كيف تصبحُ أكثرَ إنتاجيةً؟

نزّل المقال بهيئة PDF من هنا:

قال لي:

لو أنك أحسنت استغلال الوقت الذي أمضيته في مشاهدة التلفاز، لتمكنت من تأليف رواية!

يصعب على المرء تخطئة هذا الشعور -فقضاء الوقت في تأليف رواية أحسن من قضائه في مشاهدة التلفاز بلا شك- لكن ماذا عن الافتراضات الكامنة؟ تشير مثل هذه التعليقات إلى أن الوقت “قابل للاستبدال” – أي أن الوقت الذي تقضيه في مشاهدة التلفزيون يمكن أن يُستغل بسهولة في كتابة رواية. وللأسف، هذا ليس صحيحًا.

وهو غير صحيح لأن هناك عدة مستويات لجودة الوقت. فلو كنتُ في طريقي إلى محطة المترو دون أن أصطحب دفتري، لصعب عليّ كتابة أكثر من بضع فقرات. ومن الصعب التركيز حال وجود الكثير من المقاطعات. وثمة أيضًا عنصر الحالة النفسية: فقد أكون سعيدًا ومتحمسًا ومستعدًّا للعمل على شيءٍ ما، لكن في أحيانٍ أخرى أكون حزينًا ومتعبًا ولا يمكنني عمل شيءٍ غير مشاهدة التلفاز.

إذا كنت تريد أن تكون أكثر إنتاجيةً ، فعليك إدراك هذه الحقيقة والتعامل معها:

  • أولاً، عليك أن تحقق أقصى استفادة من كل نوعيةٍ من الوقت.
  • وثانيًا، عليك محاولة جعل وقتك أعلى جودة.

اقض وقتك بفعالية

اختر مشاكل جيدة

الحياة قصيرة (أو هكذا قيل لي) فلِم تضيّعها وأنت تقوم بأمورٍ غبيةٍ؟ من السهل أن تنطلق في عملٍ معينٍ لأنه مناسب لك، لكن عليك أن تستمر في مساءلة نفسك دومًا. هل هناك شيء أكثر أهمية يمكنك العمل عليه؟ لم لا تفعل ذلك بدلا من هذا؟ يصعب مواجهة هذه الأسئلة (في النهاية، إذا اتبعت هذه القاعدة، فسيتعين عليك أن تسأل نفسك لماذا لا تعمل على أهم مشكلة في العالم) ولكن كل خطوة صغيرة تجعلك أكثر إنتاجية.

هذا لا يعني أنه يجب قضاء كل وقتك في حل المشكلة الأكثر أهمية في العالم. فالمشكلة التي أعمل عليها ليست الأهم (فأنا بصدد كتابة هذا المقال على أية حال). ومع ذلك فمن المؤكد أنه المعيار الذي أقيس به حياتي.

امتلك مجموعةً من المشاكل

هناك خرافة شائعة أخرى وهي أنك ستنجز المزيد إذا اخترت مشكلة واحدة وركزت عليها حصرًا. أعتقد أن هذا ليس صحيحًا بتاتًا. ففي هذه اللحظة على سبيل المثال: أنا أحاول تحسين شكلي، وتمرين عضلاتي، وشرب بعض السوائل، وتنظيف مكتبي، ومراسلة أخي، وكتابة هذا المقال.  وخلال هذا اليوم، عملت قليلًا على كتابة هذا المقال، وقرأت كتابًا، وتناولت بعض الفواكه، وأجبت بعض رسائل البريد، ودردشت مع الأصدقاء، وتسوّقت قليلًا، وأنجزت بعض المقالات الأخرى، واسترجعت القرص الصلب الخاص بي، ورتبت قائمة كتبي. عملت في الأسبوع الماضي على عدة مشاريع برمجية مختلفة، وقرأت العديد من الكتب، ودرست لغتين مختلفتين من لغات البرمجة، وقمت بنقل بعض أشيائي، وهكذا.

