حسين تقي سنبلّي يُصرِّح «لا سبيل لإتقان الترجمة إلَّا بالممارسة والمران»

مساؤكم سعيد، ومفعم بالأمل والسكينة، ضمن سلسلة الحوارات النصية التي أجريها، أجريت بفضل الله هذا الحوار النصيّ مع الأستاذ حسين تقي سنبلّي. ودون إطالة لنطالع الحوار:

عرّفنا بنفسك أستاذ حسين، ماذا درست وما هي أبرز محطات مسيرتك المهنية؟

اسمي: حسين تقي سنبلّي، من سورية (مدينة حمص)، ولدتُ في سنة 1971. تخرجتُ في جامعة البعث قسم اللغة الإنكليزية في سنة 1994، ثمَّ درستُ الترجمة والترجمة الفورية في جامعة البعث أيضاً (برنامج التعليم)، وتخرجتُ فيها في سنة 2009. عضو في اتحاد الكتاب العرب (جمعية الترجمة)، وعضو في الجمعية التاريخية في حمص. بدأتُ عملي في مجال التأليف والترجمة منذ ما يُقارب من عشرين سنة، ولكن أولى أعمالي لم تكن في الترجمة بل كانت في صناعة القواميس المدرسية، وكتب القواعد، وأصدرتُ منها عدداُ لا بأس به، ولعلَّ ذلك هو الَّذي صقل لغتي وحسَّنها، إذْ كنتُ أرجع مراراً وتكراراً إلى المراجع الَّتي أمتلكها لأضع للطالب المعلومة الصحيحة. ثمَّ جاءت الساعة الَّتي توَّجت أعمالي آنذاك، وهو صدور أول كتابٍ لي في مجال الترجمة، وهو كتاب: (أتقن فن الترجمة) الَّذي صدر عن دار الإرشاد للنشر. وهكذا تتابعت الأعمال الواد تلو الآخر.

كيف أثّرت الجائحة على عملك؟

إن أكبر جائحةٍ أثَّرت في عملي هي الكارثة الَّتي حلَّت بسورية منذ ما يزيد عن عشر سنوات، فقد أجبرت معظم الناس آنذاك أن يلزموا بيوتهم، وكنتُ واحداً منهم، فنزعتُ إلى الترجمة هرباً من واقعٍ مؤلمٍ، فكانت القصص، والروايات، والمسرحيات ملاذي الَّذي خفَّف عني وسكَّن روحي. ومن ثمَّ جاءت جائحة الكورونا، فزادت من بقائي في بيتي – وأنا بالمناسبة رجلٌ من طبعه حب البقاء في البيت، ولا أخرج إلَّا نادراً – فكنتُ أزجي فراغي بالترجمة. لذا، فإن الجائحة الأخيرة كان لها تأثيراً حسناً في نفسي وليس سيئاً.

ما هو أول نصّ ترجمته؟ متى وما هي قصته؟

أول نص ترجمته كانت رواية اشتريتها بسعرٍ رخيصٍ منذ سنوات خدمتي العسكرية، غير أنها لم تُنشر إلَّا بعد سنين عديدة من ترجمتها، وهي رواية: (حقائق الحب) لروبرتا لي. أمَّا الترجمة الَّتي أفتخر بها وجعلت لي اسمٌ يؤبه له هي مسرحية: (الدكتور جوناثان) للأمريكي ونستون تشرتشل، والَّتي أصدرتها سلسلة مسرحياتٍ عالميةٍ، التابعة للمجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب في الكويت. والَّذي شجَّعني على ترجمتها في سنة 2010 ، كان أستاذي وأخي الأكبر (خليل توفيق موسى) المستشار عند دار الإرشاد، ولكنها لم تُنشر إلَّا في سنة 2013. أمَّا كيف حصل ذلك، فأرى أنه توفيق من الله، فبينما كنتُ أتصفح موقعاً للكتب المجانية في الإنترنت، إذ صادفتُ كاتباً اسمه: ونستون تشرتشل، فظننته أول وهلة ذاك السياسي المحنك رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، فلمَّا دققتُ النظر في الموقع، وجدتُ أنه مؤلف أميركي له الاسم نفسه، ويتقاربان في تواريخ الميلاد والوفاة، وفي الهوايات، والأنشطة، والسياسة.. وهكذا، وجدتُ في نفسي الرغبة الملّحة على تحميل الملف، ومن ثمَّ ترجمته، وكان ما كان.

