سيث غودين يكره أن يكون مُنظّمًا

نزّل المقال بهيئة PDF من هنا:

كنت متوترًا حين ذهبت لملاقاة سيث غودين للحديث عن التنظيم.

في صباح يومٍ مشمسٍ من أيام فيفري ركبت القطار من مانهاتن إلى ويستتشستر حيثُ يقع منزله.

جلستُ بجوار النافذة أتأملُ الخلجان البيضاء لمدينة هندسون، فيما كان القطار يشق طريقه شمالًا. ورويدًا رويدًا، وضعت رأسي على النافذة وأغلقت عيناي.

سهرت في الليلة السابقة لأقوم باللمسات الأخيرة على رسالة التحضير الموجهة للضيف. قرأت أيضًا كل مقالٍ كتبه سيث حول الإنتاجية والتنظيم، واستمعتُ لتسجيلاته السابقة، وأعدت قراءة بعض كتبه.

كانت الرسالة جدُّ طويلة، وضمَّنتُ في كل سؤالٍ اقتباسًا (واحدًا على الأقل) من تدويناته – إذ أردته أن يعلم بأني قمت بما يكفي من البحث قبل التواصل معه.

أكملت كل شيءٍ على الساعة 10 مساءً، صحيحٌ أني كنتُ أشعر بالتعب، لكن فوق ذلك كنت أشعر بالفخر وأني على أتم الاستعداد لأخذ القطار وإجراء اللقاء.

في اليوم الموالي، استيقظت باكرًا لأقرأ رده على رسالتي:

“أنا سعيد بالمحاولة (أي اللقاء معًا)، وأتطلع شوقًا لملاقاتك. لكن أظن أن أفضل ما تقدمه لقرائك هو أن تُريهم مدى تجسيدي للأسئلة التي طرحتَها في حياتي”.

سيث غودين

آه، ماذا؟!

صورة سيث غودين
صورة سيث غودين

بإمكان سيث غودين أن يعمل في مكتبٍ بإحدى ناطحات سحاب نيويورك. لكنه بدلًا من ذلك، حوَّل شقةً ببلدةٍ صغيرةٍ شمال نيويورك إلى مكتب عمل.

بإمكان سيث غودين ملء مكتبه بالأثاث الفاخر، واللوحات الزيتية الباهرة، لكنه بدلًا من ذلك، ملأه بالكتب، والأوراق، والملصقات الملونة المُزْهرة في كل زاويةٍ من الغرفة.  إن بيئة عمله عبارة عن عقله مقلوبًا إلى الخارج، واضعًا إياه كديكورٍ داخليٍ للغرفة.

بإمكان سيث غودين امتلاك طاقمٍ ضخمٍ من الموظفين تحت إمرته، لكنه وظّف بدلًا من ذلك فريقًا صغيرًا ودودًا، يعاملهم كما يعامل أحدنا عائلته. وهو يطهو لهم الغداء أحيانًا. وغالبًا ما يختار حساء الدال (Dal).

حين وصلت لمكتبه، كان يجري اتصالًا بتطبيق زوم يحادث فيه طلابه المنخرطين في دورته الأخيرة “الورشة الإبداعية“.

“سيد شيبر!” هتف سيث مبتهجًا وهو يخرج من الغرفة. كان يرتدي قميصًا أزرق، مع ربطة عنق فضفاضةٍ، يلتف حولها اللونين الأصفر والوردي كدوامةٍ ناعمة.

دخلنا مكتبه، وأغلقنا الباب خلفنا. كان يملك طاقةً تبدو أحيانًا كامنةً نطاطةً ودودةً، وغبيةً نوعًا ما. وفي أحايين أخرى تبدو طاقةً مشدودةً مركزةً وموجهةً بحدّة.

جلسنا لنتناول سؤالًا واحدًا: هل الفكرة الأساسية لنشرتي الإخبارية (المتمحورة حول التنظيم الفائق) خاطئة؟

بدأت بأسلوبي المعتاد في التعامل مع التوتر: أن أُفصح عنه.

“أنا متوتر قليلًا لإجراء هذه المقابلة، لأني لا أعلم إن كنت تؤمن بفكرة المنظمون الخارقون” هكذا بدأت الحديث.

“عليك أن لا تكون متوترًا،” قال، وأضاف “لكني لا أؤمن بهذه الفكرة. أعتقد أن خوض حديثٍ عن هذا مهم، لكني لا أعبد صنم التنظيم”.

