جورج بيريك يحثّك أن تستنطق الملاعق الصغيرة!

مقدمة المترجم

في كل عددٍ من نشرته البريدية الأسبوعية يطلب كاي براخ Kai Brach من أحد متابعيه أو متابعاته المميزات أن يشير إلى “خمسة تستحق” وهي:

وفي العدد 117 من نشرته البريدية Dense Discovery، اختارت Kim Lam في فقرة “خمس تستحق” قسم: عبارة تستحق أن تعرفها:

“استنطق ملاعقك الصغيرة” وهي عبارة من الكاتب الفرنسي غريب الأطوار جورج بيريك وتتعلق بمفهوم “ما تحت المألوف” (pdf) وهو مصطلح جديد اجترحه جورج بيريك ليصف العادي والمعتاد والمألوف من شؤون الحياة اليومية التي لا بد من بذل الجهد كي نراها ونلاحظها ذلك أننا تعودنا عليها ونعتبرها بديهيات. تقول كيم لام أن هذه العبارة انتشلتها من السلبية.

أحالت كيم إلى ملف بي دي إف فيه فصل كتبه جورج بيريك عن الموضوع، وقد أعجبني وهكذا ترجمته لكم، إن أثار جورج بيريك اهتمامك طالع:

  1. رسالة إلى جورج بيريك – ربيع جابر
  2. رواية الأشياء حكاية من الستينيات – تأليف: جورج بيريك؛ ترجمة: محمد فطومي – دار المدى 2020

مقدّمة المحرر

نُشر هذا الفصل القصير للروائي جورج بيريك (1936-1982) لأول مرة في مجلة Cause Commune في عام 1973 قبل أن يصبح جزءًا من مجموعته L’Infra-ordinaire “ما تحت المألوف”.

ويشير مصطلح “ما تحت المألوف” إلى الشؤون اليومية العاديّة التي تتطلب من البشر قدرًا من السعي الدونكيشوتي (العبثي) أو الانتباه المكثّف لملاحظاتها.

في هذا السياق، يستخدم بيريك مصطلحات جديدة مثل “ما تحت المألوف”، و”المتجذّر في الألفة” (endotic) لوصف الشأن اليوميّ الذي لا هو عادي ومألوف ولا هو غريب خارق للعادة، والذي لا هو مُبتذل ولا هو جديدٌ لم يُرَ من قبل.

وهذا الشأن اليومي الذي يفكّر به بيريك ليس اليوميّ الذي اهتمت به طائفة السرياليين (مثل ذلك الذي كتب عنه أراغون 1926 ووصفه بـ’الإحساس المُذهل الغامر بالإنوجاد اليومي’) فبالنسبة ليوميّ بيريك ينبغي علينا من عدة نواحٍ أن ننظر إليه على أنه النسخة السريالية للعلوم الاجتماعية.

ذلك أن اليوميّ والمألوف الذي يتكلم عنه بيريك يتطلب إيلاء انتباهٍ منهجيٍّ شديد، قد يسفر عنه حتى تأسيس أنثروبولوجيا لكن دونَ تمييزٍ ما بين ذي الأهمية وعديم الأهمية، حتى لو كانت هذه الممارسة تبدو لأول وهلة ضربًا من غرابة الأطوار.

من هنا يتمثل مسعى بيريك إذًا في إبراز ما يتسرّب على الدوام من بين أصابع المفاهيم التقليدية لما يعنيه المهمّ.

والمثال على ذلك ما قام به بيريك في نصّه “محاولة لاستنفاد أحد أمكنة مدينة باريس” حيث بدأ بيريك أولًا بفهرسة ما يوجد في الشارع (من محلات تجارية ومقاهي وغيرها) وخَلُص إلى أن هذه الأشياء عاليةُ الأهمية بالفعل بما لا يناسب بحثه.

