جمالٌ بلا إثارة

كيف تستغل أفلام الأكشن الحديثة وأفلام الأبطال الخارقين أجساد الممثّلين لإثارتنا، وفي ذات الوقت تُجرِّد تلك الأجساد من خصائصها الجنسيّة؟

لـ ر.س. بينيديكت

هل توقّع بول فيرهوفن المستقبل حقًّا عندما قام بتكييف Starship Troopers إلى فلم في أواخر التسعينيّات؟ حربٌ في صحراءٍ لا نهاية لها، وانتشارٌ للدعاية العسكرية في كل مكان، ووجه مرح يحتفل بالنصر بينما تتراكم الجثث فوق بعضها البعض؟

غير أنّ المشهد الذي ترك التأثير الأكبر في أذهان أطفال التسعينيات – والمشهد الذي توقّع عصرنا السينمائي الحالي بأفضل طريقة – لا يحتوي على حشراتٍ عملاقة أو أسلحة، بل هو مشهد الاستحمام، حيث يتمتع جنودنا ونساءنا الأبطال بطقوس رعاية بدنيّة في جوٍّ مختلط.

يبدو المشهد خرافيًا… فها هنا تناغم عرقي، ومساواة بين الجنسين، ووحدة وراء هدف مشترك – أردافٌ مشدودة وأثداء ممتلئة.

ثم تتحدث الشخصيّات، وما موضوع المحادثة؟ الخدمة العسكرية بالطبع… فقد انضم أحدهم من أجل حياته المهنية السياسيّة، وانضمت أخرى على أمل الحصول على رخصة التربية الخاصة بها، بينما يتحدث آخر عن مدى رغبته في الإجهاز على العدو. كلّ هذا، ولا أحد ينظر إلى الآخر أو يغازله!

ها هنا غرفة مليئة بالأجساد الجميلة، والحرب هي ما تثير غريزتهم.

                                                *********

برزت فترة وجيزة، في أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، تظاهرت فيها الممثلات بأن نحافتهن كانت طبيعية، بل وعرضية [بفعل الصدفة] تقريبًا. وقد اعترف المشاهير نحيلو الجسم بحبهم للبرغر والبطاطا المقلية في المجلّات، والعارضات اللائي أجرت مقابلات شخصيّة لتشارك فيها بتناول المعكرونة علنًا، وممازحة السيّدات الرائدات في مجالاتهن حول قلة ممارستهن للرياضة ومدى كرههن لها.

كان كلّ ذلك هراءً، فلا أحد يمكن أن يتمتع بجسد مثل ذلك بدون قيودٍ غذائيّة… عرفنا ذلك حينها، ولا نزال نعرفه حتى الآن.

لم نعد نتظاهر، إذ تتضمن الدورات الترويجيّة للأفلام الرائجة الآن أوصافًا تفصيلية لأنظمة اللياقة البدنية للفنانين، فنشاهد الممثلين وهم يقومون بتمارين البيربي أو الحبال مع مدربين شخصيين باهظي الثمن، وهناك أيضًا بعض الحديث عن الأنظمة الغذائية، على الرغم من نقص التفاصيل حولها، وتناسيهم لذكر المنشطات أو المكملات الهرمونية الأخرى، في الوقت الذي توحي فيه صور السيلفي للممثلين الذكور على إنستغرام بأنّ أجسادهم جاءت بفضل مساعدة كيميائية.

بات الممثلون أكثر كمالًا جسديًا من أي وقت مضى، فهم نحيفون بشكل لا يصدّق، وذوي عضلات مفتولة، مع شعر مصفّفٍ بشكل رائع، وعظام خد عالية، وتحسينات جراحيّة لا تشوبها شائبة، وبشرة خالية من العيوب، فيظهرون كلهم بأزياء الأبطال الخارقين المناسبة لقوامهم مع المشهد الإلزامي بدون قميص لإظهار القيمة المطلقة لعضلات بطنهم المفصّلة وصدورهم المموّجة.