“أريد التعمق في هذا” قلت له.

ثم ركّبت الميكروفون، وضغطت على زر التسجيل.

في العادة أكتفي بميكروفونٍ واحدٍ، لكن في هذه المقابلة استعملت اثنين – فأنا لا أريد تفويت شيءٍ.

سيث يُعرِّف نفسه

أنا سيث غودين، أنا كاتب، ومتحدث ورجل أعمال. نشرت 139 كتابًا من ضمنهم هذا هو التسويق، البقرة البنفسجية، والقبائل. منذ عقودٍ وأنا أكتب مقالةً يومية، وأدير ورشاتٍ مثل ورشة altMBA والورشة الإبداعية.

كيف يرى سيث التنظيم

سأخبركم بقصةٍ عن نظرتي للتنظيم.

ارتدت كلية الهندسة في جامعة تافتس. وكان ضمن المقررات مقرر “تصميم المنشآت”.

في ذلك الوقت، مُنح كل واحدٍ منا ما يُقارب الثلاثين أداة لتساعدنا في أداء مهامنا – أغراض مثل المنقلة، والقلم الكبّاس ومسطرةٍ فاخرة. وكان علينا صنع حقيبةٍ لها.

بعدئذ تعطى الحقائب المصممة للطلاب الجامعيين الجدد حيث يستخدمونها لمدة أسبوعين، ثم يكتبون تقريرًا عن مدى جدواها.

أنفق كل الطلاب (سِواي) ساعاتٍ من أوقاتهم في صنع حقائب منمّقةٍ وجميلة، ووضعوا داخلها إسفنجة مفصلة بدقةٍ لتنتظم الأدوات في أماكنها المناسبة. فتجد للمنقلة مكانًا مقطوعًا يتناسب مع حجمها، ومكانًا آخر للمسطرةِ لا يزيد عنها ولو بمقدارٍ يسيرٍ.

لكني لم أفعل ذلك. ذهبت إلى ساحة هارفرد، واشتريت حقيبة الرسّام، وهي حقيبةٌ يستعملها الفنانون، ثم حشوتُها بإسفنجة من الأعلى وأخرى من الأسفل.

فما عليك عمله بصفتك طالبًا جامعيًا هو إلقاء الأدوات فيها ثم غلقها. ولن تتحرك الأدوات لأن قطعتا الإسفنج تضغطان عليها. وحين تفتح الحقيبة مجددًّا ستجد الأدوات كما تركتها.

أمضيت سبع دقائق في صنعها، ثم سلمتها. أعجب الطلاب بها وقالوا أنها أعجبتهم. وأنها مُجدية بشكلٍ مذهلٍ.

لكن أستاذي أعطاني علامة F على المشروع. لذا ذهبت إليه مستفسرًا: “لمَ أعطيتني علامةً ضعيفة؟”

فأجاب: “لأنك لم تقضِ في عملها سوى سبعِ دقائق”

فاحتججت: “صحيح، لكن هذا ليس مشروع أشغالٍ يدوية، أو مشروع مادة الفن. المهم أن الحقيبة تُؤدي عملها بشكل جيد”.

اقتنع البروفيسور وغيّر العلامة إلى A (ممتاز). وهذه فلسفتي في التنظيم.

إنّ التنظيم مثل صنع حقيبة تضمّ أدواتك. إنك لا تحصل على علامةٍ لأنها فاخرة، بل تحصل على العلامة لأنها تؤدي المهمة.

سيث يحتاج الفوضى لأداء أعماله

حين أذكُر التنظيم، أفكر تلقائيًا في سؤالين: لمن هذا التنظيم؟ وما الهدف منه؟ وجواب السؤال الأول هو: “لنفسك”.

وجواب الثاني عند غالبية الناس: “لتقليل درجة الفوضى داخل رأسك”.

وأعتقد أن بعض الناس يرون هذا الأمر منطقيًّا.

لكني –أنا- لا أحتاج لتقليل درجة الفوضى. بالعكس، أحتاج بعضَ الفوضى، وإن لم يكن ثمة فوضى، أقوم بها بنفسي.

