هل تختفي الكتب الورقية في المستقبل القريب؟ الجواب المختصر: لا؛ المطوّل؟ اقرأ المقال 👇

مساء النور والسعادة والورق!

شاهدتُ ذات مرّة صورة -لم أجدها الآن- فيها أطفال يجدون كتابًا ورقيًا ملقىً على الأرض وطفل خائف منه يلمسه بعصا أو فرع شجرة ويسألون: ما هذا الشيء؟

آسف أعزائي المتشائمين هذا المستقبل لن يحدث أبدًا. إذ أن الكتب ستظل موجودة وتزداد بل وبقي بعضها وسيبقى لزمن أطول من عُمر مواقع ومؤسسات إعلامية رقمية.

اقترح عليَّ الأستاذ شريف عادل أن أكتب عن هذا الموضوع فبارك الله فيه؛ وهي مناسبة طيبة كذلك لتذكيركم بالاستماع لحلقتي مع الأستاذ شريف عادل: على الفنّان أن يضع غايته النبيلة نُصبَ عينيه: حوار مع الرسّام وطبيب الأسنان شريف عادل

لننقل سؤاله نصيًا هنا وأجيب عليه متوكلًا على الحي الذي لا يموت:

هل تختفي الكتب الورقية في المستقبل القريب؟

الجواب المختصر: لا. ونقصد كلّ المطبوعات وليس فقط الكتب الورقية يعني قطاع الطباعة بكلّيته بما في ذلك الجرائد الورقية.

في المقال لن نتناول فقط الكتب الورقية بل جميع المطبوعات. بما فيها الكتب الورقية.

الجواب المطوّل:

الكتاب الورقيّ وما يتبعه من منشورات لا زال حيًا يرزق وبخير، عربيًا وعالميًا.

المؤشرات العربية على صحة قطاع النشر الورقي

والمؤشر العربي على ذلك الدراسة القيّمة الرائعة التي أصدرها اتحاد الناشرين العرب شهر يونيو 2021م بعنوان النشر في الوطن العربي «2015م – 2019م» والتي أرسلها لي كاملة بصيغة بي دي إف معدّها الدكتور خالد عزب بارك الله فيه ونفع به. حمّلها أدناه إن شئت.

وأهم ما فيها من نتائج أن ارتفاع عدد دور النشر، وعدد المطبوعات الصادرة اتجاهٌ حقيقيّ موثّق بالأرقام. وقد تناولت الدراسة الكتب الورقية ولم تتناول الرقمية لفقدان البيانات المتعلقة بالأخيرة.

اتجاه نشر الكتب في صعود بحمد الله – إحصائيات 2015 حتى 2019 مصدر: اتحاد الناشرين العرب
اتجاه نشر الكتب في صعود بحمد الله – إحصائيات 2015 حتى 2019 مصدر: اتحاد الناشرين العرب

الرسم البياني أعلاه واضح في رؤية أن قطاع النشر الورقي في منحنى صعود، لكن ندعمه بهذا المقتطف من ذات الدراسة:

على الرغم من أن بعض الدول العربية تمر باضطرابات أو ظروف صعبة فإن الحراك الثقافي والنشر بها لم يتوقف، مثل حالة ليبيا، فقد نشر بها عام 2015م، 1008 كتب…على جانب آخر يستحق الصومال وقفة؛ لأنه تحدي [كذا بالأصل] كل الظروف حتى بلغ إنتاج الكتاب به عام 2018م، (2000) عنوان وهو رقم قياسي للصومال، كما تنشط به الآن العديد من دور النشر ويقدر عددها الآن بـ49 دار نشر. بينت الإحصائيات أن حجم السوق السعودي للنشر 4.5 مليار ريال سعودي، وأن نسبة الكتب المترجمة السعودية للعام 2018م وهي 18.16% من حجم المنشور في السعودية.
ومن الملاحظ تزايد حجم النشر الرقمي للكتب، لكن غياب أرقام الإيداع للكتاب الرقمي أفقدنا الحصول على أرقام دقيقة…

النشر في الوطن العربي «2015م – 2019م» تقديم محمد رشاد، إعداد د. خالد عزب، اتحاد الناشرين العرب ص 229 الطبعة الأولى: يونيو 2021م

طالع أيضًا…

اتحاد الناشرين العرب يُبشِّر: العرب نشروا أكثر من 70 ألف كتابٍ في عام 2019

واضح جدًا أن القدرات الاقتصادية للبلدان لا تعكس أبدًا اهتمام هذه البلدان بالنشر

المؤشرات العالمية على صحة قطاع النشر الورقي

وهنا سنتناول بعض المؤشرات منها مبيعات الكتب فنقرأ أنه هناك زيادة عن العام السابق.