“حتى الكومبارس حسنو المظهر، أو على الأقل بلا جاذبية معيّنة. لا أحد قبيح. ولا أحد سمين حقًا. بل الجميع حسن المظهر”

ونحن لسنا هنا حتى بصدد الحديث عن أصحاب الصدارة ومشاهد الحب، فنجد أنّ حتى الشخصيّات الثانوية تبدو بهذه الطريقة أيضًا، بل وحتى الأشرار (غالبًا ما يرتدون مكياجًا وحشيًا) تُلعب أدوارهم من قبل ممثّلين جذّابي المظهر. حتى الكومبارس حسنو المظهر، أو على الأقل بلا جاذبية معيّنة. لا أحد قبيح. ولا أحد سمين حقًا. بل الجميع حسن المظهر.

ومع كلّ هذا، لا يبدو أنّ أحدًا ثارت غرائزه. فحتى عندما يقومون بعلاقة، لا تجد أيّة إثارة، ولا أحد ينجذب إلى أي شخص آخر، ولا أحد يتوق لأي شخص آخر حتى.

فور إلقاء نظرة على بعض أفلام الثمانينيات والتسعينيات المحبّبة، غالبًا ما يشعر مشاهدو جيل الألفية والجيل إكس بالدهشة عند مشاهدة محتوى جنسي منسي منذ زمن طويل: كالحَمْلِ بجون كونور في فيلم Terminator، ومشهد جيمي لي كيرتس عارية الصّدر في فيلم Trading Places، ومشهد الجنس الفموي في Ghostbusters. إنّ مثل هذه المشاهد لم تصدمنا عندما رأيناها لأوّل مرة، فبالطبع هناك جنس في الأفلام، ولطالما وجد!

إنّ الجواب – بالطبع – ليس بعد الآن، أو على الأقل، ليس عندما يتعلق الأمر بالأفلام الحديثة.

قيل لنا أن توني ستارك و بيبر بوتس حبيبان مقرّبان، لكن لا وجود لعلاقة رومانسية فعليّة بينهما في الأفلام. يفتقر كلّ من المرأة المعجزة وستيف تريفر إلى العنصر الحسّي لإقناعنا بأن أحدهما على الأقل متعطّشٌ للسيطرة على جسد ضحية في غيبوبة (كما هو الحال في فلم Wonder Woman 1984) حتى يتمكّنا من الاستمتاع بنزهة بعد وفاته. في تحدٍ للأساطير الإسكندنافية، يبتسم ثور – كريس هيمسورث – لناتالي بورتمان مثل مُسترِدّ جرو ذهبي غبي دون أن يحاول الإجهاز عليها بمطرقته القوية تلك… لو جاز التعبير. ولا يبدو أنّ المنافسة أفضل، فعلى الرّغم من زعمه العزوبة غير الطوعيّة، إلا أنّ جوكر هيث ليدجر، وليس باتمان العفيف لكريستيان بيل، هو الذي ينضح بأكبر قدرٍ من الطاقة الجنسيّة في ثلاثية Dark Knight.

وبالحديث عن أعمال كريستوفر نولان غير الجنسية لسبب غير مفهوم – هل فكّر أي شخص آخر في مدى غرابة دخول Inception أعمق مستويات العقل الباطن الثري للرجل بدون أن يجد كابوسًا نفسيًا أوديبيًا واحدًا من الانحراف، في حين يجد… دورية تزلّج؟!

دعونا لا نتظاهر بأنّ هوليوود القديمة كانت ملاذًا تقدميًا لإيجابية الجسد، فمنذ رحيل المغوية الحسّية ثيدا بارة عن الشاشة الفضية، لجئ الممثلون دائمًا لأقصى الحدود للحفاظ على مظهر معيّن، حيث خضعت ريتا هيورث لعملية تحوّلٍ عرقية لتبدو أكثر قوقازية حتى تتمكن من الحصول على أدوار قيادية. فيما حدّت نجوم العشرينيات من القرن الماضي من استهلاكها للسوائل إلى كأسين من الماء في اليوم لتجنب مظهر وزن الماء. وعانت جين فوندا من الشره المرضي الشديد في ذروتها، وكذلك كان الحال مع مارلين براندو.

