سبيلي لقراءة تلك الكتابات التي لا أستطيع قراءتها هو قراءتها عبر مترجِم. وإنه لمن الجميل حقاً أن أتمكن من الاطلاع عليها بفضل عمل المترجمين. أليس من الرائع أنَّ المترجمين موجودون؟!

    الغريب هو أنني كنت أحسب أنَّ تعلم الفرنسية سوف يمكنني ذات يوم من الاتصال بلبنان لأنني سيكون بمقدوري الترجمة لكاتب لبناني من اللغة الفرنسية، وقد ثبت لي خطأ هذا الاعتقاد. سألت: «من هم الكتاب اللبنانيون الفرنسيون الذين يستحقون الترجمة؟» ودائماً ما يقول الناس إنَّ الكتّاب لا يكتبون بالفرنسية الآن. والكتاب اللبنانيون الذين كانوا يكتبون بالفرنسية -لأنهم كانوا يكتبون من قبل سنوات طويلة- تُرجِمت أعمالهم سلفاً. جميع الأعمال المثيرة للاهتمام تُكتب بالعربية. وعندما أدركت هذا، وجدتني قد فقدت أيضاً هذا الهدف من الترجمة .

    ومؤخراً، طلب فنان فيديو ألماني مني أن أترجم نصوص صحيفة تعود إلى الثلاثينيات مكتوبة كلها بالفرنسية لأنها كانت في فترة المستعمرات الفرنسية. هذه النصوص عن الأطلال في أول فيلم صوتي صُنِع في لبنان، ووقعت أحداث الفيلم في هذه الأطلال. لذلك، عندما عدت إلى لبنان، كانت أولويَّتي الأولى هي الذهاب إلى هذه الأطلال. لكنها كانت المرة الأولى التي أعمل فيها مع فنان. وهو كان يقتفي أثر رحلة هذا الفيلم الذي لم يعد متاحاً ولا أحد يعلم عنه أي شيء، لكن هناك كتابات كثيرة عنه. طَلَبَ مني ترجمة هذه النصوص، وقد كانت لحظة مميزة… حدث هذا مباشرة بعدما عدت من لبنان، قلت لنفسي «يا إلهي، سيتسنى لي استخدام مهاراتي في الترجمة لأتعلم شيئاً ذا صلة بلبنان وثقافتي!» وشعرت برضًا عظيم.

    كنت أشعر بأنني مُبعَدة من أي شيء طوال حياتي، وأشعر بأنني ليس لديّ مكان أحسُّ بأنه موطني. الوطن ينبغي أن يكون هو ذاتك. لا أشعر بأنني أستوعب تماماً مَن أنا أو كيف شكَّلتني أجزاءٌ مني. أعتقد أنَّ ما كان مشوِّقاً بشأن الذهاب إلى لبنان هو أنَّ ذهابي كان أشبه نوعاً ما بمدخل إلى الكيفية التي شُكِّلتُ بها على يد الناس واللغة.

إيما رمضان مترجمة أدبية ومالكة متجر كتب

إيما رمضان مترجمة أدبية ومالكة متجر كتب

    إيما رمضان مترجمة أدبية للشعر والنثر من فرنسا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. حاصلة على زمالة فولبرايت وزمالة ترجمة من الصندوق القومي للفنون، ومنحة بِن/هايم، وجائزة ألبرتاين عام 2018. وتشمل ترجماتها  Sphinx  وNot One Day لآن غاريتا، وPretty Things لفيرجيني ديسبينتس، و The Shutters لأحمد بوعناني، و My Part of Her لجافا جافاهري. تقيم في ببروفيدانس، رود آيلاند، حيث تملك بالشراكة وتدير متجر ’رِفراف‘ للكتب وحانة.


رابط المقال الأصلي

تُرجمت هذه القطعة من المحتوى بإذن المحاوَرة الأصلية فيه: إيما رمضان

ترجمها للعربية: محمد عبدالعاطي. (أنصح بطلب خدماته في الترجمة)

نُشرت لأول مرة بالعربية في مدونة يونس بن عمارة. ادعم توطين المعرفة – وساعد بما تستطيعه عبر هذه الصفحة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by ukfilmphotography on Unsplash

3 آراء حول “عن الهوية والتاريخ الثقافي وسُلطة اللغة

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s