احتفل كلٌّ من الناشرين وباعة الكتب بخبر أن مبيعات الكتب المطبوعة زادت بنسبة 9.1 بالمئة العام الماضي. وفق لمجلة ببليشرز ويكلي (تعليقي: وهي مجلة لا زالت تصدر حتى الآن وعمرها يتجاوز المئة والخمسين سنة بل في السنوات الأخيرة أصبحت لها نسخة عربية: مجلة الناشر الأسبوعي). حيث باع باعة الكتب 825.7 مليون نسخة ورقية من الكتب العام 2021. وهو ما يفوق 757.9 مليون نسخة ورقية بيعت العام 2020.

ميعات الكتب في ارتفاع والمقرؤية في انخفاض – يناير 2022 رابطة المؤلّفين [The Authors Guild] التغميق مني

ومن المؤشرات كذلك هذه الإحصائيات المُقارِنة بين الكتب الرقمية والورقية وتفوّق الثانية على الأولى:

عدد من يشترون الكتب الرقمية مقابل من يشترون الورقي. الورقي متفوّق - إحصائيات 2021 - مصدر: Statista
عدد من يشترون الكتب الرقمية مقابل من يشترون الورقي. الورقي متفوّق – إحصائيات 2021 – مصدر: Statista

والمؤشر الثالث الاتجاه الرائج على تيك توك المسمّى بوك توك (BOOKTOK) وألفِتُ عنايتكم أن كل منصة فيها هاشتاقات واتجاهات (ترندات) مشابهة بملايين -إن لم تكن مليارات- المشاهدات مثل بوكتيوب على يوتيوب وهو اتجاه لديه حتى صفحته الخاصّة به على ويكيبيديا.

📚 جذبت فيديوهات الهاشتاق #BOOKTOK على تيك توك والمتخصص في الكتب مُجتمعةً 14 مليار مشاهدة ونعم الرقم بالمليار. وجنت لدور النشر والكتّاب الكثير من المال وكما ستلاحظ معظم الكتب هناك الظاهرة في الفيديوهات ورقية. لاحظ أن تيك توك وذاك الهاشتاق الخاصّ بالكتب مكّن مؤلفة من جني أرباح طيبة من بيع كتبها الورقية، وأدخل كتبًا كانت مغمورة لقوائم الأكثر مبيعًا.

يمكنك الاكتفاء بهذه المؤشرات التي ذكرناها أعلاه. والتي تجيب على سؤالك إجابةً موثّقة بالأرقام لكن نكمل لغير الكتب الورقية من المطبوعات مثل الصحف الورقية والمجلات ونرى:

لا تصدّق حدسك أو تجربتك الشخصية إنما اُدرس الواقع أولًا ثم اُحكم

المتأمل في حال المطبوعات من كتب وجرائدَ ومجلات، سيلاحظ بالفعل تزلزل هذا القطاع بفعل الوقت الذي يقضيه الناس محدّقين في الشاشات. ومن الأخبار المؤسفة والمفزعة الحديثة عن إغلاق الجرائد المطبوعة والمجلات الورقية وتوقفها عن الصدور ما نقرأه في خبر حديثٍ عن الصحف الفرنسية المطبوعة في الجزائر:

الأسوأ من ذلك هو وضع الإعلام الفرانكوفوني في البلاد، فالمنشورات الصادرة باللغة الفرنسية لا تمثل سوى ثلث الصحف في الجزائر، وقد أخذت تختفي واحدة تلو الأخرى خلال السنوات العشرة الماضية. كما توقفت عدة منشورات مرموقة عن العمل بالفعل، مثل Algérie-Actualité وLa Tribune وLa Nation وLe Quotidien d’Algérie وLe Matin. وآخرها صحيفة Liberté اليومية، التي طبعت آخر نسخة لها يوم 14 إبريل/نيسان 2022 بعد مسيرة استمرت 30 سنة…

الضغوط التي تواجه الإعلام الفرانكوفوني في الجزائر – نور الدين بسادي [شبكة الصحفيين الدوليين]

طالع أيضًا…

جرائد وصحف.. في هذا العصر؟ من يريد مطالعتها؟ (هناك من يريد بالفعل!)