                                                *********

“لم يمارس سنيك بليسكين الجنس على الشاشة، لكن شخصيّته كانت تنضح طاقة جنسية حارقة”

غير أنّ الأفلام القديمة لا تزال تعرض أجسادًا بشرية ووجوهًا بشرية مميّزة – أجساد يمكن نظريًا أن يملك مثلها شخصٌ عادي دون مساعدة فريق من المدربين الشخصيين ومختصيّ التغذية والطهاة والكيميائيين الخاصين.

كان الممثلون البارزون في أفلام الثمانينيات والتسعينيات حسني المظهر، نعم، لكنهم كانوا لا يزالون بشرًا. كان فيلم Snake Plissken للمخرج كورت راسل قطعة فنّية عظيمى، ولكن في المشاهد التي لم تحتوِ على قميص، لم يكُ هناك ظهور لعضلات البطن. كان بروس ويليس وسيمًا أيضًا، لكنه أصبح أكثر قوة الآن مما كان عليه في التسعينيات، عندما كان يُوصف غالبًا بأنه رمز جنسي حقيقي. من جهتها، وعندما خلعت إيزابيلا روسيليني ملابسها في Blue Velvet، أصبحت بشرتها شاحبة وجسمها ناعمًا، لقد بدت ضعيفة وحقيقيّة.

لقد مارست هذه الشخصيّات علاقات حميميّة: دوروثي فالينز وجيفري بومانت من Blue Velvet، وكذلك باتمان لمايكل كيتون والمرأة القطة لميشيل فايفر، وكايل ريس وسارة كونور. لم يمارس سنايك أيّة علاقة على الشاشة، لكن الشخصية تنضح بطاقة جنسية حارقة. وأتحدّاكم أن تجدوا فيلمًا عاديًّا بلحظة مثيرة وسعيدة واحدة كتلك التي ستجدونها في مشهد الساكسفون المنفرد المثير من فيلم The Lost Boys.

                                                *********

ولعلّ واحدة من أبرز اللّقطات التي ينظر إليها اليوم كأحد أكثر المشاهد لفتًا للانتباه في فيلم Poltergeist لعام 1982، ولسنا نتحدّث هنا عن دمية المهرّج الشريرة أو شجرة الوحش، بل هي لحظة من المودة المريحة تلك بين رجل وزوجته. يقوم الأب – أصلع ذو بطن ممتلئ بالجعة يلعب دوره كريج ت. نيلسون – بإلقاء طرفة على زوجته، التي ترتدي ثوب نومٍ رثّ وتدخّن الحشيش بينما تتحدّث بصوت عالٍ عنه وتضحك على مزحة زوجها البليدة. يرتمي الزّوج على السّرير بمرح في الأخير، وبينما لم تكن أي من الشخصيّتين برّاقتين في هذا المشهد، إلّا أنّ علاقتهما بدت حيوية وجذّابة، بل وحقيقيّة.

حتى المنزل بدا حقيقيًا أيضًا، فهناك ألعاب ومجلّات متناثرة على الأرضيّة، وصناديق من الورق المقوى في انتظار تفريغها منذ انتقال العائلة، وإطارات الصّور على الحائط – لم يقم الوالدان بوضع الصّور فيها بعد – ومنضدة المطبخ المزدحمة وأوقات الوجبات المتقطّعة وغير الدقيقة، كما يتوقّع المرء أن يرى في منزلٍ به ثلاثة أطفال. إنّهم يبنون مسبحًا في الفناء الخلفي، ليس من أجل المظاهر، بل إنه مكان للأطفال حتى يسبحوا، وللوالدين حتى يقيما الحفلات، وللأب حتى يسترجع شغفه بالغوص.

كان ذلك المنزل يمثّل نموذجًا طموحًا للثراء الأمريكي في ذلك الوقت.

قارنوا ذلك بالمنازل الموجودة في الأفلام الآن: مساحات كهفيّة ضخمة فارغة مع أثاث بسيط، ومطابخ ذات حجم صناعي، نظيفة ولا تحتوي على أيّ طعام: لا تبذيرٌ فيها ولا فوضى.

