شو الفايدة؟ أو لماذا نكبّد أنفسنا عناء صناعة المحتوى؟

كنت ساهرا لوقت متأخر منشغلا بالكتابة عندما أتت زوجتي إلى مكتبي وسألتني:

“لماذا تبني حديقة رقمية؟”

أقضي معظم وقتي في الكتابة خلال هذه الأيام. حيث أنشر عددًا من نشرتي البريدية كل أسبوع، وأكتب المقالات، وأغرد على تويتر يوميا. وفي يوم الأحد الماضي، أخذت خطوة أبعد من ذلك، فأطلقت حديقة افتراضية* لمشاركة المزيد من كتاباتي مع الجمهور. لقد أعربتُ لزوجتي عن شتى فوائد التعلم مع الجمهور، شاركتُ مراحل تقدمي، وتلقيت التقييمات المبكرة، وعلّمت الآخرين على طول الطريق. بدت مقتنعة، وذهبت للنوم. لكن سؤالها علق في ذهني، وقبل أن أنتبه للأمر، وجدت نفسي أتساءل: ما الذي يدفعني إلى بذل كل هذه الطاقة على حديقة افتراضية؟

وما الذي أسعى لتحقيقه عبر نشرتي البريدية الأسبوعية؟ 

هل مشاركة ما أتعلمه يستحق العناء حقا؟ حاولت أن أذكر نفسي بكل ما أخبرت به زوجتي للتو، لكن الأمر لم يفلح. تلك الحجج بدت معقولة فقط عندما حاولت إقناعها. أما إقناع نفسي فقد كان مسألة مختلفة. وفجأة أدركت الأمر، لقد كنت أحاول تقليد الآخرين.

إن الأشخاص الذي أحترمهم يشاركون كل شيء يفعلونه، لذا فكرت في فعل الشيء ذاته. وكلما فكرت في الموضوع، أدركت أن ذلك المنطق لم يكن جيدا بما فيه الكفاية.

لو كنت سأواصل العمل على مشاريع الكتابة، فعليّ إذن أن أجد دافعا أقوى يتوافق مع منطقي.

بحثا عن الإجابات، عدت إلى فيديو شاركته في آخر عدد من نشرتي البريدية، وهو عبارة عن ملخص لأفكار إليزابيث جيلبرت عن التعلم المشترك:

أحسست وكأنني أشاهده للمرة الأولى. تابعت الاستماع للمقابلة الكاملة– لقد أسرتني كلماتها. كان الوقت مناسبا لأفهمها.

والأهم من ذلك كله، أنها منحتني سببا للاستمرار. 

ألم الصمت

وأول فكرة أثرت فيّ حقا هي إدراك ثمن الامتناع عن المشاركة:  

“إن أية موهبة، أو حكمة، أو بصيرة، تكبتها بداخلك، تصبح ألما”.

عندما سمعت هذه العبارة للمرة الأولى، فكرت في كل تلك المشاريع التي لم تر النور. لقد حملتُ بعض تلك الأفكار معي لسنوات.

لم أفكر قط في عواقب حمل تلك الأفكار معي طوال الوقت. الأمر لا يتعلق فقط بالتخلي عن الأشياء، وإنما بإفساح المجال لما سيأتي. 

التوافق مع الواقع

تقول جيلبرت إن أجمل شيء في الإبداع هو “عملية الحلم” التي تحصل في مخيلتنا. وتشبّهها بنحت فراشةِ التورمالين (فراشة مصنوعة من الجواهر) في مخيلتنا. فهي جميلة ومرصعة بالجواهر، ومتلألئة تحت النور.

في مخيلتنا، جميع الأفكار مثالية، لكن عندما نحاول تجسيدها على أرض الواقع، قد تتحول إلى كابوس. وينطبق هذا على كل المحاولات الإبداعية. 

عندما تحاول تجسيدها للمرة الأولى، الأرجح أنها لن تبدو مثل فراشة. لذا تخبر نفسك أن الوقت لم يحن بعد، وتحتفظ بالفكرة لنفسك. وفي يوم ما قد تقرر مشاركة الفكرة. ثم تؤجلها. جميعنا ندور في هذه الحلقة. ونواصل إقناع أنفسنا بأننا غير جاهزين بصرف النظر عن أي مرحلة نصل إليها.

