كيف تدوِّن ملاحظاتً ذكيةً وفق منهج زيتلكاستن؟

إن الاختبار الحقيقي لنظامٍ ذو إنتاجية عالية التأثير هو قدرة تنفيذه على الورق. يمكننا أن ننسب بعضًا من شهرة ونجاح طريقتي “إنجاز الأعمال” و”الدفتر المُنقط” لدافيد آلن إلى أصولهما التماثلية. لذا تخيّل الدوار الذي أصابني وأنا أكتشف نظام تدوين ملاحظات مبني على البطاقات المفهرسة يدعى منهج زيتلكاستن.

لا تدع هذه الكلمة ملتوية النطق تخيفك، فالأمر يتعلق بمقاربة بسيطة تتمثل في تدوين ملاحظات ذكية بناءً على مبدأ الأفكار المترابطة. لقد شرعت في تعلّم مبادئ زيتلكاستن من خلال مصدرين رئيسيين هما: 

كتاب كيف تدون ملاحظات ذكية لسونكي آهرنز، وقناة  Shu Omi على يوتيوب.

أصل زيتلكاستن

طوَّر عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لوهمان هذا المنهج في الستينات. كان لوهمان ابن صانع بيرة، وانخرط في ممارسة مهنة المحاماة، لكنه شعر بالملل من طبيعة هذا العمل المكتبي. ووفقًا لآهرنز، كان يرجع من العمل إلى المنزل ليمارس هوايته المفضلة: القراءة ومتابعة اهتماماته المختلفة في الفلسفة والنظرية التنظيمية وعلم الاجتماع.

وقتئذٍ أخذ لوهمان ينظّم ملاحظاته على بطاقات مُفهرسة ويضعها بداخل صندوقٍ انزلاقي (لفظة زيتل تُترجم إلى انزلاق وكاستن إلى صندوق)، ومن هذا المنطلق تطوَّر نظامٌ خاص، أتاح هذا النظام للوهمان بتجميع معلوماته وإنشاء روابط متعددة الاختصاصات. ووفقًا لصفحة لوهمان التعريفية على ويكيبيديا، نتج عن هذا النظام غزارةٌ وتنوعٌ في الإنتاج:

 كتب لوهمان أكثر من سبعين كتابًا وما يقارب أربعمائة مقالة علمية نُشرت في مختلف المجالات، منها القانون والاقتصاد والسياسة والفن والدين والحب وعلم البيئة ووسائل الإعلام.

وعلاوة على ذلك، لم يشعر لوهمان بالاستنزاف والمشقة بل شعر بالسهولة والاسترسال في عمليته الإبداعية، وصرّح قائلًا: 

لا أنجز إلا الأعمال السهلة، ولا أكتب إلا عندما تكون لديَّ فكرة واضحة عما أكتبه. وإذا  تعثرتُ لوهلة، فإنني أضع جانبًا ما كنت أفعله وأفعل شيئًا آخر.

وهذا يدلّ على أن لوهمان لم يكن مضطرًا للاعتماد  على مخزونٍ من قوة الإرادة. وبدلا عن ذلك كان نجاحه:

نتيجةً لبيئة عمل ذكية تتجنب الصعوبات في المقام الأول. فبدلًا من مقاومة العوامل الديناميكية المختلفة، تفادى لوهمان المقاومة ببراعة مثل أبطال الجيدو. لكن الأمر لا ينحصر على امتلاك العقلية المناسبة وحسب، بل وضبط انسياب العمل كذلك. 

كيف تُطبِّق منهج زيتلكاستن في تدوين الملاحظات؟

إنّ تدوين الملاحظات حسب منهج زيتلكاستن عملية واضحةٌ وصريحة (ولا تهم الأدوات المستعملة)، لكنها تتطلب تغيير سلوكك (أي كيفية تدوينك للملاحظات)

قسّم لوهمان العملية حسب ثلاثة أنواع من الملاحظات هي:

  1. الملاحظات السريعة
  2. الملاحظات الأدبية
  3. الملاحظات الدائمة

النوع الأول: الملاحظات السريعة

بلغة الانتاجية، ليست هذه العملية إلا عملية تدوين سريعة للملاحظات على تطبيقك المفضل. (على فكرة، أعجبي تطبيق Drafts وهو حل بديل لمشكلة عدم توفر تطبيق Roam على الجوال، وبديل عن تطبيق Notion البطيء نوعًا ما).

النوع الثاني: الملاحظات الأدبية 

لا بدّ أن تتعامل مع الملاحظات الأدبية بنفس طريقة تصدير ملاحظاتك من تطبيق كيندل إلى تطبيق خاص بالملاحظات، مثل EverNote، وNotion، وRoam. لكن التشابهات تنتهي هنا، وبينما تتيح مقاربة التصدير عبر النسخ واللصق قابلية البحث عن الملاحظات، فإنها تضفي الكثير من الفوضى إلى سير عملك، فتنقص احتمالية عثورك على أشياء مفيدة. ولحلّ هذه المشكلة يقترح آهرنز: 

أبقِ الملاحظات قصيرة وانتقائية واستعمل مصطلحاتك الخاصة (عبّر عنها بأسلوبك). كن في غاية الانتقائية عندما يتعلق الأمر بالاقتباس، لا تنسخ الاقتباسات وتُغفِل خطوة فهم معناها.

