يوم مثالي لحيوانات الكانغارو

يوم مثالي لحيوانات الكانغارو

مقدمة

الترجمة هي مَعين اساسي في الاداب كما لا يخفى ، بودلير ترجم (بو) و مارسيل ترجم رسكن ، بول اوستر ترجم دُررا من الادب الفرنسي للانجليزية وهاروكي اعاد ترجمة سالنجر لليابانية .

على ذكر سالنجر ، فان عنوان قصتنا هنا مستوحى من قصة لسالنجر اسمها (يوم مثالي لسمك الموز) ، والتي شجب ترجمتها للعربية الناقد نبيل توفيق حاتم (محقا طبعا ) ، فالعنوان الموجود في الطبعة العربية اليوم المرتجى لسمك الموز ، والاصح هو اليوم المثالي .. وعلى هذا ترجمنا القصة هنا باليوم المثالي ، رغم ان عنوان ‘اليوم المناسب لحيوانات الكانغارو ‘ يتماشى مع روح القصة ايضا .

على كل يسعى هاروكي الى توضيح انشغال بعض الناس بالمسرّات النفسية الصغيرة فيما يبدو للاخرين، لكنها كبيرة بالنسبة لهم (تحضير مدة شهر كامل لاجل زيارة صغير كانغارو ) ، ويبدو لنا الان في الشبكات الاجتماعية الكثير من المحتوى حول رؤية صغير الفيل ، الزرافة ، صغير الحوت وحيوانات من النادر ان نفكر بصغارها ( لم يحدث ان شاهد احد العلماء قرشا يلد وما زال هذا يشكل لغزا علميا ) فهذا الفضول العصري مبرر رغم اننا في عصر التطور الحديث والفضول لكل شيء..في القصة ايضا هناك الحديث الممتد (في القطار وفي الحديقة ) وفقط حول الكانغارو ..ربما نلمح ايضا تاثر فتاة بطل القصة بأمومة الكانغارو لان جدالها كان يدور حول “لم لا يمكث الصغير داخل جيب امه” ، هناك حديث ايضا حول تاثير الزمن ومروره بسرعة في القصة ، هاجس الحنين الى الطفولة واضح جدا وحماية الاباء للابناء و علاقات الاب-الام والام-الابن وغيرها ..وعموما القصة وجودية وتساؤلية حسب فهمي ..

 يوم مثالي لحيوان الكانغارو

يوم مثالي لحيوانات الكانغارو

أربعةُ حيوانات كانغارو كانوا في القفص – ذكرُ واحد و زوج اناث ومولود جديد لصغير كانغارو –

انا وصديقتي كنا نقف امام القفص ، لم تكن حديقة الحيوانات هذه شعبية جدا كي نبدأ بها ، مع انه كان صباح الاثنين .. الحيوانات تفوق الزوار عددا .. وبدون مبالغات : ولّد هذا في نفسي الاسى .

اهم امر لنا كان رؤية صغير الكانغارو ، والا فما الذي سيجعلنا نزور الحديقة ككل ؟

قبل شهر طالعنا في الصحيفة في القسم المحلي ولادة صغير الكانغارو ومن ذلك الحين ونحن ننتظر بفارغ الصبر يوما مناسبا كي نحظى برؤية الصغير ، لكن بشكل ما لم ياتي هذا اليوم المرتجى ، صباح احد الايام كانت السماء تمطر ، من بعدها وبشكل اكيد كانت الطرقات موحلة و ممتلئة بالطين ، ثم هبت الرياح ليومين متواصلين بشكل مجنون ، وصباح احد الايام الاخرى انتاب صديقتي الم اسنانها ،بعدها كانت لي بعض الاعمال لإنجازها في وسط المدينة .. لا احاول ان اطلق تصريحا عميقا هنا .. لكني اجرؤ واصارحكم : “هذه هي الحياة” .

وهكذا في كل الاحوال : مر ذلك الشهر .

يمكن لشهر ان يمر بهذا الشكل ، بالكاد اتذكر انني فعلت شيئا ما فيه ، احيانا اشعر اني انجزت اشياء كثيرة واحيانا اخرى و كأنني لم احقق شيئا ، فقط لما ياتي موزع الجرائد كي يتقاضى حقه في اخر الشهر عندها افكر واعرف ان شهرا كاملا انقضى وولى .

اجل ! هذه هي الحياة بالطبع .

اخيرا ، هذا الصباح قررنا الخروج لرؤية صغير الكانغارو ، استيقظنا على السادسة ، ازحنا الستائر ليطل علينا يوم مناسب لاجل الكانغارو ، اغتسلنا بسرعة، اطعمنا القط ، وضعنا الملابس في الة الغسيل ، اعتمرنا قبعاتنا الشمسية وانطلقنا ..