يعبر هيو لوري عن هذه النقطة خير تعبير فيقول: 

“إنه لشيء فظيع، في رأيي، أن تنتظر في الحياة إلى أن تصبح مستعدا. أشعر بأن لا أحد مستعد أبدا لأن يفعل أي شيء. بل بالكاد يوجد شيء اسمه الاستعداد. لا يوجد سوى الحاضر، ومن الأفضل أن تفعلها الآن. وبصفة عامة، الحاضر هو دوما الوقت المناسب”.

كلما طال انتظارنا، أصبحنا أكثر انفصالا عن الواقع. نختبئ في كهوفنا الإبداعية، ونحرم أعمالنا من التقييم الذي تحتاجه لتتحسن. علينا أن نشارك لنوثق صلتنا مع الآخرين ونتوافق مع الواقع. وإلا فإننا نخاطر بالوقوع في شبكة أوهامنا الذاتية.

ملاحقة الفضول 

لدي العديد من الاهتمامات المختلفة، كما تناولت العديد من المواضيع في كتاباتي. وهذا ما يعطيني العديد من الأفكار المتنوعة عما ينبغي كتابته، ويبقي الوضع مرحا.

تتعارض رؤيتي مع الآراء الشائعة عن كيفية النمو.

غالبا ما يُقترح أن تختار تخصصا واحدا، حتى يعرف جمهورك الشيء الذي يهمك. لا أظن أن هذه الرؤية تناسبني، لكن جزءا مني لا يزال قلقا بأنني “أفعلها بالطريقة الخاطئة”.

تقول جيلبرت إن الطريق الأمثل للتغلب على الخوف، يكون عبر تبني فضولنا. قد يستغرق مسارك الإبداعي عدة سنوات ليتكون. لكن ذلك سيكون أكبر عمل مستديم وهادف تنجزه. وكما تبيّن، فإن الطريق الأمثل لتبديد مخاوفي المتعلقة بالفضول، هو أن أظل فضوليا. أشعر أحيانا بأنني أسير في صحراء ملبدة بالغبار. راغبا في أن أعرف ماذا يوجد على الأفق. دون أن أعرف طريق الوصول إليه. هذا هو التحدي، وفيه تكمن فرصتي. ولكن الآن، كل ما أستطيع فعله هو مواصلة المسير.

الأمير الصغير لأنطوان دو سانت إكزوبيري


*الحدائق الافتراضية 

القصد من هذا الموقع أن يكون حديقة افتراضية لأفكاري وآرائي. الهدف من وراء الحدائق الافتراضية (المعروفة أيضا باسم الحدائق العقلية، أو مذكرات العمل) هو أن تشارك جزءا من ملاحظاتك الشخصية للعموم، في واجهة مرتبطة سياقيا. وهكذا يستطيع القراء أن يتصفحوا مداخل ومخارج أفكارك عبر الضغط على روابط للتنقل بينها.

وبالإضافة إلى ذلك، تحتوي كل ملاحظة على وصلات عودة لملاحظات أخرى تشير إليها. وهذا ما يفتح الباب على عدد هائل من الاحتمالات عن كيفية كتابة الملاحظات وإتاحة تصفحها.

إن الارتباط التشعبي ليس بالمفهوم الجديد، لكن مقاربةَ جمعِ الملاحظات المستدامة مع بعضها البعض وتقديمها على شكل أفكار معقدة عبر موقع ويب، هي تجربة نادرة. 

وبدلا من إتاحة كل ملاحظاتك للعموم، في وسعك أن تضع الملاحظات الموجودة في قمة اهتماماتك في الوقت الراهن، أو الملاحظات التي تحتاج إلى تقييم. يمكنك أن تلتمس تقييما لملاحظاتك مباشرة بعد كتابتها، وتستعمل الملاحظات المحسنة لبناء نواتج، مثل المقالات الطويلة.