حُدّثت هذه اليومية بتاريخ 1 يناير 2020م هذه اليومية برعاية المصمم: رفيق تكاري، شكرًا جزيلًا له. مستجدات: وثّقت حسابي في كلّ من خمسات ومستقل. بما أني أستخدمهما بانتظام فهذه الخطوة مهمة بنظري. كيف توثق حسابك؟ إليك الرابط. تريد التعاون معًا؟ تفقد هذه الصفحة: اُطلب خدماتي. 2. اتصل بي الكاتب الأستاذ عبدالغفور ديدي، وأخبرني أنهم أطلقوا … متابعة القراءة جرائد وصحف.. في هذا العصر؟ من يريد مطالعتها؟ (هناك من يريد بالفعل!)

مع ذلك لو اتبعت مشاعركَ ولم ترصد الأرقام سيكون انطباعك الشخصي أن المطبوع سيختفي وينهار يعتّم رؤيتك عن رؤية الواقع كما هو.

صحيح أن هذا القطاع -أي قطاع المطبوعات بالكتب بالمجلات بالجرائد وكل ما يُطبع- يتلقى ضربات مثلما تتلقى بتكوين ضربات الاقتصاد ومزاج السوق المتقلّب دومًا، لكنه بتقديري سيكون على ما يرام بل وسيزدهر مستقبلًا.

وهذا التوقّع مني ليس محض تفاؤل بل مبني على مؤشرات تؤكد هذا الاتجاه.

لنأخذ مثلًا أحدث مثال عمليّ على المجلات. هناك مجلة متخصصة في القهوة اسمها ستاندارت Standart ولا تتحدث إلا عن القهوة (وفي أحد أعدادها مقال بالعربية عن القهوة اليمنية) وهناك في موقع المراجعات ترست بيلوت (Trustpilot) 1,145 مراجعة عنها وأقلّ سعر للاشتراك بها 29 دولار كل 3 شهور مما يعني بحساب بسيط أنهم يحققون على الأقل 33205 دولار كل 3 شهور. وهم يجنون أكثر لأنهم يبيعون القهوة كذلك مع المجلة.

📚 طالع أيضًا بهذا الصدد: هل حقًا فقدت المكتبات دورها في عصر جوجل؟ [مكتبة قطر الوطنية]

ليست ستاندارت هي المجلة الوحيدة المزدهرة لحدٍ بعيد -والمستقلة كذلك- بل هناك مجلّة أوف سكرين Offscreen Magazine التي أنشأها وأدارها من سنوات المصمم كاي براخ (Kai Brach) ثم باعها لشخص آخر لا زال يديرها وينشر أعدادها حتى الآن.

لنأخذ مثالًا آخر هو اليوتيوبر وصانع الأفلام فان نايشتات (Van Neistat) الذي أصدر أول عدد من مجلته من نوع مجلات الهواة (Zine) احتفالًا ببلوغ حسابه على باتريون ألف مشترك.
يستكشف عدد المجلة مجال صناعة الأفلام وإنتاجها ويجيب على سؤال ما إن كان ينبغي على قرّائها أن يجرّبوا كسب قوتهم من الفنّ أو لا. وقد أحدث إصدار المجلة زيادة في عدد الداعمين على باتريون حيث تضاعفوا في 4 أيام بعد صدورها ما يعني جنيه أكثر من 10 آلاف دولار بالشهر. وهو ليس الوحيد الذي يبيع مجلات مطبوعة ناجحة على باتريون.

لا تنسى أيضًا أن ترى المطبوعات الناجحة على موقع التمويل الجماعي كيك ستارتر (Kickstarter Reads)، والنجاح الساحق للروائي كاتب الفنتازيا براندون ساندرسون (Brandon Sanderson) الذي سيصدر رباعية ورقية حيث دعمه الناس حتى الآن بأكثر من 41 مليون دولار! ونعم سيصدر الكتبَ ورقية ومطبوعة إلى جانب صيغ أخرى رقمية وصوتية.