قد يكون سبب هذا أني نشأت مصابًا باضطراب نقص الانتباه دون أن أُشخص عند الطبيب- ولكنني أحتاج إلى الكثير من الحركة والجلبة، وهو ما لا تمنحه لي البيئة المنظمة. لذلك لا أشعر أن الأوقات التي أقضيها في أرشفة وترتيب الأشياء ذات قيمة مضافة في عملي.

وككل البشر تمرّ عليّ لحظاتٌ أشعر فيها بالفوضى لكثرة المشاغل، كما أشعر أن ذلك قد يُضعف قدراتي الإبداعية. يبدو الأمر وكأنني لا أستطيع إضافة المزيد من الحطب في النار، لأنها جد حارقةٍ بالفعل.

لكن ما أفعله في تلك اللحظات أني أمنعها من تشتيتي، وأحولهَا وقودًا لحماستي.

سيث والإنتاجية

أنا أحب الإنتاجية.

نشرت لحد الآن 139 كتابًا. وقد كنت أنشر كتابًا كل شهر، لمدة 10 سنوات. أحب مشاركة معارفي، ولهذا فقد ظللت مواكبًا للتحولات التكنولوجيّة الكبرى على مدى عقودٍ.

لكن كون المرء منتجًا لا يعني بالضرورة أنه شخص منظم. والفخ الذي يقع فيه البعض، هو هروبهم من العمل ومشاركة الأشياء بحجة التنظيم.

أصادف كثيرًا ذلك النوع من الأشخاص الذين يقولون أنهم بحاجةٍ إلى الظروف المناسبة لإنجاز أعمالهم. لو كانت لدي الكاميرا المناسبة، أو لو كان لدي برنامج الكتابة المناسب، أو لو كان لدي أداة تنظيمٍ أحسن، حينها فقط سأبدأ بإنجاز عملي.

في الحقيقة أنت لا تحتاج ظروفًا مثالية لإنجاز عملك.

فأنا –مثلًا- قمت بكتابة خمسٍ من كتبي كاملةً على متن الطائرة.

لا يتوقع الناس هذه الإجابة حين يسألونني عن آلياتي الإنتاجية. إنهم يتخيلون الكاتب شخصًا يذهب للمكتبة – حيث يعمُّ الهدوء ولا يوجد أي شيءٍ أمامك، وكل الظروف ملائمةٌ للكتابة. ولا يستطيعون تخيلي وأنا جالسٌ في المقعد الأوسط للطائرة، وعلى حِجري حاسوبي المحمول.

لكني  أدركت أنه ليس بمقدور الإنسان إنتظار الظروف المثالية، لأنها لن تأتي أبدًا. وعادةً ما يكون الانتظار ذريعةً لتأخير عطائك.

أنا لا أدعي أن كل من ينظم نفسه إنما يفعل ذلك من باب التهرب. لا أبدًا، لكن هذا الإدعاء ينطبق على البعضِ حتمًا. وعليهم الإحتراس من ذلك.

ولا تسألني: هل أنا منظمٌ بشكل جيد؟ بدلًا من ذلك، اسألني: هل ما أقدمه من أعمالٍ على جودةٍ عاليةٍ تتناسب مع حجم التغيير الذي أصبو إليه؟ إذا كان الجواب لا، فما الذي يحول بيني وبين هدفي؟

كيف يحرص سيث على تقديم محتوى هامٍ

لا أجد أيّ صعوبةٍ تُذكر في إنشاء المحتوى. مشكلتي الأساسية تتمثل في إنشاء محتوى مهمٍّ فعلًا.

وهذا ما يقودنا إلى الفرق بين الهواة والمحترفين. إنّ الهواة لا يولون اعتبارًا للجمهور، الهواة يعملون لذواتهم. لتكون محترفًا عليك أن تتفاعل مع شخصٍ ما – عليك أن تتفاعل مع الجمهور.

لكن إشراكك للجمهور يكاد يوقعك في التهريج. فالخط الفاصل بينهما دقيق.

أن تكون مهرجًا يعني أن تقدم للجمهور ما يريد بدلًا من إعطائه ما يحتاج فعلًا. ولأني أمول شركتي ذاتيًّا، وقد تعرضت للرفض 800 مرة، وأمضيت سنين من حياتي مهمّشًا، لذلك كله كدت أصبح مهرّجًا. لقد اضطرت لبيع أي شيء للنجاة.

ما كان علي فعله للتأكد من أنني أقوم بعملٍ هامٍّ هو صقل حدسي والبدء في فهم الإشارات بشكل أفضل.