وبدل ذلك، كتب بيريك أن ما يسعى إليه هو “وصف ما يتبقى: تلك الأشياء التي لا نلاحظها عادة، وتلك الأشياء التي لا تسترعي الانتباه لها، وتلك الأشياء التي لا تحمل أي أهمية؛ تلك الوقائع التي تقع عندما لا يحدث شيء، وتمرّ أثناء لا مرور شيء، عدا الزمن والناس والسيارات والسُحُب” (بيريك نقلًا عن أداير 1993).

وبالنظر إلى الميل شبه الاجتماعي لهذا النهج في التفكير، فقد يكون من الأهمية بمكان أن نذكر أن بيريك كان لفترة صديقًا لهنري لو فيبفر وأن هنري ساعد بيريك الفقير بالعثور على عمل له في مجال أبحاث السوق.

من ناحية أخرى، ينتمي بيريك أدبيًا إلى مجموعة أدبيّة تسمى أوليبو (وهي اختصار لعبارة ورشة أدب المُمكن Ouvroir de littérature potentielle) وهي مجموعة أسسها في الأصل ريموند كينو وفرانسوا لو ليونيه.

ومع أن هذا الضرب من المبادئ الصارمة التي فرضها هؤلاء الكتّاب على أنفسهم يبدو بمنأى عن الشؤون اليومية من مثل كتابة رواية كاملة دون استخدام حرف ‘e’)، إلا أن كثيرًا من الأعمال التي أنتجتها مجموعة أوليبو تُظهر بما لا يخفى طبيعةً يوميّة أصليّة.

ومن هذه الأعمال التي تحمل صبغة يوميّة واضحة أشهر روايات بيريك التي كتبها في حياته: «دليل المُستخدم» (1978)، حيث يمكن عدّها النسخة الروائية لنظرية أو منهج تفكير “ما تحت المألوف” حيث تعج الرواية بتفاصيل يومية ضئيلة الشأن لحشد من الحيوات لا يمكن اختزالها والاكتفاء بوصفها على أنها مجرد شؤون “عاديّة”.


مُقاربات إزاء ماذا؟ – جورج بيريك [1973]

يبدو أن ما يُكلِّمنا (ويَكْلمُنا أي يجرح فكرنا) هو، على الدوام، الحدثُ الكبير، والواقعة الهائلة، وغير المُتوقَّع والخارقُ للعادة: ذاك الخبرُ الذي يحتل الصفحة الأولى، وعناوين الأنباءِ الصارخةِ البارزةِ.

من ذلك أننا لا نعي بوجود القطارات إلا لما تنحرف عن سككها الحديدية، وكلما ازداد عدد القتلى من الركّاب، ترسّخ وجود القطارات في أذهاننا.

أما الطائرات فهي غير موجودة إلا عندما تُختطف. أما السبيلُ الوحيد والأوحد أمام السيارات لكي توجد فهو أن تصطدم بأشجار الشنّار.

اثنان وخمسون عطلة نهاية أسبوعٍ في السنة، واثنان وخمسون لائحة تسردُ أسماء الضحايا، وهذا عدد كبير من الموتى وإنه لحَسَنٌ في عين الصحافة والإعلام إن استمرت هذه الأرقام بالزيادة!

ووسائل الإعلام تتصرف كما لو أن وراء كل واقعة تحدث، لا بد من وجود فضيحة، أو خرقٍ أو خطرٍ، كما لو أن الحياة لا تكشف عن نفسها إلا بطريقة استعراضية مُبهرة، وكما لو أن ما له وقعٌ وصوت، وذو الأهمية، لا بد أن يكون دائمًا غير طبيعيٍّ: مثل الكوارث الطبيعية أو الثورات التاريخية، أو الاضطرابات الاجتماعية أو الفضائح السياسية.

لكن يا حبّذا أثناء جرينا لقياس التاريخيّ وذي الأهمية والبارز الصارخ، ألا نغفل عن الأساسيّ: ذلك الشيء غيرُ المُحتملِ بحقٍّ، وذلك الشيء المرفوض قطعًا. على سبيل المثال: لا تكمن الفضيحة في انفجار المنجم؛ بل العمل في مناجم الفحم من الأساس.