والأمثلة الأخرى كثيرة. في هذا السياق وفي عدد حديث عنوانه إن بنيتَ على الإنترنت فأنت تبني على الرمال: حديث عن لا ديمومة الويب والمشاكل المنبثقة عنها من النشرة المتخصصة في الإعلام بأنواعه Medialyte يصرّح مارك شتنبرغ (Mark Stenberg) أن المطبوعات لن تموت.

كذلك نقرأ أن 90 بالمئة من الشباب يقرأون المجلات المطبوعة، ومعظمهم لا زال يحبّ المطبوعات. وهذا وفق تقرير من كتاب الحقائق 2021 الذي أصدرته إم بي إيه مَغزين ميديا.
وتنصحك مؤسسة ذا تِلت تعليقًا على هذه الإحصائية أنه ومع أن المطبوعات مُكلّفة أكثر لك بصفتك صانع محتوى، إلا أنه لا نوصيك بصرف النظر عن القطاع لمجرد أنك تستهدف جمهورًا صغير السنِّ. تعليقي: راجع أعلاه إحصائيات المنصة التي يحبها جيل زد الصغير السنّ “تيك توك” بشأن هاشتاق بوك توك.

 كما نقرأ في توقعات قطاع الصحافة للعام 2022 من قِبل الخبراء:

إننا نشهد بالفعل عودة للمطبوعات، لكن ليس على الوجه الذي تتصوره.
و في عام 2022 سنشهد صدور المزيد من مجلات المجتمعات التي تُطلق بصفتها سبيلًا فعّالا يجعل الأخبار أيسر من ناحية الوصول لها، ويعطي الفرصة لتقول الأصوات المتنوعة الأخرى كلمتها، ويساعدنا على التعاون مع المجتمعات لإنتاج الأخبار: ليس الناشرين لوحدهم فقط بل إنتاجها معًا بتعاون من قِبل الجميع

توقعات قطاع الصحافة للعام 2022 من قبل الخبراء عبر أحد أعداد النشرة البريدية Sentiers

🧠 هناك أيضًا سبب علميّ تسويقي نفعي من الإعلانات المطبوعة هو أن الناس تتذكرها أكثر من الإعلانات المعروضة على الشاشات.

انتهى المقال بحمد الله، إن أعجبك شاركه ولك أجر؛ أو شاركه واشترك في رديف ولك أجران.

جديد المترجمة إكرام صغيري محاكمات غريبة للحيوانات في العصور الوسطى [مدونة إكرام صغيري]

أعجبك ما أصنعه من محتوى؟ تواصل معي الآن عبر واتساب. اضغط على الزرّ الأخضر


يونس يسأل: ما آخر كتاب ورقي اشتريته؟


حقوق الصورة البارزة: Photo by Ed Robertson on Unsplash

رأيان حول “هل تختفي الكتب الورقية في المستقبل القريب؟ الجواب المختصر: لا؛ المطوّل؟ اقرأ المقال 👇

  1. آخر كُتب ورقية اشتريتها لابني الممتحن للجامعة كُتب امتحانات سنوات ماضية لمادتي التربية اﻹسلامية والفيزياء
    الكُتب المدرسية المطبوعة تشكل جزء كبير ومهم ومستمر، وتشكل في كل بيت جزء مهم من المكتبة يُستفاد منها لعدة أعوام في بيت به عدد من اﻷطفال
    كذلك فإنه يحدث تناقل لها بين اﻷسر لتقليل تكلفة شراء كُتب جديدة لكل أسرة
    وهي أفضل وسيلة وأرخص طريقة للتدريس في المدارس مع زيادة السكان وتدهور الأوضاع الاقتصادية عالمياً، فلا نتوقع أن تُنافسها الكتب الالكترونية المكلفة

    Liked by 1 person

  2. مقال جميل.. بالأرقام والمعطيات.. مع أنني أظن أن التنبؤ بالمستقبل البعيد صعب..
    وبالمناسبة، أكثر الأشياء اختفاء هي الأمور التقنية الحديثة عندما تأتي أخرى أحسن منها!

    آخر مجموعة كتب اشتريتها كانت مجموعة كتب للشاعر البردوني، ورواية صاحب الظل الطويل، وكتاب Hooked. كان ذلك في أحد معارض الكتاب المتواضعة..

    Liked by 1 person

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s