أسأل نفسي دومًا: لم أقوم بهذا؟ ما الغاية وراء عملي عدا كسب المال؟ لأنه في حال ما كانت غايتي تحصيل الأموال، فعليّ العمل كموظف لصالح شركة غولدمان ساكس. وبمجرد عزمك على عدم العمل لصالح هذه الشركة، فإنه يتعين عليك أن تكون كل أعمالك خادمةً لمهمتك في الحياة، لا مجرد وسيلةٍ لتحصيل العيش.

لذلك فأنا أتساءل: ما هو التغيير الذي أصبو له؟ لأجل من؟ ولأية غاية؟، ثم أسأل نفسي أسئلة مثل: ما هي الوسيلة التي تعينني على بلوغ الهدف؟ هل هي مقالة على مدونتي، أو خطابًا عامًّا؟ أو ربما كتابًا؟ ما هي الصيغة الأنسب؟

بمجرد أن أجيب على هذه الأسئلة أقفزُ مباشرة إلى صلب الموضوع. إن بدءَ مشروعٍ جديد يُشبه النزول لحوض السباحة، ووجه الشبه أنك لا تتبلل صدفةً بل عن عمد. في البداية ترتدي ملابس السباحة ثم تذهب نحو الحوض.

لا يمكنني أن أفهم عقلية الناس الذين ينزلون ببطء إلى الحوض.

إذا كنت تريد النزول في الحوض، فلتنزل فورًا.

الإهتمام بالزبد

تحدثت سابقًا عن حبي للفوضى. والزبد مثالٌ أوضح لما أعنيه.

الزبد هو الرغوة فوق الشيء. الزبد هو كل شيءٍ هامشيٍّ يقع على جوانب عينيك. وأنا أعتقد أن هذه الأشياء ذات قيمة عظيمة.

لطالما أوليت انتباهًا للأشياء التي تقع خارج زاوية نظري. إنه الزبد – كل شيءٍ يقع على الهامش، على جانب العين. إنها الأشياء التي قد يجذبك الحدس لاِتباعها.

وكمثالٍ على ذلك: أتذكر بدايات البريد الإلكتروني، كان الكل حينئذٍ يعتبره مثيلًا للفاكس. كما لا أزال أذكر مقالًا نُشر على مجلة آد آيج عام 1980، إذ تضمن قائمةً للمدراء التنفيذيين الذين لا يستعملون البريد الإلكتروني. لم يكن الأمر صادمًا حينها. فكل ما كان عليهم فعله آنذاك هو إملاء مذكرة على السكرتيرة، التي تجري بدورها للرواق لإرسالها.

لكنني أبصرت أهمية البريد الإلكتروني في وقتٍ لم يكن يسترعي انتباه أحدٍ. كان شيئًا بعيدًا عن الأنظار، لكني تتبعته عن سبق إصرار وترصّد، فقط لأنه أثار انتباهي.

يقول الناس مجازًا، أن الشيء الوحيد الذي يجب أن يسترعيَ انتباهك هو الشيء الماثلُ أمامك. لكن هذا لا يُناسبني، لأنني إن فعلت ضعُف تركيزي عليه.

إن لم يكن هناك شيءٌ على جوانب عيناي، فإني لا أستطيع التركيز على الشيء الماثل أمامي. أحتاج الزبد كي أتمكن من التركيز والاستغراق في عملي.

إذًا الوجودُ وسط الزبد يجعلني أكثر إنتاجية.

سيث لا يهتم إلا بمن يوافق عقليته

من الأشياء التي ساعدتني في الإنتاجية: أني لا أهتم بأحدٍ إلا إذا كان يوافق عقليتي.

حين تبتكر عملًا مهمًّا، فإنه لن يلقى إعجاب الغالبية. ويمكنك تجنب ذلك بعدة طرق، إما أن تهذبه بطريقةٍ تُبعد الناس عن نقده (وهذه فكرة سيئة)، وإما أن تُبعد نفسك عمدًا عن أولئك الذين لا يناسبون عقليتك.

فأنا على سبيل المثال، لم أقرأ أي تقييمٍ (مراجعة) لكتبي على أمازون منذ سبع سنوات. لم أقرأ التقييمات الممتازة ولا التقييمات المتدنية، ولا أي شيءٍ بينهما.

