فصل: في أن الحبّ لا يزهر دون مال (مقدمة ابن خلدون الحديثة)

تابع للسلسلة (نتمنى أن تكون كذلك) الساخرة الهادفة إلى محاكاة أسلوب ابن خلدون كما لو كان حياً بيننا الآن، على غرار ما فعله الأديب الرافعي مع شخصية الجاحظ في كتابه وحي القلم. 

فصل: في أن الحبّ لا يُزهر دون مال.

ولا يتبرعم ولا ينبت ولا يمكن أن يستمر دونه، على الرغم من أن هذه الحقيقة صادمة وقاسية لقلوب العشّاق الرهيفة، وأصحاب المشاعر الرقيقة، والعواطف الجياشة، والسبب في ذلك أن الحبّ غير ممكن دون التزام، وفي رواية “اهتمام”؛ ولئن كان المحبوبان يعيشان في فترة شبه إعفاء ضريبي في الخطوبة وبدايات الحبّ فإن الدخول للقفص (الذي هو إسم على مسمى) يُلقي على كواهلهما فجأة ودون سابقِ توقعٍ أعباءً مالية لم يضربا لها حساباً، ومن ثم يتوارى الحبّ وتبرز الآلة الحاسبة وتقام المحاكم الضريبية ولجان التدقيق من دفع ومن صرف ومن يفهم في الشراء ومن لا يفهم وكم صرف ومن؟ ولماذا؟ وحجم التعويضات وتقدير الأوقات والوظائف إلخ..

لن نطيل في التدليل (وضع الأدلة) على الحقيقة التي ذكرناها في عنوان الفصل، أن الحبّ لا يزدهر دون مال، إذ أن هناك شاهدان قويّان من ديوان العصر ألا وهو الغناء والموسيقا، نُدعّمه إن شاء الله بشاهد حياتيّ من أحد الأئمة والمشتغلين في الفتيا منذ فترة طويلة.

وعلى ذكر ديوان العصر: الغناء والموسيقا، فصلنا القول في شؤونه في الفصول المنوطة به، مثل فصل في أمر المغني إلفيس بريسلي وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن حياته من موته، وهل هو حيّ الآن؟، وفصل طبوع الأغاني لهذه الحقبة، مثل الكي بوب، والبوب، والراب، والراي، الذي تكلمنا فيه عمّا أنكره المنكرون على الشاب خالد قوله في أغنيته “هذه هي الحياة”: “لازم الجرح يبرى بالدوا”، وقالوا: بماذا تُداوى الجروح إذن؟، وشبهوها بما قاله الأول:

الليل ليل والنهار نهار*والبغل بغل والحمار حمار

والديك ديكٌ والحمامة مثله* فكلاهما طيرٌ له منقار

(مصدر الشعر: شيء من التباريح- أبو عبد الرحمن ابن عقيل، دار ابن حزم ص 94)

