حول قلق السعي للحصول على كل شيء

هذا الرجل لم يكتفِ قط من الحصول على المزيد، هل أنت مثله؟
هذا الرجل لم يكتفِ قط من الحصول على المزيد، هل أنت مثله؟

عندما يتعلّق الأمر بالسّعي وراء بلوغ ذروة الإنتاجية وتحقيق ما تريده، تكون الدعامة الأساسية التي تتولى قيادة ذلك هي أن إحراز أقل من “كل شيء” ليس كافيا البتة، فعندما لا تزال هناك إمكانية قنصِك لشيء ما، هناك في الخارج، سيصبح واجبك المقدس هو الحُصول عليه وجعله ملكك، كله. 

يعتبر هذا النوع من السّعي، دون شك، مبعثًا للتشويق عندما يوضع في قالب نابوليوني نبيل وعظيم، فلِما عليك التوقف عن التسبب في انبعاج بسيط للنسيج الكوني عندما يمكنك إحناؤه ككل؟ إن العظمة والجاه بانتظارِ كل من تسلّق الهرم ليتمكن من رُؤية الجميع تحته. 

أو هكذا على الأقل ما تُلقيه على مسامعنا فضائل الغزاة والقادة والرابحين؛ هذا ما يتم بيعه لنا على أنه “السبيل الأوحد” وطريقنا نحو فعل ما هو صائب وذو تأثير باق لا يزول. 

لكن الجدير بالذكر أن هذا النموذج ليس وحده القابل للاستعمال، ففي لحظة إدراكك بأن الرواية التي تُغَلف أفكارنا حول ريادة الأعمال ليست قانونا طبيعيا بل محض أنموذج، ستتمكن حينها فقط من فتح عينيك على وجود بدائل أخرى، أحدها أنموذج الاكتفاء

مفاهيم جميلة مثل: كبيرٌ كفاية وطموحٌ كفاية ومُثمر كفاية. 

لكن السؤال هنا يكمن في ما هو الحد الكافي الذي يمكننا بلوغه؟ حسنا، من الواضح أن هذا يعتمد على الكثير من العوامل، لكن ما هو أسهل من تعاملك مع هدف ما كشيء قبلي غير قابل للمناقشة هو أن تتقبل أنه بإمكانك تجاوزه. 

أنا هنا الآن، أقف عند الكفاية أو حتى يمكنني القول بأني أقف شمالها بدرجة معينة؛ تماما مثل التحرر من الظلمة نحو النور، تحتاج حواسك إلى التكيّف مع الوضع تماما. يحتاج أيضا طموحك للتوقف عن الدوران بشكل ذاتي وأن تتنبه معدتك حين امتلائها. 

الكفاية هي نقيض للجوع بحيث تتباين مع البارانويا وتُداوي القلق. 

لكن أهمية معرفة أنك قد اجتزت خط الكفاية تعادل كذلك أهمية إمكانيتك في مجاراة نتائجها. فإذا كان العمل يسري على أتم ما يرام فإن ذلك سيؤدي حتما إلى نموه ولا يمكن للنمو أن يحدث أبدا دون التسبب في تغيير ما لمستضيفه (بيئة العمل بكل ما فيها) فمن هو هذا الشخص الرجعي الذي لا يتقبل التغيير؟ إنه أمر حتمي! 

بِربك، لا شك أن التغيير جيد طبعا، لكن إمكانية أن يكون نقيض ذلك أيضا واردة وموجودة. وتكمن أحد أكثر التغييرات الشائعة التي تَطال ميادين العمل الآخذة في التوسع في كبر حجم الهُوّة بين أصحاب العمل والمُنْتَج والزبائن والموظفين. فكلّما قمت بتكديس طبقات تفويضية (أي أشخاص أو عوامل) للتّحكم في هذا التغيير، ابتعدتَ أكثر عن تحقيق ذلك. 