                                                *********

“انفكّ الجسد عن كونه نظامًا شاملاً، فلم يعد المركبة التي تتيح لنا اختبار الفرح والسّرور، ولا منزلًا نعيش فيه بسعادة”

في مدونتها McMansion Hell، تفحص كيت فاجنر سبب كون هذه المنازل المضخّمة العملاقة والمكروهة على نطاق واسع والتي تبلغ مساحتها 5000 قدم مربع فظيعة للغاية. وفي سعيها ذاك، تكرّر النقطة التي مفادها أنّ تلك المنازل الضّخمة – McMansions – لم تبنى لتكون منازل، بل لتكون استثمارات قصيرة المدى.

تكتب كيت: “صُمِّم الجزء الداخلي من الـ McMansions من أجل حشر معظم الميّزات في الداخل بأقل التكاليف”؛ وتوجد هذه الميزات لزيادة قيمة إعادة بيع المنزل، لا لجعله مكانًا مناسبًا للعيش. لا توجد فكرة واضحة عن العمل المطلوب لتنظيف هذه المساحات وصيانتها، ويشتمل الحمّام الرئيسي على أسطح حجرية معقدة لا يمكن حكها إلا بفرشاة أسنان، وأسقف الكاتدرائية في غرفة المعيشة ترفع تكاليف التدفئة والتبريد إلى مبلغ باهظ. فيما تتدلى الثريا في المدخل الكبير لدرجة أنه لا يمكن لأحد استبدال المصابيح الموجودة بها، حتى مع وجود سلم.

انفكّ الجسد عن كونه نظامًا شاملاً، فلم يعد المركبة التي تتيح لنا اختبار الفرح والسّرور خلال فترة وجودنا القصيرة في أرض الأحياء. إنه ليس منزلًا تعيش فيه وتكون سعيدًا، بل إنّه أيضًا مجموعة من الميزات: ستة أقراص، وفجوة في الفخذ، ومزاريب للمني. وليس الهدف من هذه الميزات جعل حياتنا أكثر راحة، بل زيادة قيمة أصولنا. إنّ أجسامنا استثمارات، يجب دائمًا تحسينها لتجلب لنا… ماذا بالضبط؟ شعور فاتر بحياة أفضل؟ هل الحياة بدون خبز أفضل من الناحية الموضوعية من الحياة معه؟ وعندما كنا أطفالًا، هل حلمنا بحساب كل سعرات حراريّة وتسجيل كل خطوة؟

كان من الطبيعي أن يمارس البالغون الرياضة كنشاطٍ لتحسين ذاتهم وبمثابة عملٍ من أعمال الترفيه منذ جيل أو جيلين. وقد رقص الناس من أجل المتعة. واجتمع الأشخاص للحديث عن التنس. ولعب الأطفال كرة العصا لعدم وجود أيّ شيء آخر يقومون به. وكان للتمرين الفردي في صالة الألعاب الرياضية هدفًا اجتماعيًا أيضًا وليس أخلاقيًا فقط. عمل الناس على أن يبدوا جذابين حتى يتمكنوا من جذب أشخاص مثيرين آخرين ويبدؤوا معهم علاقة حميميّة، ومهما كان الهدف وراء ذلك، كانت الغاية النهائيّة هي المتعة.

غير أنّ الأمر ليس كذلك اليوم. الآن، نحن جزر مثالية من الاعتماد العاطفي على الذات، ويُنظر إلى الرغبة في أن نُلمس على أنها محرجة وتعتمد على الآخر. نحن نفعل هذا لأنفسنا، لأننا، ومن أجل لا شيء، نريد بشدة أن نحقق معيارًا ماديًا وضعه شخصٌ آخر غير مرئي في مكتب تأمين في مكان ما.