توقفت عن ذلك، لأني لم ألتق في حياتي بكاتب يقرأ التقييمات المتدنية ثم يقول بعدها “ها أنا الآن أصبحت كاتبًا أفضل”.

تأتي كل التقييمات المتدنية بهذا الشكل: “هذا الكتاب ليس نوعي المفضل”، إن قراءة تقييمٍ مثل هذا لا تفيدني بمعلومة عني. بل تزودني بمعلومة عن القارئ.

ولهذا فأنا أحيط  نفسي بأشخاصٍ يوافقون عقليتي. ولأكون واضحًا فإن هذا لا يعني أني لا أهتم بمن يخالفني الرأي.

إذا كان الشخص موافقًا لعقليتي، فبإمكانه أن يخبرني صراحةً أن عملًا من أعمالي لا يؤدي المرجو منه، هذا النوع من النقد لا يقدّر بثمن. لكن إذا قال لي شخصٌ ما “لا يعجبني هذا” فأنا لم أتعلم أي شيءٍ جديد.

قد أكون تعلمت شيئًا عن من قال ذلك، لكني لم أتعلم أي شيءٍ عن عملي.

إعدادات ووردبريس عند سيث

انتقلتُ منذ سنوات من خدمة تايباد TypePad إلى ووردبريس WordPress. وقد سبب ذلك أزمةً في المكتب. إذ كنا خائفين من اضمحلال علامتنا التجارية، لأن واجهة تايباد كانت عنصرًا أساسيًّا من هوية المدونة.

بهذا الصدد، يجب أن تكون منصة الكتابة مكانًا دافعًا للعمل. وقد تعلمت من تشيب فونلي أن على الإنسان امتلاك بيئةٍ يذهب إليها لسببٍ وحيدٍ هو العمل. وقد كانت تايباد هي تلك البيئة.

وفي النهاية تمكنت من الانتقال إلى منصة ووردبريس بسلاسة.

صورة للوحة تحكم ووردبريس الخاصة بموقع سيث غودين
صورة للوحة تحكم ووردبريس الخاصة بموقع سيث غودين

يمكنك هنا رؤية كل المقالات التي نشرتها على مدى أسابيع سابقة.

وعندما يحين وقت الكتابة أضغطُ على زر الإنشاء ثم أكتب المنشور. وحين أنتهي منه، أحاول اكتشاف الوقت المناسب للنشر.

أنا لا أحب نشر هذه المقالات على الرابعة صباحًا، لذلك أبرمجها لتُنشر بشكل آلي.

في كل ليلةٍ أتفقد المقالات التي على وشك النشر، وعادةً ما أحدفها، لأن أفكارًا جديدة أتتني. إذ أنني أريد أن أقدم للناس أحسن ما رأيته أو فكّرت فيه ذلك اليوم.

ومقابل كل مقالةٍ يراها الناس، أكتب اثنتان أو ثلاثة أخرى لا أنشرها. وعادةً ما أحذف المقالات التي لا أنشرها، لكن أحيانًا أُبقي على بعضها.

عادةً ما أخاف حدوث خطأٍ على ووردبريس، فينشر مسوداتي، لذلك لا أبقي في المسودات إلا ما يستحق النشر.

كيف يُنشئ سيث خطاباته

إنّ الخطابات أحد أكثر الأشياء التي أقضي وقتًا معتبرًا في إنشائها. فأنا أقدمها في كل مكانٍ حول العالم.

يعرفني الكثير من الناس من خلال كتبي، وتدويناتي، وورشاتي. لكن بالنسبة لي كل تلك الأشياء ليست إلا أعمالًا فنيةً. فمهنتي الفعلية هي إلقاء الخطب.

أنا أستعمل برنامج كي نوت Keynote حين أُلقي خطبي. بل إنني في الحقيقة أحد المستخدمين الأوائل لهذا البرنامج. وأنا أعيش داخله منذ ذلك اليوم، إذ يمثل بدقة طريقتي في التفكير.

حين ألقي خطابًا فإني أملك في البرنامج 200 شريحةٍ، ولا يوجد على أيٍّ منها كتابة. وعلى كل شريحةٍ صورةٌ تخفي وراءها القصة التي أريد الحديث عنها. وكل قصةٍ مرتبطةٌ بصورةٍ في العرض.