لا شك في أنّ بعض الأشخاص يُحبذون بالفعل القعود على مكاتبهم والقيادة وإعطاء الأوامر بعيدا عن خطوط الدفاع الأولى (أي الموظفون البسطاء). لكن لا يوجد أي شيء فاضل جوهريا في هذا الاختيار. 

فما أفضله شخصيًا هو أن تكون مسؤولا عاما بما يتطابق مع التقليد الروماني في الجيوش، والذي يقضي بأنك تكون أنت نفسك -حتى لو كنت جنرالًا- في خط الدفاع الأول. وأعلمُ أني لست الوحيد الذي يريد هذا. 

بهذا الصدد، تتمحور أحدُ أكثرِ القصص شيوعًا التي تتلى على مسامعي عندما أتحدث مع رواد الأعمال الناجحين حول “البدايات” أي عندما فَرضت عليهم الحاجة أن يكونوا جزءا مهما فيما يتعلق بتنفيذ المهام بأيديهم وعقولهم لا أن يكونوا مجرد مشرفين يُلقّنون المهام للآخرين أو ينقحون أفعالهم أو يأتون بالاستراتيجية الكاملة فقط ويعتمدون على الآخرين في التكتيك. 

لكن الافتراض الطاغي وراء جميع هذه القصص يكمن في أن تلك الأيام قد ولّت، ولا يمكن للأشياء أن تستمر على نفس الحال، فالثمن الحتمي للنجاح هو التخلي عن الارتباط المباشر بالعمل. 

لكن لماذا؟ لماذا يعتبر هذا أمرًا حتميًا بحيث لا يمكن تجنبه؟ 

تقضي أحدُ التفاسير التي تحاول شرح ذلك بأنه إذا لم تقم أنت بالسعي وراء تكبير نطاق عملك التجاري وأخذه إلى مستويات أخرى، فسيفعل شخص آخر ذلك وعندما يصل إلى ما لم تستطع الوصول إليه، سوف يهرول بسعيه خلف ما لك حق به ويقتطعه منك لا محالة. وبناء على هذا، عليك أن تدافع عن نفسك بالتِهام ما يُمكن لمعدة مجال عملك تحمله؛ عندها فقط ستكون بأمَان. 

قُل لشركات بلاكبيري أو نوكيا هذا: إن العمالقة دوما ما يتعثّرون ويسقطون. فما تخبرنا به القيم التقريبية لمؤشر S&P (مؤشر يضم أسهم أكبر 500 شركة مالية أمريكية من بنوك ومؤسسات مالية) هو أنه سيتم استبدال 75% منها (هذه الأسهم) بحلول سنة 2027. فالرفع من معدل مُستهلكي منتج صناعي محدد لن يحميك من النكبة بل سيوقعك في معظم الأحوال بين مخالِبها. حتى وإن لم يتسبب ذلك في القضاء على عملك مباشرة فإنه سوف يحوله إلى مجرد ظل لما كان عليه سابقا. 

إن أكثر المؤسسات والأعمال التي دامت لوقت لا بأس به من الزمن لم تكن الأنجح فالكثير منها لم يكن إلا عبارة عن مؤسسات مالية عائلية أو مشاريع تتراوح من كونها صغيرة إلى متوسطة رضت بتطوير مجالها بوتيرة ثابتة، راضية به كفاية. 

إن الكثير ليس بالضرورة مرادفا لما هو أفضل بل يمكنه أن يعني ما هو أكثر هشاشةّ؛ صحيح أنه يبدو صُلبًا من الخارج لكنه سريع الانكسار من الداخل، وأقصد بالهش أنه يحوي على مجازفات أكبر ومخاطر أكبر وسقطات حرة أطول تجرفك بعيدا عن مكانتك. 

هناك تفسير آخر أيضا وراء الهرولة الدائمة خلف التوسع والأخذ في تكبير نطاق العمل والذي مفاده بأن التوسع هو الواجب الائتماني الذي يقع على عاتق جميع الشركات كوسيلة لاستلال كل ما يمكن لها من أرباح في صالح أصحاب الأسهم. 

