إبراهيم الكوني يقول أن الدروبي ارتكب آثاماً لا تُغتفر في حقّ أعظم عرّاب لفنّ الرواية على الإطلاق

صباح الترجمات،

صحيح أن العنوان “مستفز”، لكنه انعكاس لما ورد في مقال إبراهيم الكوني أدناه، فلا تلوموني. أيضًا أعتقد فعلا أن إبراهيم الكوني يتحامل على الدروبي في المقال، أن تصف شخصًا أنفق معظم عمره في ترجمة الأعمال المميزة أنه ارتكب آثامًا لا تغتفر شيء مبالغ فيه. على أقل تقدير.

ذات مرة سمعتُ خبرًا أن إحدى روايات إبراهيم الكوني تُرجمت لإحدى اللغات الأوروبية، ووقتئذ قرأت صفحات من الرواية المعنية (لا أذكر اسمها الآن) لأنه مرت سنوات، لكن جزمت في نفسي أن المترجم الأوروبي لن يستطيع نقلها للغته بصورة معقولة وصحيحة بل وحتى تقريبية.

والسبب أن لغة الرواية صعبة حتى على العربي، وإبراهيم الكوني مولع بنحت ألفاظ ذات أبعاد فلسفية ولغوية تثقل كاهل القارئ ناهيك عن المترجم. لذا بعد أن قرأت مقاله أدناه لم أتعجب من أنه يشكي من أن مترجم إحدى قصصه للإنجليزية لا يجيد العربية أساسًا وأن مترجم روايته التبر للفرنسية وهو مترجم عربي يفترض أنه يعرف العربية، لا يجيد هو كذلك العربية تمامًا ووصف الكوني ترجمته أنها “معالجة صبيانيّة”.

للمعلومات فقط وإن كنت مترجمًا فإن مجرد تفكيرك في ترجمة أحد أعمال إبراهيم الكوني يستوجب التحية والإجلال ليس لعظمة عمل الكوني بل التحية والإجلال موجهان لرغبتك في النهوض بعملٍ سيشبه كثيرًا نقل جبل من مكان لمكان آخر، وأبشّرك أن المهمة ستكون صعبة بصورة جنونية مهما بلغتْ قدرتك ومهارتك في الترجمة والبشرى الأخرى أنه حتى ولو بذلت الجهد لن يرضى عنك إبراهيم الكونيّ.

دون إطالة إليكم المقال، تليها الاقتباسات محلّ النقاش:

خواطر إبراهيم الكوني عن الترجمة، وتحديدًا ترجمة أعماله للغات الأخرى مغامرة التُّرجمان في قفص الإتّهام [سكاي نيوز عربية] ومنه نقتبس:

لم يوجعني شخصياً أن تقوم دور نشر عبر العالم بإعادة إصدار أعمالي بدون موافقتي، أو يقوم ترجمانٌ هنا، أو آخر هناك، بنقل أعمالي بدون إذن، أو عقد، أو علمٍ، كما حدث مراراً، ولكن ما المؤلم هو الإساءة للعمل بسبب سوء الترجمة، ليقينٍ بأن عملاً كهذا هو بمثابة حُكم إعدامٍ في حقّ العمل، إحترفته دور نشرنا العربية حقبة طويلة في حقّ الأدب العالمي، عندما لم تخجل من إصدار عمل مرجعي في مقام “الحرب والسلم” في مائتي صفحة، لملحمة يتجاوز عدد صفحاتها الخمسة آلاف، فلا يرتقي الكِتاب حتى إلى مستوى التقرير المبدئي للإحاطة، الذي تعتمده دور النشر للإطلاع السطحي على الفحوى. أمّا شرع الحقوق فهو ما لم تعترف به دور نشرنا يوماً.