للأسف، هنا يتعطل نظام تدوين الملاحظات الخاص بي. إذ أنني لم أتكبد قط عناء إعادة كتابة ما قرأته لأتأكد من أنني أفهمه حقًا.

النوع الثالث: الملاحظات الدائمة 

هنا يحدث كل السحر، وهذا ما يعنيه سنوب دوغ بعبارة ستيكي-إيكي-أو-وي! في هذه الخطوة تُراجع كل ملاحظة أدبية وتفكر في مدى ارتباطها ببحثك أو تفكيرك أو اهتماماتك. وفيما تحمل كل ملاحظة أدبية فكرة مستخلصة من كاتب آخر، يتوجب عليك في هذه الخطوة أن تصيغ الفكرة الجديدة وكأنك تكتب لشخص آخر غير نفسك، فتستعمل جُملًا تامة المعنى، وتكشف عن المصادر وتشير إليها، وتتوخى أكبر قدر ممكن من الدقة والوضوح والاختصار. أُفسّر هذه الخطوة بأنها أخذ فكرة شخص آخر ودمجها في نظرتك للعالم وفي أفكارك واهتماماتك. 

وإليك الأمر الأهم!

يُصرّ آهرنز على أن الملاحظات الدائمة وحدها هي من تذهب للصندوق الانزلاقي. في حين نتخلص من الملاحظات السريعة، ونضع الملاحظات الأدبية في صناديق الفهرسة الخاصة بها.

 دمج كل شيء معًا

تكمن الخطوة الأخيرة في خلق بيئة تساعد على اكتشاف الأشياء المفيدة بالصدفة، ويكون ذلك عبر الربط اليدوي للملاحظات الدائمة الأحدث مع الملاحظات الأقدم في الصندوق الانزلاقي، وبما أن لوهمان نظّم بطاقاته يدويًا، فقد كان يُصنّف كل واحدة أو أكثر وراء ملاحظات ذات صلة، ثم يضيف روابط يدوية لملاحظات أخرى مستعملًا تصنيفه الخاص. بالإضافة إلى أنه وضع فهرسًا يضمن إيجاد الملاحظات لاحقًا عبر تحديد ملاحظة تصلح لأن تكون مدخلا نحو موضوع أو نقاش ما. لحسن حظنا، نعيش اليوم في عالم الروابط الفائقة والروابط ثنائية الاتجاه والبلوكات والويكيات، وبإمكاننا تنفيذ هذه العملية دون جهد إضافي وبقدرة بحث أقوى. في تدوينة قادمة، سأريكم كيفية فعل ذلك من الناحية العملية (نعم لا زلتُ في الناحية النظرية لهذا الاستكشاف). لكنني أحب تفكيك آهرنز لمنهج تصدير ملاحظات تطبيق كيندل. 

لن يتمحور التعلم حول حفظ المعلومات، مثلا على قرص صلب، وإنما حول بناء روابط وجسور بين قطع من المعلومات.


رابط المقال الأصلي. (المقال الأصلي به تحديثات لم ندرجها في الترجمة لأنها أتت بعد إنجازها).

تُرجم المقال ونُشر بإذن الكاتب الأصلي له: Khe Hy.

نقل المقال للغة العربية: عبد الرزاق بلهاشمي.

ظهرت النسخة العربية لهذا المقال لأول مرة على مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by AbsolutVision on Unsplash

6 آراء حول “كيف تدوِّن ملاحظاتً ذكيةً وفق منهج زيتلكاستن؟

  1. أحييكم على الإبداع في اختيار المقالات التي تستحق الترجمة فعلاً، خصوصاً المقالات التي تتحدث عن كيفية تدوين الملاحظات، هذا النوع من المقالات لا أفوته أبداً ودائماً ما أقرا فيه باستمرار.

    أعجبني تطبيق draft لكن لا تتوفر نسخة منه على متجر جوجل بلاي. هل هناك حل تقني لهذه المشكلة؟!

    Liked by 1 person

    1. شكرًا هشام (بالمناسبة سلسلتك عن هجر فيسبوك ستظهر في يومية الغد إن شاء الله) أحسنت الكتابة.
      فيه حل لكن لا اظن أنه مجد وهو تثبيت نظام افتراضي في حاسوبك من ثم تثبيت التطبيق عليه وهو ما يوفره البلوستاك. لكن مجددا لا أراه حلا مجديا

      إعجاب

      1. خبر جميل أنهي به يوم شاق من العمل، شكراً جزيلاً أستاذ يونس هذا لطف كبير منك وأشكرك كذلك على سعة صدرك ومساعدتك الدائمة لي. ممتن لك كثيراً، من ضمن أسباب إضافتي لوحة الامتنان في مدونتي هو أنت للتعبير عن شكري لك.

        بالنسبة للتطبيق أنا أيضاً أجد هذا الحل غير مُجدي بالنسبة لي على الأقل، أنا أصلاً لا أستعمل الحاسوب بكثرة، لكن ثمة حل لا أدري إن كان سينفع أم لا. وهو البحث عن التطبيق بصيغة APK، سأجرب الأمر.

        Liked by 1 person

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s