“هل تعتقد ان صغير الكانغارو مزال حيا ؟” سالتني ونحن في القطار

“متاكد انه كذلك ، لم اقرأ شيئا حول موته ، لو مات لكنت متاكدا انني قرات حول الامر “

“ربما ليس ميتا ، لكنه في مستشفى من المستشفيات “

“حسنا ، اظن انه لو حدث الامر لكتبوا عنه ايضا “

” لكن ماذا لو حدث انهيار عصبي واخفوه في مكان ما ؟ “

“وليد يحدث له انهيار عصبي ؟ “

“ليس الطفل ، الام ! ، ربما حدث لها صدمة نفسية وخبأوها هي وطفلها في غرفة خلفية مظلمة”

يا للنساء ! ، يفكرن بالفعل بكل السيناريوهات المحتملة ، فكرت ، متعجبا ، صدمة ؟ اي نوع من الصدمات يمكن ان تصيب الكانغارو ؟

” لو لم ار صغير الكانغارو الان لا اظن اني ساجد فرصة لرؤيته ابدا .” قالت

“لا اظن ذلك “

” اعني ، هل رايت واحدا من قبل ؟ “

” لا” قلت .

“هل انت جد متأكد من انك ستجد فرصة اخرى لرؤيته ؟”

“لا ادري “

“لهذا انا قلقة حول الامر “

” نعم ، لكن اسمعي ” رددت عليها ” لم ار زرافة تلد من قبل ، او حتى الحيتان تسبح ، لكن لماذا يكون الامر مهما عندما يتعلق بصغير كانغارو ؟”

“لانه صغير كانغارو ” قالت .. ” لهذا هو كذلك ” .

استسلمت وعدت لتصفح جريدتي ، لم افز مرة في نقاش مع فتاة .

الكانغارو كان بالطبع ، حيا وبصحة جيدة ، “ربما كان جنسه انثى ” يبدو اكبر مما ظهر في صورة الجريدة ، ولانه كان يقفز في قفص -الذي ضم حيوانات الكانغارو- لم يبدو انه صغير كانغارو اكثر منه كانغارو كاملا بجحم صغير هذا أحبط صديقتي.

“لم يعد صغيرا ..” قالت

” لا يزال كذلك ” قلت محاولا ان ابهجها قليلاً.

احطت ذراعي بخصرها وشددت عليها ، هزت رأسها ، اردت ان اواسيها لكن ما من شيء بدا انه سيغير الحقيقة الاساسية : ان الكانغر كبر ..لذا بقيت صامتا.

ذهبت الى محل المرطبات واشتريت علبتي ايس كريم بالشكولاطة ولما عدت كانت لا تزال مستندة على القفص تحدق في حيوانات الكانغارو

“لم يعد صغيرا ابدا ” كررت.

“انت متاكدة ؟ ” سالتها وانا امد لها يدي بإحدى علب الايس كريم .

“الصغير يجب ان يكون في جيب امه “

هززت راسي موافقا و لعقت الايس كريم .

“لكنه ليس في جيب امه “

حاولنا ان نحدد مكان الام ، فالاب عرفناه على الفور كان اكبر واهدأ حيوانات الكانغارو التي في القفص ، يبدو كمؤلف جفت مواهبه وعفا عليه الزمن ، واقفا يحدق ، يحدق في الاوراق داخل حوض تغذيتهم ، الكانغارو المبتقية كانت اناثا ، يشبهون بعضهم تماما ، في اللون والهيئة ، واي واحدة منهن يمكن ان تكون ام الصغير .

“واحدة فيهن يمكن ان تكون الام ، وواحدة لا يمكن ان تكون “

“اممم”

” اذن ، من هي التي لا يمكن ان تكون الام ؟”

“فهمتني ” قالت .

صغير الكانغارو كان يقفز على امتداد القفص ..احيانا يتوقف ويحفر الارض دون سبب واضح ، وكان يبدو انه(ها) يوجد الكثير مما يجعله مشغولا ، الصغير قفز بالقرب من ابيه ووقف ، يمضغ بعض الاوراق ، حفر في التراب ..انزعجت الاناث كانت متكئات على الارض وفجاة قفزت وبدات تنط حول بعضها البعض .

” كيف يمكن للكانغارو ان يقفزوا بسرعة هكذا ؟ “

“كي يتمكنوا من الفرار من اعدائهم “

“اي اعداء ؟”

“البشر ” قلت ” البشر يقتلونهم بأداة البومبرانغ وياكلونهم ” .