ونقتبس أيضًا:

لا نملك إلاّ أن نحسد روائياً عالمياً في مقام غابرييل ماركيز على محاباة الحظّ عندما يعترف كيف حظيت “مائة عام من العزلة” بمنزلة، في ترجمتها إلى الإنجليزية، أقوى حتى من صيغتها في الأصل الإسباني؛ وهي معجزة في واقعنا العربي لن نستطيع أن نتخيّلها إذا كنّا نتغنّى، على سبيل المثال، بتراجم سامي الدروبي لدوستويفسكي ونسوّقها كنموذج مازال إلى اليوم مضرب مثل في الإتقان، بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدورها، برغم اقتراف خطيئة في حقّ ناموس الترجمة الذي لا يعترف بتسويق المتن عبر وسيطٍ ثالث، كما فعل الدروبي الذي نقل أعمال هذا الحكيم لا من الروسية رأساً، ولكن عبر الفرنسية، ليرتكب، بهذا الإستخفاف، آثاماً لا تُغتفر في حقّ أعظم عرّاب لفنّ الرواية على الإطلاق، كأنْ نقرأ هذه الفقرة، المشوّهة بالحشو الطائش، الواردة في الترجمة لأعظم عمل في تاريخ الرواية وهو “الإخوة كارامازوف”: “الجمال شيءٌ رهيب ومخيف! هو رهيب لأنه لا يُحدَّد.. ولا يمكن تحديده، لأن الله ملأ الأرض ألغازاً وأسراراً”، في حين قمتُ بترجمتها شخصيّاً، نقلاً عن الروسية رأساً، لتكون استشهاداً توّج رواية “ناقة الله” على النحو التالي: “الجمال مخيف، لأنه بلا تعريف، وهو بلا تعريف، لأن الله لا يطرح إلاّ الأحاجي”. وبمقارنة عابرة بين الترجمتين يستطيع أيّ هاوٍ أن يدرك مدى قسوة الطعنة، التي سدّدها الترجمان لهذه الجملة الحاسمة، لتنزف ذخيرتها، المسكونة بالحكمة، المجبولة بالشعر، الغنية بذلك الجنس من الإيحاء، الذي كان دوماً شعرة شمشون في أدب دوستويفسكي؛ فلا نكتفي، في واقعنا الشقيّ، أن نبارك هذا العبث، ولكننا نتغنّى به في محافلنا الثقافية، ونتباهى به كنموذج في الكمال، طوال أكثر من نصف قرن.

تعليقي: مقارنة جملتين فقط غيرُ كافٍ، وأرجو فعلًا أن يمارس الكوني المزيد من الترجمة، لكي نرى هل يحقق هو معاييره التي ينشُدُها أم لا. إضافة إلى ذلك وحتى لو أخطأ الدروبي -وهو وغيره يخطئون- وهذا أمر إنساني طبيعي لكن أن تسمي عمله مُجملًا ‘عبث’ وتسمي احتفاء العرب به احتفاءً بالعبث لا يجوز. والخبر السعيد الذي أختم به هو أن أعمال دوستويفسكي تُرجمت فعلًا للعربية من الروسية رأسًا في السنوات الأخيرة فالحمد لله رب العالمين.

ادعم استمرارية هذه اليوميّات برعاية المحتوى الذي أصنعه، طالع تفاصيل الرعاية في هذا الملف؛ أو تصفّح هذا الرابط.

من الأرشيف:


يونس يسأل: ما رأيك في ترجمات الراحل سامي الدروبي؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by Subhkaran Singh on Unsplash

4 آراء حول “إبراهيم الكوني يقول أن الدروبي ارتكب آثاماً لا تُغتفر في حقّ أعظم عرّاب لفنّ الرواية على الإطلاق

  1. هل يعي ابراهيم الكوني انه بمحاولاته هذه قد يخسر جمهورا من القراء، لان اسلوبه يدل على بعض الغرور، صحيح اننا حينما نقرا عملا مترجما عن اللغة الاصل نكوّن رأيا وعندما نقرأ العمل مترجم عن لغتين يختلف الرأي أيضا، لكن بشكل عام يعتمد بالنهاية على القارئ هل هو انتبه ام لا وهل يضايقه الامر او لا.
    بالنسبة لي قرأت الكثير من الترجمات ولم أجد فرقا بين الترجمة عن لغة او لغتين، فالمعنى العام قد وصل، لكن ربما هذا يعد مشكلة لمن يدقق في كل شيء يقرأه في العمل الأدبي المترجم.
    قرأت له ووجدت ترجمته جيدة.

    Liked by 1 person

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s