لمحة من حساب سيث غودين على برنامج Keynote
لمحة من حساب سيث غودين على برنامج Keynote

فأنا إذًا، أملك العديد من ملفات كي نوت المليئة بالشرائح. وحسب العرض الذي أقدمه فإني أخفي بعضها وأُبقي على أخرى، ثم أرتبها بطريقةٍ تُناسب الخطاب الذي سألقيه.

أملك بعضًا من هذه الشرائح منذ مدة طويلة. كما أني لم أستعمل بعضها مند سنين. ومع ذلك فإني أبقيها على البرنامج لأني قد أستعملها في المستقبل.

كيف ينتقي سيث الشرائح التي سيقدمها في عروضه

هذه إحدى شرائحي المفضلة:

أحد الشرائح المفضلة لدى سيث
أحد الشرائح المفضلة لدى سيث

وتمثل مجموعة من الشباب يسوقون دراجاتهم دون أن يلبسوا خُوَذ الوقاية. عدا شابةٍ واحدة، لديها خوذة مربوطة بحقيبتها، لكنها لا ترتديها.

والسؤال هنا: كيف يحدث هذا؟ هل يمكن أن يمتلك الإنسان خودةً ولا يرتديها؟

اتضح أن الجواب هو أن الناس مستعدون للمخاطرة بحياتهم من أجل الإنسجام مع أصدقائهم.

إذًا كيف انتهى المطاف بهذه القصة بأن تكون على عروضي؟ – كنتُ أتجول بسيارتي في الشارع التاسع من مانهاتن، فمرّ هؤلاء الشباب علي، ولاحظتهم من زاوية عيني.

كما لاحظت أن الشابة تملك خوذةً مربوطة بحقيبتها، فأدركت أن وراء الأمر قصةً. لذلك لحقتهم متجاوزًا إشارة ضوئية حمراء، لأُدركهم أمام إشارةٍ توقف أخرى، حينها أخرجت الكاميرا والتقطت الصورة.

وظلت هذه الصورة على هاتفي مدةً طويلة. وحين كنت أقدم خطابًا منذ بضع شهور، تذكرت هذه الصورة ففتشت عنها في هاتفي، لأجدها بعد بحثٍ طويل.

سيث يجرب باستمرار تعبيراتٍ مجازيةٍ جديدة

أنا أجرب باستمرار تعبيراتٍ مجازيةٍ مختلفة لأستعملها لاحقًا في خطاباتي، وذلك بالتحدث مع أشخاصٍ مثلك.

وعلى سبيل المثال، فقد علّمت أحدهم اليوم بمكتبي كيف تلفت انتباه الأشخاص لشيء محدد. لقد جربت ذلك على مئات الأشخاص وجهًا لوجه. فأنا لا أقوم بإلقاء الخطابِ مباشرةً. ولا أقول للناس: “تعال، لأتمرن على العرض التقديمي أمامك”.

وبدلًا من ذلك فأنا أقضي وقتي في تعليم الناس آرائي حول الحياة والعالم.

وحين أكرر هذا وجهًا لوجه تكرارًا ومرارًا، فإني أُنشئ حلقة من التغذية الراجعة (فيدباك)، تساعدني على فهم ما يحدث داخل عقول الناس حين أعلّمهم شيئًا ما. وهذا بدوره يساعدني في اختيار ما سأقوله في خطابي.

وأنا أسأل نفسي باستمرار لماذا يلمس هذا مشاعر الناس؟ ثم أجمع بعض القصص مع بعض التعبيرات المجازية لأحصل في النهاية على الخطاب الذي سألقيه.

كيف يرسم سيث الخط السردي لخطاباته

دائمًا ما يكون الخط السردي في خطاباتي طبيعيًّا أكثر منه إستراتيجيًّا. وأعتقد أن هذا ينطبق على كل الكتب التي غيرت شيئًا مني مثل: الهدية للويس هايد، أو فن الاحتمالات لروزاموند وبنيامين زاندر، أو حرب الفن لستيفن بريسفيلد.

لا يمكنني إخبارك بترتيب الفصول في تلك الكتب. فأنا لا أعرف ترتيبها أساسًا. إن الأمر شبيه بما يعتقده بعض الناس بأن ترتيب قائمة من الأغاني مهم، أنا لا أعتقد ذلك. لو كانت الأغاني مرتبةً بطريقة مغايرة لما هي عليه في أصل الألبوم الموسيقي سيظل الألبوم جميلًا بالمجمل.

