كيف تصنع دخلًا سلبيًا لكن لروحك وليس لحسابك البنكي!

هذا هو الجزء الثاني من مقال: مفهوم الكفاية وضرورة تطبيقه في حياتك

الدخل الروحي السّلبي

 كانت مشاهدة فيلم نادي القتال Fight Club والاستماع لألبوم فرقة “سيغور روس” بعنوان بداية جديدة (Sigur Rós’ Ágætis byrjun) لأول مرة من أهم ما حدث لي سنة 1999؛ حينئذ كنتُ أعيش حياةً بطعم مختلف قليلا عما هو عليه الحال الآن. 

وللذين لا يعلمون، فإن فرقة سيغور روس هي فرقة أيسلندية سيبدو لك عند الاستماع لها بأنها تشبه لحنا ما يمكن لأصوات الحيتان أن تنتجه في خِضمّ أوركِسترا يقودها كومبيوتر، أجل، إنها مبهرة! قام توم يورك (العضو الرئيسي لفرقة الروك الإنجليزية راديو هيد) بذكر هذا الألبوم عند مناقشته للتغير الذي ميز لحن ألبومَيْ الفرقة OK Computer وKid A، ولأن هذه الفرقة كانت ولا تزال فرقتي المفضلة، فقد لفَت ألبوم بداية جديدة انتباهي، فاستمعت له كثيرا. 

أما فيلم Fight Club فهو عمل لا يتقادم بمرور الزمن لمخرِجه دافيد فينتشر، والذي ضم الممثل إدوارد نورتون وعضلات بطن براد بيت؛ اُستوحي الفيلم من كتاب خالدٍ لم تتأثر روعته بمرور الزمن هو الآخر للكاتب تشاك بولانيك، والذي يُقرأ الآن كدليل لغير المرتبطين الذين يقضون جل وقتهم في التذمر من وحدتهم بالرغم من أنهم سببها سُوء معاملتهم للمرأة. كان نادي القتال Fight Club فيلمي المفضل آنذاك واستمر في كونه كذلك لسنين تلت، حيث خضت محاولات عديدة انتهى بها الأمر بخسارة محتمة وذلك لِسعيي وراء نحو من هُن أفضل مني بكثير؛ حدث كل هذا وأنا بشهية عاطفية مفتوحة. 

على كل حال، وبدون الخوض في العديد من التفاصيل، كان هناك مشهد معين في الفيلم، أين تقوم الشخصية التي يتقمصها الممثل براد بيت؛ شخصية مصارع MMA بروح المسيح تدعى تايلور دوردون، بأخذ شخصية إد نورتون المغفلة والتي لا تسمية لها والتي يتضح أيضا فيما بعد أنها تايلور دوردون نفسه، في جولة تدريبية عن كيفية صنع الحساء باستخدام دهون الإنسان، وقبل أن تتسنى لك ملاحظة بأن المشهد يأخذ أبعادا مثلية لا تتناسب مع سيناريو الفيلم حيث يقوم براد بيت بتقبيل يد إِد ثمّ غمرها بمحلول البوتاسيوم (محلول عالِ التركيز) متسببا، نسبة إلى قاموس براد بيت اللامحدود الكلمات، “حروقا كيميائية”. 

من الممكن أن أكون قد جربتُ هذا الإحساس ويا له من شعور عظيم. 

كانت ردة فعل إِد كردة فعل أي شخص آخر لو كان مكانه: التلوي بقوة على الأرض من فرط الألم. يقومُ براد بإخباره في نفس الوقت أن عليه أن يجرب وكذا يتحمل هذا الألم لأن الحياة في مجملها عبارة عن “تجليات” لهذا الشعور أو شيئاً من هذا القبيل فقد مضى عليّ وقت لا بأس به دون مشاهدته، لكني لا أزال أتذكر جيدا المشهد الذي يليه أين يقول إِد بأنه قد فهم الأمر فينظر له براد ويرد عليه بصوت خافت ونبرة بطيئة: “لا، إن ما تشعر به هو استنارة غير ناضجة بعد”. 

نحن بحاجة إلى دخل سلبي يصب في صالح أرواحنا. 

يعتبر الدخل السلبي لغير المُلمين به ذلك المال الذي تقوم بجنيه دون تكبد عناء فعل ذلك بشكل مباشر والاستثمارات هي مثال جيد على ذلك. وقد التقيت مرةً بشخص استطاع جني الملايين من موقع يسمح للناس بتحميل ألعاب الفلاش، سيبدو لشخص يبلغ أقل من الخامسة والثلاثين أن ما أقوله لا يعدو عن كونه محض هراء لكني سأقسم لك الآن أن هذا كان بالفعل شيئا يمكنك القيام به في وقت ما مضى. إن الإغراء الذي يرافق الدخل سلبي واضحٌ للعيان؛ سوف تجني المال دون أي مجهود يُذكر. 

فلتعتبر الآن صحتك النفسية أو معدل رِضاك عن نفسك أو حياتك كقيمة معينة مثل التي نجدها في البنك. تقوم بعض الأشياء بزيادة هذه القيمة كما تقوم أشياء أخرى باستنزافها. إن إرضاء روحك طوال الوقت لا يمكن له أن يكون شغلك الشاغل، إذ لا يمكنك العمل على هذا في كل لحظة لأنك، وبفعل ذلك، ستضطر إلى استنزاف قيمتها كلما سارعت في الهرع إلى الزيادة. 