في هذا السياق، هناك أيضا احتمالية ألا يتحقق هذا الهدف باستعمال منهج التوسع قدر المستطاع، فقد جُعل التوسع أولوية لدى العديد من الشركات ووصلت إلى ذلك بالفعل، إلا أنها لم تتمكن من الحصول على أي أرباح بسبب اختفاء السّوق ككل أو بسبب أخطاء ذاتية أطاحت بها. 

سيتسبب أخذ الأرباح كل سنة في حماية المُلّاك من جعلهم آخر وأغبى من يشتري حصة قبل توقف القيمة عن النمو.  

سيعيدنا هذا إلى الإجابة عن سؤال ما الذي يجعل من التغير أمرا لا مفر منه؟ إذ أنه لن يضمن ديمومة العمل ولن يعدك بأي أرباح بالرغم من كونهما أهم ما يتمحور عليه اقتصاد العمل: التوسع وجني الأرباح! 

عندما ألقي نظرة على العمل الذي قمت ببنائه أنا وشريكي جايسون رفقة الموظفين في Basecamp، يمكنني بسهولة تحقيق متطلبات هذه المبادئ الاقتصادية إذ أننا لا نزال هنا ولا نزال نجني الكثير من الأرباح. 

ما يأخذني لصلب ما الذي يجعل من هذا السؤال مصدر توله بالنسبة لي يكمن في أني قد وصلت إلى مستوى تحقيق ذاتي اكتفائي مع تحقيقي لمتطلبات الربح والديمومة بشكل متوازي، فما الذي علي التخلي عنه حتى أواصل طريقي إلى التحصيل والتوسع؟ والإجابة هي: ليس الكثير. 

من منطلق تجريدي، من السّهل جدا عقلنة لما لا يزال علينا التوسع أكثر، ففي نهاية المطاف لم تصل Basecamp إلا إلى قيدِ أُنملة من السوق المرجو بلوغها، وهناك العديد من المؤسسات المالية التي يمكنها الاستفادة من توسع الشركة! 

لذلك من الأفضل أن يتم التعامل مع السؤال بإجراء مقايضات معينة مثل: هل أريد مضاعفة حجم العمل إذا تطلب مني ذلك القفز من 50 إلى 150 موظفًا؟ والجواب سيكون حتما لا. هل أريد رفعَ قيمة أرباح الشركة بنسبة 20% إذا تطلب مني الأمر إنفاق ملايين الدولارات للظهور على إعلانات منصات مثل فيسبوك؟ ومجددا، لا، لست بفاعل هذا. 

إن حرية الكفاية تعادل حرية قولك لا: لا للمتوقع ولا للمتعارف عليه ولا للبديهيات. هناك مستوى عميق يوصلنا إليه الشعور بالرضا أين لا يمكن لإغراءات المستقبل أن تصله. 

في النهاية، ما يحدد ما هو كافٍ بالنسبة لك يعود إليك؛ المغزى هنا أن تتمكن فقط من الجزم بأن نقطة الكفاية موجودة وبلوغها ممكن لكنها تقع تحت نقطة “الحصول على كل شيء”.

عن الكاتب

ديفيد هاينماير هانسّون
ديفيد هاينماير هانسّون

مبتكر إطار العمل روبي أون رايلز، الشريك المؤسس لشركة بيس كامب، مؤلف لجملة من الكتب الأكثر مبيعًا، وضيف بارز في عدة مدونات صوتية (بودكاست)، وسائق متمرس في سباقات السيارات حقق العديد من الانتصارات في المضمار، ورجلُ عائلة له ثلاثة أطفال.


رابط المقال الأصلي.

تُرجم المقال ونُشر بإذن كاتبه الأصلي: ديفيد هاينماير هانسّون.

نقل المقال للغة العربيةرقية بن زرقة

ظهرت النسخة العربية لهذا المقال لأول مرة على مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Tirza van Dijk on Unsplash

رأيان حول “حول قلق السعي للحصول على كل شيء

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s