“ولم صغير الكانغارو يكون في جيب امه ؟”

” هكذا يمكنه النجاة معها ، لان الصغار لن تكون سريعة جدا “

” اذن هم يحمونه بهذه الطريقة ؟ “

اجل قلت ” هم يحمون كل صغارهم بهذه الطريقة”

” كم يستمرون من الزمن وهم يحمونهم هكذا ؟”

اعرف انه كان علي القراءة حول الكانغارو في الموسوعة قبل ان نخرج في نزهتنا هذه ، سيل من الاسئلة كهذا كان متوقعا تماما .

” شهر او شهرين على ما اعتقد “

” حسنا ، هذا الصغير عمره شهر واحد “

قالت وهي تراقب صغير الكانغارو . ” لذا فالمفترض انه يبقى في جيب امه ” .

“اممم” قلت ” اعتقد ذلك “

” هل تعتقد انه شعور رائع ان تكون في ذلك الجيب ؟ “

“نعم ، يبدو كذلك “

الشمس كانت في كبد السماء في هذا الوقت ، كنا نسمع هتافات الاولاد الصغار في المسبح القريب ..

“هل تودين ان تأكلي بعض الطعام ؟ ” سألتها .

“هوت-دوغ ” قالت ” وزجاجة كولا”

العامل على محل الطعام السريع كان طالبا جامعيا ، المحل كان عبارة عن شاحنة صغيرة ، استمعت ُلغناء ستيف ووندر و بيلي جويل الصادر من مكان ما في شاحنته بينما كنت انتظر الهوت-دوغ ، لما عدت لقفص الكانغارو قالت :”انظر “

واشارت الى احدى اناث الكانغارو ، ” انه داخل جيبها !”

وطبعا كان صغير الكانغارو داخل جيب امه ( بافتراض انها هي الام ) الجيب كان ممتلأ وزوج من الاذان المدببة وطرف من ذيله كانو يبدوان من الجيب، كان منظرا بهيجا ، وبكل تاكيد استحقت نزهتنا كل هذا العناء.

“يبدو انه ثقيل جدا عليها والصغير في جيبها “

“لا تقلقي ، الكانغارو حيوانات قوية “

“حقا ؟”

“بالطبع هم كذلك ، ولهذا تمكنوا من العيش “

حتى مع الشمس الحارقة لم تكن ام الكانغارو تتعرق ، بل تبدو وكانها احدى الامهات التي انتهت تسوقها فيما بعد الظهر في سوبرماركت اوياما واخذت استراحة في مقهى قريب.

” هي تحمي صغيرها ،صح ؟”

“نعم “

“اتسائل ان كان الصغير نائما ؟”

” ربما “

تناولنا شطيرتي الهوت دوغ ، شربنا زجاجات الكولا و غادرنا قفص الكانغارو .

حين غادرنا كان الاب الكنغر لايزال يحدق في حوض التغذية كانه يبحث عن شيء مفقود ، الام الكنغر وصغيرها اصبحوا وحدة واحدة ، مستريحان على امتداد الزمن ، الانثى الغامضة الاخرى كانت لا تزال تقفز حول القفص ، و كانها تختبر قدرتها على الجري ..يبدو انه كان يوما مميزا .. بالنظر الى ما حدث منذ قليل ..

“هل تود ان تشاركني شرابا ؟” قالت لي .

“بالطبع ” ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة من اليابانية للانجليزية فيليب غبرييل.

ترجمة للعربية : يونس بن عمارة .

3 آراء حول “يوم مثالي لحيوانات الكانغارو

  1. قبل شهر طالعنا في الصحيفة في القسم المحلي ولادة صغير الكانغارو ومن ذلك الحين ونحن ننتظر بفارغ الصبر يوما مناسبا كي نحظى برؤية الصغير ، لكن بشكل ما لم ياتي هذا اليوم المرتجى ، صباح احد الايام كانت السماء تمطر ، من بعدها وبشكل اكيد كانت الطرقات موحلة و ممتلئة بالطين ، ثم هبت الرياح ليومين متواصلين بشكل مجنون ، وصباح احد الايام الاخرى انتاب صديقتي الم اسنانها ،بعدها كانت لي بعض الاعمال لإنجازها في وسط المدينة .. لا احاول ان اطلق تصريحا عميقا هنا .. لكني اجرؤ واصارحكم : “هذه هي الحياة” .
    هذه هي الحياة …

    قصة جميلة لهاروكي الذي لم أقرأ له شيئا بعد ، شكرا لنقلها إلى العربية

    إعجاب

شاركني أفكارك!

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s