تركّز إعلانات الصالات الرياضيّة المعاصرة على تحسين الذات المعزولة بشكل صارم: كن أفضل ما في نفسك، واخلق نفسك الجديدة. نحن لا نمارس الرياضة، ولا نمارس التمارين الرياضية: نحن نتدرب، ونتدرب في برامج للياقة البدنية بأسماء مثل Booty Bootcamp (اسم مجلّة كناية عن معسكر للأرداف)، كما لو أنّنا نتجهّز لـ “معركة الأرداف العظمى”. لا يوجد ما يشير إلى إمكانيّة حدوث علاقة حميميّة، وعلى غرار أبطالنا في عالم مارفل، ريكو وديزي وجميع المشاة الآخرين في Starship Troopers، تُثار غرائزنا لإبادة الآخرين فقط.

ومن الآثار الجانبية الأقل مناقشة للتقييد الشديد للسعرات الحرارية هي فقدان الرغبة الجنسية. يختبر لاعبو كمال الأجسام هذا أثناء اتباعهم لحمية قاسية لخفض الدّهون بسرعة حتى تظهر عضلاتهم أثناء المنافسات. وعلى الرغم من أنها تبدو عينات مثالية جسديًا للرجولة، إلا أنها لا تحلم بالنساء، ولكن بالجبن والبطاطا المقليّة. من جانب آخر: تفقد العديد من مريضات اضطراب الأكل الدّافع الجنسي تمامًا، بل وتتوقّف دوراتهن الشهرية.

عندما يتلقى الجسم سعرات حرارية أقل، يضطر لأن يعطي الأولوية لأنظمة دعم الحياة الأساسية على أي وظيفة ليست ضرورية تمامًا لبقاء الجسم على قيد الحياة على الفور. تندرج الرغبة الجنسية في الفئة الأخيرة، كما هو الحال أيضًا بالنسبة للتفكير المجرّد. يعتقد الجسم الذي يُقيّد في طعامه ويزيد من ممارسته للرياضة أنّه يمر بمجاعة، والتي -بطبيعة الحال- لا تُعدّ وقتًا مثاليًا للتكاثر.

هل هناك أيّ شيء أكثر قسوة من تكريس فكرة جنسيّة تجعل الشخص غير قادر على الاستمتاع بأحاسيسه؟

يبدأ هوس الأمة بالقوّة عندما تشعر بالتهديد، فنلاحظ أنّ الألمان والنرويجيين أصبحوا مهووسين بتحسين الذات الفرديّة من خلال اللياقة البدنية في نهاية العصر النابليوني. وقد اتخذ البريطانيون هذه الثقافة الفيزيائيّة [البدنية] في القرن التاسع عشر – ومعهم إمبراطورتيهم – حين بدأوا يضعفون. أما اليوجا، في ممارستها الحالية كشكل من أشكال تدريب القوة التأملية، فقد نتجت عن حركة الاستقلال الهندية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

ولا يكمن الدّافع وراء هذه الحركات في اكتساب اللياقة من أجل المتعة أو من أجل القوة والجمال الجسدي الخالص، بل يكمن في التنافسيّة. حيث يتعلّق الأمر باستجماع القوّة الكافية لمحاربة العدو، أيًّا كان.

“ولا يكمن الدّافع وراء هذه الحركات في اكتساب اللياقة من أجل المتعة أو من أجل القوة والجمال الجسدي الخالص، بل يكمن في التنافسيّة”

والولايات المتحدة ليست محصّنة ضد هذا، بالطبع. فقد ظهر اختبار اللياقة الرئاسية في منتصف القرن العشرين بعد أن وجدت الدراسات أنّ الأطفال الأمريكيين يتخلفون عن الأوروبيين في اختبارات معينة للمرونة والقدرة على تمارين الجمباز. وفاقم هلع الحرب الباردة الوضع، خاصة مع دخولنا الثمانينيات. ماذا لو كان أطفالنا أسمن للغاية من أن يهزموا الشيوعيّة؟ انسجم هذا الهوس بشكلٍ لا يصدّق مع نرجسيّة البومر يوبي (لفظ يشير إلى الشباب العامل الطموح والذين ولدوا بين 1946-1965) وولّد ظهور صيحة الرياضة الهوائيّة.