كيف تمكنت من ترجمة 70 كتاب من الإنجليزية للعربية مع صعوبة مثل هكذا مهمة؟

كما أسلفتُ يا سيدي، عشر سنوات أو ما يزيد من الحرب، ومن ثمَّ سنتين من جائحة الكورونا، وأنا لا عمل لي سوى الترجمة.. أنتهي من رواية فأبدأ بقصة، وأنتهي منها، فأبدأ بمسرحية، ومن ثمَّ أعود إلى الرواية. ولكنني أود أن ألفت انتباهكَ إلى أن كتبي ليست جميعها ترجمات، فإني لي كتباً في مجال الترجمة (أتقن فن الترجمة، وصناعة الترجمة، وأوهام المترجمين…)، وكتباً في اللياقة البدنية والرياضة (كيف نبني أجسامنا، والرشاقة أولاً)، وعدداً من القواميس والمعاجم وعددها لا بأس به. أمَّا الباقي فترجمات.

حسين تقي سنبلّي – نُشرت الصورة بإذنه

صدر لك حديثًا كتاب أتقن فن الترجمة – طرائق الترجمة الصحيحة في اللغة الانكليزية، كيف يقتنيه طلبة الترجمة العرب؟ وما هي نصائحك للمبتدئين في مجال الترجمة؟

بالنسبة إلى كتاب: (أتقن فن الترجمة) فهو ليس جديداً، بل هو أول محاولاتي في التأليف كما قلتُ أعلاه، ولكن الكتاب بفضل الله عزَّ وجلَّ لاقى قبولاً جيداً بين الطلَّاب، والمترجمين، والأخصائيين، فرشَّحوه على أنه من الكتب الموصى بها في تعلّم فن الترجمة، وطلبه طلَّابٌ من الإمارات، والجزائر، والعراق (المترجم العراقي سرمد عقيل يتحدث عنه في اليوتيوب)، ولبنان، ولاقى نجاحاً في سورية، لأنه كان المرجع الوحيد كما أظن الَّذي يتحدث عن تعلّم الترجمة على أنها فن. غير أن الأستاذ الأديب والمترجم عيسى اسماعيل أراد أن يشهر الكتاب بعد أن مضى على صدوره سنوات، ليعرّف الطلَّاب إليه مرةً ثانيةً، فنشره في جريدة العروبة الإلكترونية مؤخراً، فله جزيل الشكر على هذه البادرة اللطيفة. أمَّا نصيحتي لطلَّاب الترجمة – إن كنتُ ناصحاً – فهي الدأب على قراءة الأدب العربي الفصيح، وعلى ممارسة فنون الكتاب، سواء أكانت أدبيةً أمْ فنيةً، والقراءة في معاجم الأخطاء الشائعة وكتبها، فهذا هو الطريق الوحيد الَّذي أعرفه لإتقان الترجمة، وهو طريق اتبعته بنفسي، فوصلتُ إلى ما وصلتُ إليه، والحمد لله!!

من أفضل من ترجم أعمال شكسبير من العرب برأيك؟

إن أفضل من ترجم مسرحيات شكسبير في رأي كثيرين ولستُ أنا فحسب، هما: جبرا إبراهيم جبرا، وخليل مطران. غير أن ما يُؤخذ على الأول – ولستُ أنا القائل – أن لغته الثقيلة لا تناسب العرض على المسرح، لأنهم يقولون إن المسرحية إنما كتبت لتُمثَّل على الخشبة، لا لأن تبقى في الكتب. أمَّا بالنسبة إلى مطران، فإن أول ما يؤاخذ عليه أن ترجم عن لغةٍ وسيطةٍ هي الفرنسية، وهذا أمرٌ لا أراه عيباً إن قدَّم لنا المترجم نصاً جميلاً في لغته وأسلوبه، وأذكركَ يا سيدي بالمترجم القدير (سامي الدروبي) رحمه الله! الَّذي أفاخر بأنني من مدينته (حمص)، فقد نقل روائع ديوستوفيكي، وتولستوي، ولورمنتوف، وغيرهم عن الفرنسية، لا عن الروسية مباشرة. ثمَّ أن المأخذ الثاني على مطران أنه تصرف ببعض ما ترجم من المسرحيات، فتراه قدَّم فصولاً على فصول، وأخَّر فصولاً. ولا ننسى المترجم القدير (محمد عناني) رحمه الله أيضاً، فهو مترجمٌ له باعٌ في الترجمة لا يستهان به، وصاحب مؤلَّفاتٍ جليلةٍ عن الترجمة.