وهنا يأتي دور الدخل السلبي: 

يتجسد الدخل السلبي الروحي عندما تقوم بشيء يحتاج إلى بذل مجهود بسيط أو حتى دون تكبد عناء ذلك، لكنّه سيُحقق لك كمّا هائلا من الشعور بالرضا. يتطلب الحصول على هذا النوع من الدخل مبدآن أساسيان هما: 

  • التّكرار وإعادة فعل الشيء ذاته.  
  • غياب الأهداف. 

هناك شيء لا أكاد أن أصمت دون إعادة قصّه مجددا على مسامع الجميع وهو أني قمت باقتِناء أي پاد وبدأت بالرسم؛ اختلفت هذه المرة عن كل سابقاتها لسببين جوهريين، أحدهما أن الآي باد أعطاني ترخيصا بإعادة فعل نفس الشيء مراراً وتكرارا (لا ورق! لا تأنيب ضمير!) وثانيهما أنه لم يكن لدي أي هدف سعيت إلى بلوغه فيما يتعلق بنوع الرسوم التي أرسمها أو المستوى المتقدم الذي أريد الوصول إليه فيما يخص هذا النشاط. 

وكأيِّ نصيحة مصدرها صبي يبلغ من العمر اثنا عشرة عاما وهو يحاول اتقان القفز على لوح التزلج: “الممارسة والإعادة هي سبيلك الأوحد إلى التمكن من فعل شيء ما”، لكن غالبا يتمثل الهدف من القيام بكل هذا التكرار والإعادة في بلوغ غاية معينة، فما الذي أحاول قوله هنا؟ 

حسنا، إذا صادف وأن كنت تشبهني، فعلى الأغلب أنك جربت الكثير من الأمور لتحقيق نتيجة لطالما أردتها، وإذا كنت تشبهني أيضا مرة أخرى، فسيكون قيامك بذلك هو السبب الرئيسي في جعلك تستسلم راكعا. 

اتبعت حياتي نهجا يسهل توقعه، فأنا أبدأ في القيام بِنشاط ما لكن سرعان ما ينتهي بي المطاف إما بإدراك أنني لست مؤهلا “فطريا” للقيام به أو أنني لن أصل إلى المستوى الذي أردته، فأَستسلم. اشتملت حياتي أيضا على الكثير من جلسات العلاجِ النفسي. 

وكما أشرتُ قبل أسبوعين من الآن (في مقال الكفاية)، ساعدني هذا الوباء العالمي في الهرب من قبضة تلك الدوامة؛ ربما حدث ذلك لأن الاختيارات قد تقلصت حتى أبقى سجينا لها (يقصد هنا أن بقاؤه في المنزل قلل من الاختيارات الكثيرة في رغبته لتحقيق العديد من الأشياء التي لا يمكن تحقيقها إلا خارجَ المنزل)، ولرُبما اكتفائي بما أملك من خيارات كان أيضا سببا في ذلك. لكني أعتقد أن غياب الأهداف هو ما مكّنني، بشكل لا نهائي ورهيب، من إعادة القيام بنفس النشاطات.

 أنظر! فالحقل الذي أزرع فيه اهتمامي لن يعدو عن كونه أرضا جرداء بالنسبة لك. (مقولة للكاتب والفلوڨر الأمريكي هانك غرين من كتابه “شيء يدعو إلى الرّوعة” مفادها أنه لا يهتم بأي شيء).

لقد مكّنني غياب شغف معروف من القيام بأمر ما مراراً، حتى، وكنتيجة عشوائية للغاية، وجدت أنني مقتنع بمستوى المهارة التي طورتها. وهنا سيصِلك ما أريد قوله بصورته الكاملة، فعندما أريد تحقيق شيء ما الآن، أنا أقوم بفعله بشكل يدعو إلى القليل جدا من التفكير والتخطيط المسبق، لأني أكون مقتنعا حينها أن هناك حتما بعضًا من النتائج المرضية التي تنتظرني.

بهذا تكون أقرب بكثير من نيل ذلك الدخل السلبي دون حاجتك للانغماس فيه بذلك الكَمِّ الهائل.

سأُتابع الآن قيامي برسم ذلك التشبيه الاقتصادي المروع الذي ذكرته آنفا: إن هذا النوع من الدخل سيكون سببا في تنويع مهاراتك وما يمكنك القيام به من كتابة ورسم وطبخ وممارسة الرياضة والتصوير الفوتوغرافي، إلخ. إن هذا يُكسبني أرباحا سريعة داخل بَنْكي العقلي تضمن لي تكديس كنوز لأيام عديدة أين قرر العالم تفعيل خاصّية الفشل الذريع (أو على الأقل هذه نظرتي عنه الآن).

هل هذه هي الاستِنارة؟ أو نوع من أنواع الارتقاء الروحي؟ أنا حقا لا أعلم. ربما هي ليست كذلك لكن من سيُبالي على أي حال.

إذاً، وفي سبيل المراجعة المختصرة. خذ لك شيئا تحب القيام به وأعِد ممارسته كثيرا دون تسطير أي وجهة أو هدفٍ معين. ستُمكنك هذه الإعادة من بلوغ مستوى معين من إتقانه وكذا السماح لك بفعله بشكل يضمن لك رضا متواصل. إنها خطة محكمة! 

خطة لِدخل رُوحي سلبي.


رابط المقال الأصلي.

تُرجم المقال ونُشر بإذن كاتبه الأصلي: ثوم وونغ

نقل المقال للغة العربيةرقية بن زرقة

ظهرت النسخة العربية لهذا المقال لأول مرة على مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Andrew Ly on Unsplash

رأيان حول “كيف تصنع دخلًا سلبيًا لكن لروحك وليس لحسابك البنكي!

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s