إن وجود الكثير من المشاريع المتنوعة يمكنك من شُغل مختلف مستويات جودة الوقت. بالإضافة لذلك سيكون بإمكانك الاستمرار في العمل في حال تعطلت في إحدى مشاريعك أو مللت منها (وقد يمنح هذا الفرصة لعقلك كي يجدد نفسه).

كما أن هذا يجعلك أكثر إبداعًا. إذ يأتي الإبداع من تطبيق الأمور التي تتعلمها في مجالات أخرى على المجال الذي تعمل فيه. فإذا كان لديك مجموعة من المشاريع المختلفة في مجالات مختلفة فستمتلك المزيد من الأفكار التي يمكنك تطبيقها.

أنشئ قائمةً

من المفترض أن يكون سهلًا عليك إعداد قائمة من الأمور التي تود العمل عليها؛ فمعظم الناس لديهم الكثير من الأشياء التي يريدون إنجازها. ولكن إذا حاولت الاحتفاظ بكل شيء في ذهنك فقد يصبح  الأمر مزعجًا. فالضغط النفسي الناتج عن ضرورة تذكر كل تلك الأشياء قد يقودك للجنون. الحل ببساطة: أن تكتب كل ذلك.

وبمجرد إعدادك لقائمة الأمور التي تريد إنجازها سيسهُل عليك تنظيمها حسب النوع. وعلى سبيل المثال، فقائمتي كالتالي: البرمجة والكتابة والتفكير والمهام المنزلية والقراءة والاستماع والمشاهدة (بهذا الترتيب).

تتضمن معظم المشاريع الكبرى مجموعةً من هذه المهام المختلفة. إن كتابة هذا المقال على سبيل المثال تتضمن القراءة حول أنظمة التسويف، والتفكير حول أقسام المقال، وتنظيف الجمل، وإرسال أسئلةٍ عبر البريد الإلكتروني لبعض الناس، وهلم جرًّا، وبالإضافة لكل هذا يوجد العمل الفعلي المتمثل في كتابة النص. يمكن إدراج كل مهمة ضمن القسم المناسب لها بحيث يتم إنجازها في الوقت المُلائم لها.

اِدمج القائمة في حياتك

بمجرد امتلاكك للقائمة تتحول المشكلة إلى ضرورة استذكار القائمة. وأفضل طريقةٍ لتذكرها هي أن تجعل ذلك أمرًا بديهيًّا تفعله آليًّا. فعلى سبيل المثال أنا أحتفظ بمجموعةٍ من الكتب على مكتبي، وأضع الكتب التي أقرؤها في القمة. فحين أرغب في قراءة كتابٍ ألتقط أول كتابٍ من كومة الكتب.

أفعل نفس الشيء مع التلفاز/ الأفلام. كلما سمعت عن فيلم أود مشاهدته أضعه في مجلد خاصٍّ على الحاسوب. والآن كلما رغبت في مشاهدة التلفاز أفتح ذلك المجلد.

لقد فكرت أيضًا في بعض الطرق الأكثر طفيليّةً للقيام بذلك. فكرت مثلًا في إنشاء نافذة منبثقةٍ تتضمن قائمةً من المقالات الموجودة في مجلد “للقراءة لاحقًا” كلما حاولت تفقد بعض المدونات. أو نافذةٍ أخرى تتضمن بعض المقترحات لأشغال عليّ القيام بها كلما حاولت  التهرب من أعمالي.

اِجعل وقتك أعلى جودة

سيوصلك استغلال وقتك حتى حدوده القصوى إلى حدودٍ معيّنة. لكن الأهم من ذلك أن تمنح نفسك أوقاتًا أكثر جودةً. إن أوقات معظم الناس تلتهمها أشياء مثل المدرسة والعمل. وإذا كنت ترتاد أحدها فمن الواضح أن عليك التوقف عن ذلك. لكن ماذا ستفعل بدلًا من ذلك؟

قلِّل من المعيقات المادية

اصطحب معك دفترًا وقلمًا

تحمل كل شخصيةٍ معتبرةٍ أعرفها نوعًا من دفاتر الجيب طوال الوقت. يعد القلم والورق مفيدًا على الفور في جميع الظروف – فقد تكون بحاجة إلى مراسلة شخصٍ حول أمرٍ ما، أو كتابة ملاحظات حول شيءٍ، أو تدوين فكرة، وما إلى ذلك. وقد كتبتُ مقالاتٍ بأكملها في المترو1.