ما أحبّ الكتب التي ترجمتها إليك؟ ما هي قصتك معه؟

ترجمتُ في أجناسٍ أدبيةٍ مختلفة؛ فقد ترجمتُ المسرحيات والمسرحيات من فصلٍ واحدٍ الَّتي تُنشر لي من حينٍ لآخر (والمسرحية أسهل الأجناس الأدبية في الترجمة كما أرى)، وترجمت القصص على اختلاف مؤلِّفيها، وكذلك الرواية. ولكنني أرى متعتي في ترجمة قصص الخيال العلمي، فإني أجدُ نفسي أتهالك على ترجمتها حتَّى أعرف ما الَّذي سيحصل بعد ذلك، مع أنها ليست بالسهلة، إذ تكثر فيها الأوصاف والتشابيه الصعبة، ولكنني أستمتع بها استمتاعاً كبيراً.

احكِ لنا مواقف طريفة حصلت لك أثناء ترجمة الكتب

لا أذكر أنه حصل لي أيّ موقفٍ طريف وأنا أترجم، لكنني أذكر تمام التذكر ما حصل لي منذ سنين عديدة بيني وبين صديق لي، وكان يمازحني، لكن مزاحه أثر في نفسي ودفعني إلى أن أحكم على نفسي بأشهرٍ عديدةٍ من القراءة والكتابة الدؤوبين. قال لي ممازحاً: “وأين أنتَ من طه حسين!؟”، وكنا نتحدث حينذاك عن التشابه في اسمي وكنيته: (حسين سنبلّي) و(طه حسين)، وأعلم في قرارة نفسي أنه لم يكن يقصد الإهانة، لكنها كانت كالسيف الَّذي هوى على رقبتي.

ما هي رؤيتك لقطاع الترجمة في الوطن العربي ككل؟ وماذا نفعل كي ننهض بهذا القطاع؟

لا أستطيع أن أجيبك عن هذا السؤال إجابةً مرضيةً، ولكنني مستبشرٌ.. أجل، إني مستبشر بأصحاب دور نشر القدامى، وبجيلٍ جديدٍ صاعدٍ منهم، دأبوا جميعاً على نشر الكتاب مع ما يواجهونه من صعوبات وتكاليف مادية، وخصوصاً في الآونة الأخيرة. وأرى أن هناك إقبالاً على إعادة ترجمة الأدب العالمي الَّذي تُرجم غير مرةٍ، ولعلَّ سبب ذلك رغبة أصحاب تلك الدور بتقديم ترجماتٍ حديثة على أيدي مترجمين جدد، ليقدموا للقارئ ذاك الأدب الرفيع الَّذي نُسي أو يكاد.

حسين تقي سنبلّي – نُشرت الصورة بإذنه

نصائحك الختامية لخريجي وخريجات أقسام اللغة والترجمة في الوطن العربي؟ كيف يبدأون مسيرة مهنية ممتازة وكيف يصنعون اسمًا لهم في عالم الترجمة؟

لا سبيل لإتقان الترجمة إلَّا بالممارسة والمران، فهي إن شئتَ صناعة، أو حرفة، أو هواية، ولا يمكن لصاحبها أن يبرع في عمله ما لم يتقن أساليبها المختلفة، وأن يُقرن القراءة الدؤوب بالمران.. الترجمة في نظري مثل السباحة، والرسم، والنحت، ومثل باقي المهن اليدوية. أليست هناك كتبٌ في تعليم السباحة، أو النحت، أو الرسم؟ ولكن، هل يكفي أن يقرأ المرء كتاباً في الرسم فيصبح رساماً؟ اقرأ في سيرة حياة دافنشي، تجده جدَّ، وثابر، وقضى ساعاتً طويلة في الرسم، حتَّى أنه زار المقابر ليعرف موضع كلّ عضلةٍ في جسم الإنسان، فوصل إلى ما وصل إليه.. أصحاب الصناعة والمهن يعرفون المقولة: “أعطِ مهنتكَ حتَّى تعطيكَ”، وأنا أقول لطلَّاب الترجمة: “أعطوا الترجمة ما في جعبتكم، تعطكم وتجود عليكم”، ولكل مجتهدٍ نصيبٍ، وكله بيد الله سبحانه.

للتواصل مع الأستاذ حسين وطلب خدماته في الترجمة راسله على البريد التالي hussainabomale@gmail.com‏

أعجبك ما أصنعُه من محتوى؟ تواصل معي الآن: اضغط الزرّ الأخضر.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Abd almonim on Unsplash

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s