بالمثل: ليست “المشاكل الاجتماعية” أمورًا “باعثة على القلق”، ذلك أن ما يبعث على القلق حقًا هو سبب تنظيم الإضراب أساسًا ألا وهو عدم قدرة العمّال على تحمّل العمل طوال اليوم دون قسط من الراحة، ثلاثمئة وخمس وستين يومًا في السنة.

نفس الشيء بالنسبة لأمواج المدّ والجزر، والانفجارات البركانية، والأبراج التي تنهار، وحرائق الغابات، والأنفاق التي تتداعى، وتلك الصيدلية في الشانزليزيه التي التهمتها ألسنة اللهب.

هي حوادث مريعة! فظيعة! وحشية! فضائحية! لكن أين الفضيحة؟ أين الفضيحة الحق؟ وما الذي فعلته الصحيفة عدا إخبارنا ألا نقلق، فهذه هي الحياة، تقول الصحيفة، هكذا تُوجد، تارةً جميلة وتارةً شنيعة، والحوادث تقع، كما ترى يا عزيزي القارئ!

إن الصحف اليومية تتحدث عن كل شيءٍ عدا اليوميّ. لذا تزعجني الصحف، لأنها لا تُعلّمني حرفًا. فما تحكيه الصحف لا يهمني، حيث لا يستثير فيّ أسئلة ولا يجيب عن الأسئلة التي أطرحها أو أودّ طرحها.

ما الذي يحدث حقًا؟، وما الذي نشهده؟، والباقي؟، هاتوا جميعَ الباقي، أين هو؟ كيف نجيب عن سؤال من مثل: صِفْ ما يحدث كل يوم ويتكرر كل يوم: تلك الأمور المبتذلة، المألوفة، الواضحة، الشائعة، العادية، المُغرقة في العادية، ما تحت المألوفة، التي تتوارى خلف الأمور البارزة، والمُعتادة؟

كيفَ نُسائل ما تعودنا عليه؟ هذا ما ينبغي فعله، لكننا لا نفعل لأننا ألِفنا ما اعتدناه؛ إننا لا نُسائل المُعتاد، ولا هو يسائلنا، لأنه لا يُمثِّل مشكلة إزائنا، إننا نعيشُه دون أن نفكر فيه، كما لو أنه لا يحمل داخله لا أسئلةً ولا أجوبة، وكما لو أنه فارغٌ كليًا من أي معلومات.

وهذه الحالة من لا مسائلة المُعتاد لم تعد حتى تكيُّفًا بل هي خُدار (فقدان للحسّ والوعي).

إننا نعيشُ حياتنا كأننا نغطّ في نومٍ بلا أحلام.

لكن أين حياتنا؟ أين جسدنا؟ أين فضائنا؟
كيف لنا أن نتحدث عن هذه “الأشياء المُعتادة”؟، وكيف نتعقبها عن عمدٍ بدل طردها من ساحة وعينا كلما طلّت علينا؟ كيف لنا أن ننتشلها من حمأة الوحل الذي هي فيه غارقةٌ، كيف لنا أن نمنحها معنىً، ولسانًا، وأن ندعها أخيرًا تتحدّث عن ذواتها وذواتنا؟

لعلّ ما نحتاجه بنهاية المطاف هو أن نؤسس أنثروبولوجيانا الخاصّة بنا، أنثروبولوجيا تتحدث عنا، أنثروبولوجيا تحثّنا على أن نمتح من أنفسنا ما لطالما كنا نسلبه من الآخرين.

أنثروبولوجيا لا تُعنى بالأحنبي والآخر والغريب والنائي، بل أنثروبولوجيا تُعنى بالداخليّ، المعتاد، العاديّ والمتجذّر في الألفة (endotic).

أنثروبولوجيا تحثّنا على مسائلة ما يبدو بديهيًا للغاية لدرجة أننا نسينا أصوله ومن أين ينبع.