لا أفكر إطلاقًا بشأن المنحى العام لخطابي، لأني أعتقد أن آلية تغيير الناس غير متعلقة بهذا.

إن الكتاب المقدس نفسه ليس مرتبًا وفق ترتيب معين. والطقوس الدينية لا تتم وفق ترتيبٍ معين. كما أن الطريقة التي نبدأ بها مواعدة شخصٍ ثم الإنفصال عنه لا تتم بطريقة معينة. رغم أننا ندعي خلاف هذا.

ومن الأشياء التي اِكتشفتها في مرحلة الثانوية، أنه لا يوجد سببٌ وجيهٌ لدراسة العلوم البيولوجية قبل العلوم الكيميائية، عدا أننا اكتشفنا الأولى قبل الأخيرة. وقد كان من المفروض أن نتعلم الكيمياء قبل العلوم البيولوجية.

وما أفعله أنا بدلًا من الاهتمام بالمنحى العام للخطاب أو ترتيب فقراته، هو تطهير عقول الناس من مختلف التوجهات ودفعهم للمضيّ وفق نمط تفكير محدد.

لأنه حين تطهر عقول الناس، يسهل توجيههم نحو التغيير.

وعليك أن تقوم بتعليمهم بهذه الطريقة، لأن ما يغير الناس ليس المنطق. فقد اخترع الناس المنطق بعدما أصبحوا بشرًا. إن الناس يتغيرون حين يعزمون على ذلك. أو حين يقررون التخلي عن جزءٍ من هويتهم واستبداله بآخر. مثلما يفعلون بملابس العمل.

وها نحن نرى العديد من الأمثلة أمام أعيننا. كم يستغرق الأمر لدى المدمن للتخلي عن عادة التدخين؟ زمن طويلٌ!

وليس النيكوتين هنا هو السبب الوحيد، فأحد أهم الأسباب هو كون المدمن قد نشأ في بيئةٍ ثقافية تعرفه على أنه مدمن، إنهم يقولون “هذا ما أراه حين أنظر في المرآة، أنا شخص مدخن”.

نفس الشيء يحدث في مثال راكبي الدراجات الذي ذكرته آنفًا. كل أعضاء عُصبة الدراجين لا يلبسون خودةً، وبالتالي لن تلبسها أنت أيضًا. فلن تلبس زيّ “السلامة أولًا” إن لم يكن أصدقاؤك يلبسونه.

كل الناس يلبسون أزياءً. لذا أنفق كل وقتي مفكرًا: أيّ الأزياء نلبس؟ ولم نفعل ذلك؟

والأهم من ذلك كله:

هل يمكن أن نخيط زيًّا أفضل؟

ولهذا فإن خطاباتي مصممة بطريقة تجعل المستمعين يدركون الأزياء التي يلبسونها، ويتمكنون من حياكة أزياء أفضل.

كيف يلقي سيث عروضه التقديمية

وهنا لدي بعض الآليات الخاصة التي أستخدمها في إلقاء العروض التقديمية.

حين ألقي عروضي، فأنا بحاجة للتواصل مع الجمهور بطريقةٍ تجعلني حاضرًا ذهنيًّا بشكل جيد.

وهذا يعني أني لا أستخدم الشرائح كشاشة القراءة في غرفة الأخبار، وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه كل الهواة تقريبًا حين يلقون عروضهم التقديمية.

فهم يقومون بتبديل الشريحة، ثم ينظرون إليها، وبعدها يبدأون بالكلام حولها. أنا لا أقوم بهذا، لأنه أمرٌ مزعج. ويضفي على العروض نوعًا من الكُلفة.

وبدلًا من ذلك فأنا ألاحظ أن الشريحة التالية تتحدث عن وشوم فرقة الأموات الممتنون. فأنتقل للحديث عن قصة وشوم فرقة الأموات الممتنون، بينما لا تزال الشريحة المعروضة هي الشريحة التي قبلها. وبمجرد أن ألقي مقدمةً عن القصة أبدّل شريحة العرض إلى شريحة وشوم فرقة الأموات الممتنون.