وفضلا عن ذلك، ستصبح ملاحظات العمل أصولا قيّمة تساهم في عملك الرئيسي. على سبيل المثال، ما إن تنشر إحدى الملاحظات، وترى حوارا مهما على تويتر، شارك الرابط وحسب. في أسوأ الحالات لن يلاحظها أحد. وفي أحسن الحالات ستشعل شرارة حوار مثير للاهتمام. وقد يتصفح قارئ ما ملاحظات أخرى أيضا (وخاصة لأنها معروضة في سياقات).

 البديل هو أن تنتظر إلى أن تكتب مقالا مثاليا لكل فكرة معقدة تخطر بذهنك قبل أن تشاركها. لقد مررت بتلك التجربة، وفي حالتي، لم تر العديد من تلك الأفكار النور.

1. إذا كنت تبحث عن كيفية بناء حديقتك الافتراضية الخاصة، تفقد ملاحظتي على [[كيف بنيت حديقتي الافتراضية]]

2. أول مصدر للإلهام الحقيقي في موضوع الحدائق الافتراضية أتاني من ملاحظات العمل الخاصة بآندي ماتوسهاك، ثمة الكثير من الأشياء الرائعة هناك، ويمكنك أن ترى أنه بذل الكثير من الجهد عليها. لاحقا، رأيت مشاركة آنغوس ماكميلان واستعماله GatsbyJs، من جهتها شاركت آن لور لو كانف دليل بناء حديقة افتراضية باستعمال TiddlyWiki، كما شاركت ماجي آبلتون منشورا يتضمن العديد من الأمثلة.

رابط المقال الأصلي.

تُرجم المقال ونُشر بإذن كاتبه الأصلي: سلمان أنصاري.

نقل المقال للغة العربية: عبد الرزاق بلهاشمي.

ظهرت النسخة العربية لهذا المقال لأول مرة على مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Emiel Molenaar on Unsplash

4 آراء حول “شو الفايدة؟ أو لماذا نكبّد أنفسنا عناء صناعة المحتوى؟

  1. “إن أية موهبة، أو حكمة، أو بصيرة، تكبتها بداخلك، تصبح ألما”. من بداية ٢٠٢٠ و أنا اجتهد عشان أكون النقيض لهذي العبارة. و أعتقد حياتي تغيرت. أقصد إحساسي و نظرتي ناحية نفسي تغير. و الحياة مستمرة ما انتهت ولا صارت أي مصيبة لمجرد إني تكلمت و شاركت العالم بفكرة تدور في رأسي. اممم المفروض يكون هذا الشيء الطبيعي في الحياة.

    Liked by 1 person

  2. “أفعلها بالطريقة الخاطئة”
    إنه الكابوس المستمر ، أتمنى أن لا أكون كذلك .
    لم أبدأ بعد بنشر أفكاري و لا أدري لمَ !
    كل ما في الأمر أنني أشعر أحيانًا بسخافتها أو ربما أشعر بأنني سأندم فيما بعد على فعلها ، و حتى بالنسبة ليومياتي ، لم أكن يومًا أكتب عن اليوميات ، و لكنني أعرف بطريقة ما أنني أكتبها لأضيع الوقت فحسب و العذر : ” حتى أجد الوقت المناسب ”
    شكرًا لمشاركتك لنا هذه التدوينة التي ألهبت أسئلة كثيرة في رأسي ، و أيضًا أجابت عن الكثير .
    بالمناسبة دائمًا ما أقول شيئًا يشبه هذا لنفسي : كل ما أستطيع فعله هو مواصلة المسير ؛ كثير من الفضول ، إصرار على استمرار التحدي ، و الفرصة سانحة إنَّما تحتاج عين بصيرة نافدة ، لا بأس ببعض الإغفال أيضًا ، بعض الأفكار تكون مدمِّرة كثيرًا .

    ملحوظة متكرِّرة كإشارة لوجود مطب بجانب المطب : هناك عثرة صغيرة في الصورة ، أحيانًا يجب أن نقسم فضولنا بين معرفة الأفق ، و اكشاف خط المسير .
    تدوينة مذهلة ، شكرًا للإلهام .

    إعجاب

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s