وفاتهم أن الأغاني لا تُكتب وفق المنطق الذي وضعه أرسطو، مع ذلك لم ينكروا على الشاب عقيل، تغمده الله برحمته، لما قال:  أعوام  وdes années، مع أن “ديز آنيه” بلغة الفرنجة هي ذاتها “الأعوام” أو السنون إن شئت التحذلق، وقد بلغنا أن زوجته قالت أن ملك المغرب أوقف عليه في تطبيبه قبل أن يموت عشرةً من النُّطُّسِ الحاذقين في الطبّ، وبلغنا أيضاً أن نفس الملك لم يكن يأبه لكثير من العقول اللامعة التي مرضت آخر أعمارها ولم تجد ما تداوي به أنفسها، حتى طلبوا التبرعات من الأقارب وفُعّال الخير، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أما موته فقال البعض عين واستشهدوا بقوله عليه السلام العينُ تُدخلُ الرجلَ القبْرَ، وإسناد الحديث حسن، فالرجلُ أي الشاب عقيل كان في عز مجده الفنيّ شاب مُيسّرة له كل أسباب النجاح، فإن كان كذلك فقد أصابته طاقة الحسدُ من أحد رآه عياناً، أو تجمعت له من حسابه على الشبكات الاجتماعية، راجع ما حقنناه في فصل: هل ينتقل الحسد عبر الواي فاي أم لا؟ [غير متوفر حالياً]، فيما قال آخرون مهتمون بعلوم الطاقة، أن كلمات أغانيه هي من جنت عليه، فالآن أصبح وقع أغانيه أقوى لأنه مات بطريقة مأساوية، والناس تبكي بحرقة لما تسمعه، وقديماً قال، يتابع المهتمون بعلوم الطاقة كلامهم: البلاءُ موكّل بالمنطق، وقد حررنا أقوالهم في فصل: علوم الطاقة وسرّ الغنى والفاقة؛ نعود لموضوعنا وأدلتنا من ديوان العصر “الغناء”، وأول دليل أغنية مارون الخامس، المعنونة بهاتف عموميّ، مع أن الربّ وحده يعلم لماذا استخدمه مع توفّر بدائل أخرى أكثر تطوراً، وأغنيته من الأغاني التي تصلح جداً لما تشغلها في سيارة فارهة سريعة على طريق دون مطبات ولا حدود للسرعة، يقول مارون الخامس فيما ترجمته “كل أوراقي الخضراء -الدولارات التي أنفقتها عليك”، ويضيف في جملة أخرى ما معناه “كل الليالي التي سهرتها من أجلك”، فهو في مقام عتاب للمحبوب وطبعاً دلل على الموضوع بالمال، فهذا دليل أن الحب لا يزدهر إلا به، وهذا ما يبين كذلك لمَ لا يُذكر المال في لحظات الحب والهُيام ويُذكر جلياً أثناء الخصام، والدليل الثانيّ أوضح، لأنه عربيّ، وهو من الشاب حسام في أغنيته “أنا نعشق أنا ندلق”؛ إذ قال: “ما صرفتي ما أعطيتني”، ومعنى هذا الكلام باللسان العاميّ: “لم تدفعي شيئاً من المال لي، ولم تعطني شيئاً” ويضيف “غير راكي باغية نوليلك”، أي فكيف تريدين مني العودة إليك، وهنا شاهدنا، وقد ردّ البعض هذا التأويل بأنها أغنية خصامية تتحدث عن المحاكم والانفصال، لكن هذا يردّه قول الشاب حسام في ذات الأغنية “ما نسمحش فيك يا المريولة”، فإن قيل “فقد قال أيضاً: معاها جامي نكمّل”، قلنا أن الإثبات مقدم على النفي في الحبّ وغيره.

وفوق هذا كله، ذكر الإمام أبو عبادة نور الدين علي بن جمعة في لقائه مع طلبة جامعة القاهرة: أن أول أسباب الطلاق في مصر، التي تعتبر عينة معبّرة جداً عن عالمنا العربي، لا سيما أنه ولد في زمن كان سكانها 17 مليوناً وحسب، وهي في زمننا الآن وهو لا يزال حياً، أمد الله في عمره، تجاوزت المئة مليون، والأمر لله من قبل ومن بعد، يقول الإمام علي بن جمعة: السبب الأول هو: “اختلاف الاقتصاد بين الطرفين”، كالعجز عن النفقة من الرجل، أو إيهام عائلة زوجته أنه غني وهو فقير، وما إلى ذلك، وذكر سبعة أسباب أولها ما ذكرناه، وبهذا ثبتت الحقيقة التي سردناها أول الفصل بالواقع الذي يصوره ديوان العصر وهو الغناء، وبالواقع الذي تصوره التجارب البشرية كتجربة الإمام أبو عبادة نور الدين وأبوه المحامي طوال سنوات من العمل على الفتيا من جهة الإمام أبي عبادة نور الدين، والمحاماة من جهة أبيه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

رأي واحد حول “فصل: في أن الحبّ لا يزهر دون مال (مقدمة ابن خلدون الحديثة)

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s