وشوم فرقة الأموات الممتنون
وشوم فرقة الأموات الممتنون

نفس الشيء تجده في الأفلام. ومعظم الناس لا يعرف هذه الحقيقة. فحين تشاهد حوارًا ستجد أن زاوية التصوير لا تتبدل مع تبدل المتحدث. بل يقع تبديل زاوية التصوير قبل أن يتبدل المتحدث أو بعده. ولو قاموا بالتبديل أثناء تغير الأدوار لبدا الأمر متكلفًا.

نفس الأمر حين تلقي خطابًا. ابدأ الحديث عن الشريحة التالية فيما أنت لا تزال في الشريحة الأولى.

كيف يستعمل سيث كوب القهوة ليلقي العروض في الحالات الاستعجالية

أحيانًا لا يشتغل جهازي في قاعة المحاضرات، ولذا فلا أتمكن من استخدام العرض التقديمي الذي حضرته.

كما لا يمكنني استخدام العرض التقديمي حين أجد شاشةً واحدةً في القاعة. فأنا عادةً ما أطلب شاشتين: واحدة للعرض التقديمي، وأخرى تبث صورتي على الملأ.

أطلب هذا لأنه في حالما كان العكس، ولم يكن هناك إلا العرض التقديمي. فإن عيون الجمهور ستتسمّر على العرض ولن ينظروا إليّ إطلاقًا، وبالتالي لن يتفاعلوا مع العرض، ولن أتمكن من إنجاز عملي على النحو المرجو.

ولذا فأنا أتخلى عن الشرائح التقديمية حين تكون هناك شاشةٌ واحدةٌ فقط. وإلقاء خطابٍ بلا شرائح يتطلب تحضيرات مُجهدة، وهو أمر جدُّ صعب.

لكني ابتكرت طريقةً استعملتها ثلاث مرات في حالات استعجالية سابقة، وقد سهلت عليّ العمل.

آخذ قارورة مياه أو كوب من أكواب ستاربكس، وألصق على ظهره قائمة القصص التي سألقيها، ولا أحد يكتشف أمري، لأنه لا أحد يراها.

حيلة سيث غودين في إلقاء الخطابات دون تحضير مسبق
حيلة سيث غودين في إلقاء الخطابات دون تحضير مسبق

لذا فحين ألقي خطابًا، ولا أتذكر القصة التالية، أتوقف في منتصف القصة التي أحكيها، لآخذ جرعة ماءٍ، ثم أواصل الحديث وأنا أعرف القصة التالية.

رأي سيث عن السعادة

أنا سعيدٌ سعادةً تفوق التصور، وقد كنت على هذا الحال منذ سنين طويلة. لقد قررت أني سأكون سعيدًا فأصبحت سعيدًا. ولم يحدث الأمر بالإتجاه المعاكس.

قضيت عدة أعوامٍ من عمري أعيش بتلك العقلية، التي تجعلني أهتم بما يخيب أملي، وأبحث عن كل سببٍ لأشعر بالحنق، وكل حجةٍ على ظلم الحياة. ثم في يوم من الأيام قلت لنفسي: “كفّ عن هذا، أنا متعب من هذا الأسلوب في الحياة”.

ومنذ ذلك اليوم، بدت الأشياء التي تجعلني أشعر بتميزي وفردانيتي بارزةً بوضوح.

كتاب ينصح به سيث

غلاف الكتاب الذي ينصح به سيث غودين
غلاف الكتاب الذي ينصح به سيث غودين

الهدف لإلياهو جولدرات. هو أفضل كتابٍ يتناول موضوعًا لا يفهمه أكثر الناس. وحتى بعد أن أجبر البعض على قراءته، فإنهم يعودون إليَّ دون فهمه. يتمثل الموضوع العام للكتاب في كيف تنمو أو تخبو الأعمال التجارية (خصوصًا المصانع).

إنّ هذا الكتاب يذكرني بوالدي. فقد كان نال والدي الدكتوراه في هذا الموضوع. وقد درّس في كلية بافالو للأعمال. ولما كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، اعتدتُ ترتيب أوراقه. لذلك فلدي ارتباطٌ عاطفي مع الكتاب على غرار ارتباطي المعرفي به.


رابط المقال الأصلي

تُرجمت هذه القطعة من المحتوى بإذن كاتبها الأصلي: دان شيبر.

 ترجمها للعربية: مصطفى بوشن.

نُشرت لأول مرة بالعربية في مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Rumman Amin on Unsplash

3 thoughts on “سيث غودين يكره أن يكون مُنظّمًا

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s