ثم جاءت التسعينيّات، وسقط جدار برلين، وأصبحت عصبات الرّأس  والإسباندكس من الماضي. بينما بقيت أمريكا مهووسة بالنحافة، ولم يكن ذلك من أجل القوة. فقد حدث شيئان في فجر الألفية الجديدة أعادا ثقافة الجسد القوي.

حدث الأول في عام 1998، عندما تغيّرت معايير مؤشر كتلة الجسم بعض الشّيء. في السابق، كان المرء بحاجة إلى مؤشر كتلة جسم 27 (للنساء) أو 28 (للرجال) ليتم تصنيفهما على أنهما يعانيان من زيادة الوزن، لكن المعيار الجديد خفّض الحد إلى 25 نقطة. وهكذا أصبح تسعة وعشرون مليون أمريكي على الفور يعانون من زيادة الوزن دون اكتساب غرامٍ واحد. وبموجب الإرشادات الجديدة، يمكن للأطباء أن يصفوا لهم أدوية الحمية أو يوصوا بإجراء جراحة لفقدان الوزن إن لزم الأمر.

انتشر الذّعر على الصعيد الوطني، وهبّت عناوين الصّحف معلنة عن وباء جديد من الذين يعانون من السّمنة والذين كانت أجسادهم قنابل موقوتة قد تسبّب الموت والدمار في أي لحظة. أصبحت لقطات مخزون الأشخاص البدينين الذين يتجولون في الأماكن العامة، والتي تم تصويرها من الرقبة إلى أسفل لحماية هوياتهم (وهو الأمر الأكثر فاعلية لتجريدهم من إنسانيتهم)، مشهدًا مألوفًا في الأخبار التلفزيونية حيث تحدّث المذيعون النحيفون عن أهوال وباء السّمنة. وكان من الغريب بمكان أنّ تلك التقارير فشلت في ذكر أنّ هذه الزيادة المفاجئة في زيادة الوزن/السمنة لدى الأمريكيين جاءت نتيجة تحوّلٍ قياسي في مؤشّر كتلة الجسم.

أمّا الحدث الثاني فقد كان، بالطبع، حادثة 11/9.

أشعل الهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاغون حربًا جديدة ضدّ الإرهاب، وكان على أمريكا أن تزيل دهونها حتى نتمكن من كسب تلك الحرب.

لقد تسبّبت ثقافة عبادة القوات العسكرية الأمريكية المفرطة بعد أحداث 11 سبتمبر إلى الذّعر من السمنة وأنجبت طفلًا مرعبًا ومنتفخًا. تميّزت فصول الجمنازيوم في المدارس العامة بأيام لياقة عسكرية خاصّة حيث تدرّب الطلّاب على إلقاء قنابل وهميّة. وأضاف جورج دبليو بوش تحدي لياقة الكبار إلى برنامج اللياقة الرئاسيّة. وعلى التلفزيون الأمريكي والبريطاني، ظهرت موجة جديدة من الأفلام الوثائقية وعروض الواقع لتخبرنا أنّنا أسمن من أن نهزم القاعدة، ومنها: Honey، We’re Killing the Kids، Supersize Me، You Are What You Eat، حيث كنت تجد امرأة شكسة تصرخ على البريطانيين الذين لم يفِ برازهم بالمعايير الصارمة. وبرنامج The Biggest Loser، حيث يصرخ المدربون الهزيلون على المتسابقين البدينين بطريقة مشابهة بشكل لافت لمدرّب تمارين نمطي.

“لكن عصر العضلات الجديد هذا افتقر إلى الإثارة التي كانت في سينما الأكشن في الثمانينيات”

وعادت العضلات – العضلات العملاقة والنابضة والمعزّزة بالستيرويد – إلى الشاشات، لكن عصر العضلات الجديد هذا افتقر إلى الإثارة التي كانت في سينما الأكشن في الثمانينيات. أظهر أرنولد شوارزنيجر عضلاته في فيلم Terminator، وخلع سيلفستر ستالون ملابسه في First Blood و Tango & Cash، وأظهر Bloodsport جسد جان كلود فاندام أكثر من إظهاره اهتمامه بالحبّ.