أنثروبولوجيا ستجعلنا نحسّ من جديد بشيءٍ من الدهشة التي لربما الكاتب جول فيرن أو قرائه أحسوا بها عندما واجهوا جهازًا قادرًا على تخزين الأصوات البشرية ونقلها.

إن مثل هذه الأحاسيس من الدهشة والتعجّب، لموجودةٌ بالآلاف، بل وهي التي شكّلت كينوناتنا كبشر.

إن ما ينبغي علينا مسائلته هو الطوب، والخرسانة، والزجاج، وآداب المائدة، والمواعين، وأدواتنا، والأمور التي ننفق فيها أوقاتنا، وإيقاعات حياتنا.

ينبغي علينا مسائلة تلك الأشياء التي يبدو أنها توقفت وللأبد عن استثارة فضولنا وانشداهنا.

صحيحٌ أننا نحيا، صحيحٌ أننا نتنفس، صحيحٌ أننا نتمشى، ونفتح الأبواب، وننزلُ الأدراج، ونجلس للطاولات لتناول الطعام، ونستلقي على الفراش لننام. كيف؟ أين؟ متى؟ لماذا؟
صِفْ شارعك. صف شارعًا آخر. قارن بينهما.

قم بجرد جيوبك وسمِّ ما فيها، أُجرد حقيبتك. وسمِّ ما فيها. اسأل نفسك عن مصدر الشيء، واستخدامه، ومستقبل كل غرض من الأغراض تُخرجه من جيبك أو حقيبتك.

استنطق ملاعقك الصغيرة. ماذا يوجد خلف ورق حائط منزلك؟ كم عدد الحركات المطلوبة لكي تطلب رقمًا من الهاتف؟ لماذا؟

لماذا لا نجد السجائر تُباع في محلات البقالة؟ لمَ لا؟
لا يهمني كثيرًا إن بدت هذه الأسئلة متشظيةً، أو مجرد علامات على منهجٍ للتفكير، وفي أقصى صورها: مشروعًا فكريًّا.

ما يهمني أكثر هو أنه ينبغي لهذه الأسئلة أن تبدو تافهة وبلا جدوى: لأن مظهرها التافه واللامُجدي هو بالذات ما يجعلها جوهرية، إن لم تكن أكثر من ذلك حتى، تمامًا مثل أسئلتنا الوجودية الأخرى التي عبثًا نحاول استشفافَ حقائقنا منها.


ملاحظات ترجمية:

المصطلح ترجمتي المقترحة ومعناه
endoticهو عكس exotic وهو مصطلح جديد من ابتكار جورج بيريك، وبما أنك ستلاحظ أن بيريك سيتكلم عن الأنثروبولوجيا فيما بعد، فالمصطلح أنثروبولوجي بامتياز ويعني في أساسه الأشياء الآتية من مكان بعيد وحضارة غريبة أجنبية (غريبة وأجنبية عن التمدن الغربي طبعًا وإلا فإن قبائل الأمازون لا ترى نفسها غريبة) من هنا اجترح بيريك المصطلح ليعبر عن المألوف والعادي والذي تعودنا علينا لدرجة أننا لا نسأل عنه ولا نفكر فيه أساسًا. ولذلك اخترت له ترجمة: المتجذر في الألفة أو المُغرق في الاعتيادية.
L’Infra-ordinaire
وترجمته بـ”ما تحت المألوف” وهو مصطلح جديد أيضًا من ابتكار جورج بيريك، ويعني تلك الأمور الدنيوية اليومية العادية التي لا يأبه لها أحد فكأنها من كثرة بداهتها ولا غرابتها هي ليست مألوفة ومعتادة فحسب بل أدنى من ذلك في الألفة والاعتياد.

حقوق الصورة البارزة: Photo by Juja Han on Unsplash

رأي واحد حول “جورج بيريك يحثّك أن تستنطق الملاعق الصغيرة!

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s