وعلى الرّغم من ذلك، فإن الشّركات السينمائية الكبرى اليوم لا تلجئ إلى التعرّي بصفة عامّة. فمارفل (Marvel Cinematic Universe) تتبع تصنيف PG-13 الذي يمنع المشاهد الدامية أو الفاضحة، كما يتوقع المرء من منتجي ديزني. وحتى في عالم دي سي (DC) نجد القليل جدًا من النشاط الجنسي البشري. إنّ مطالب الأنصار [الجمهور] بأفلام أبطال خارقين “أكثر نضجًا” تعني المزيد من العنف التصويري، لا الجنس. لذا أصابهم الذّعر من مشهد العضو الذكري الأزرق المتوهّج للدكتور مانهاتن في Watchmen، وما زالوا لم يغفروا لجويل شوماخر وضع حلماته على بذلة باتمان.

إنّ نجوم اليوم هم شخصيات أكشن وليسوا أبطال أكشن. إنّ هذه الأجساد المثالية موجودة لغرض إلحاق الضّرر بالآخرين وفقط. حيث أصبحت المتعة في أن تصبح ضعيفًا، وأن تخذل فريقك، وتمنح العدو فرصة للفوز، مثلما فعل ثور عندما أصبح سمينًا في Endgame.

ويعكس هذا الاتجاه السينمائي الثقافة من حوله، فحتى قبل أن تضرب الجائحة، ظهر جيل الألفية والجيل زد أقل نشاطًا جنسيًا. لعلنا قلقون جدا حول نهاية العالم، أو لربما نحن أفقر من أن نخرج في موعد، أو لربّما يضطرنا العيش مع زملاء في الغرفة أو مع والدينا إلى الشعور بالحرج، أو لعل هناك مواد كيميائية في البيئة تؤثّر على هرموناتنا، أو لربما لا نعرف كيفية عيش الحياة الجنسية البشرية خارج ثقافة الاغتصاب، بل ولربما كانت تربيتنا على أنّ أجسادنا تهديد لنهاية الأمّة قد قلّلت من حماسنا تجاه المتعة الحسّية.

في هذا السياق، ازدادت اضطرابات الأكل بشكل مطرد، وما زلنا نعمل على أجسادنا لمحاربة العدو. وبما أنّنا في حالة حرب مع مفهوم مجرّد، فإن العدو غير مرئي وأثيري. ولهزيمته، يجب أن تفقد أجسادنا الثبات كذلك.

                                                *********

ويبقى الأمل.

سيلعب روبرت باتينسون كباتمان في الفيلم المقبل الذي حُدّد تاريخ صدوره في عام 2022، وقد تفاخر برفضه نفخ جسده من أجل الدّور، على الرغم من احتجاج عشاق الأفلام الخارقة.

في مقابلة جرت العام 2019 مع مجلّة فاريتي، قال باتينسون، “في آخر ثلاث أو أربع أفلام، كان لدي مشاهد استمناء. لقد فعلت ذلك في “High Life”، و”Damsel”، و “The Devil All the Time”. لم أدرك أنّني فعلت ذلك حتى المرّة الرابعة، في [in The Lighthouse]”.

يبدو أنّ روبرت قد يكون البطل الذي نحتاجه.

عن الكاتبة

تصفُ آر إس بينيدكت نفسها بأنها أخطر امرأة تكتب في صنف الخيال التأملي. وقد ظهرت أعمالها في كل من مجلة الخيال العلمي والفنطازيا، والمجلة الرقمية بلَد نايف، ومجلة ذا نيو هافن ريفيو، وكتاب بورد نولدج: 35 امرأة لا خير فيهن. ومثل غالبية من هم من جيل الألفية: لدى آر إس بودكاست (مدونة صوتية) تدعى Rite Gud تجدها في موقع Kittysneezes.com.


رابط المقال الأصلي

تُرجمت هذه القطعة من المحتوى بإذن كاتبتها الأصلية: آر إس بينيدكت.

ترجمها للعربية: عبد القادر علي خوجة.

نُشرت لأول مرة بالعربية في مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by ActionVance on Unsplash

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s