(اعتدت على القيام بذلك، ولكني الآن أحمل هاتفي المحمول في كل مكان. لا يسمح لي هذا بمشاركة الفوائد مع الناس مباشرةً، ولكنه يعوض ذلك من خلال إتاحته لي قراءةَ رسائل البريد الإلكتروني، وإرسال ملاحظاتي مباشرة لصندوق البريد، حيث أُجبرتُ على التعامل معها فوريًّا).

تفادى المقاطعات

عليك تفادي المقاطعات حين تعمل على المهام التي تتطلب تركيزًا مكثّفًا. من الطرق البسيطة الانتقال إلى مكانٍ لا يصادفك فيه المقاطعون. ومن الطرق الأخرى التفاهم مع من حولك: “لا تزعجني عندما يكون الباب مغلقًا” أو “أرسل رسالة فورية إليّ إذا كنت أرتدي سماعات الرأس” (وبعد ذلك يمكنك تجاهل الرسائل الفورية حتى تفرغ من أشغالك).

ليس من المحبذ المبالغة في الأمر. إذا كنت تضيع الوقت حقًا، فيجب عليك أحيانًا أن تشتت انتباهك. فلاستغلالٍ أمثل لوقتك يمكنك مساعدة شخصٍ آخر في حل مشاكله بدل الجلوس وقراءة الأخبار. وهنا تكمن أهمية التفاهم “يمكنك مقاطعتي إذا لم أكن مركِّزًا بحق”.

خفِّف القيود العقلية

كُل، نم، مارس الرياضة

إن الوقت الذي تشعر فيه بالجوع أو التعب أو الاضطراب هو وقت رديء الجودة. حسّنه بأمورٍ بسيطةٍ: تناول الطعام ونم ومارس الرياضة. لكن ورغم بساطتها فقد أخفقت في تحقيقها واقعيًّا. لا أحب الخروج من أجل إحضار الطعام، وأعمل أحيانًا بشكلٍ مكثف حتى لو كنت جائعًا، وفي نهاية المطاف أكون متعبًا جدًّا لدرجة أني لا أتمكن من الخروج لإحضار الطعام2.

من المغري أن تقول لنفسك: “أعلم أنني متعب ولكن لا يمكنني أخذ قيلولة – لدي عمل لأقوم به”. في الواقع ستزيد إنتاجيتك إذا أخذت هذه القيلولة، حيث ستحسن من جودة الوقت المتبقي من اليوم وستضطر إلى النوم في وقت ما بعد ذلك على أي حال.

لا أمارس الرياضة كثيرًا، لذلك قد لا أكون الشخص الأمثل لإسداء النصائح في الموضوع، لكني أحاول ممارستها حيثما استطعت. فحين أستلقي للقراءة أقوم بتمرين بعض العضلات من نفس الوضعية. وعندما أحتاج إلى الذهاب إلى مكان ما سيرًا على الأقدام أقوم بالركض.

تحدث إلى الأشخاص المُبهِجين

إن تخفيف القيود العقلية أصعب بكثير من غيره. والشيء الوحيد الذي يساعد هو وجود أصدقاء بشوشين ومُبهجين. على سبيل المثال، أجد نفسي دائمًا أكثر ميلًا للعمل بعد التحدث إلى بول جراهام أو دان كونولي – فهما يُشِعان بالطاقة. من المغري التفكير في الابتعاد عن الناس وعزل نفسك في غرفتك للقيام بأي عمل جاد، ولكن هذا قد يكون محبطًا للغاية لدرجة أنه يجعلك أقل كفاءةً.

تشارك الأحمال

حتى إن لم يكن أصدقاءك من النوع المبهج، فإن العمل على حل المشاكل الصعبة رفقة شخصٍ آخر يجعلها أسهل بكثير. بسبب أن الحِمل العقلي ينتشر بين الشخصين المتشاركين. ومن ناحية أخرى فإن وجودَ شخصٍ آخر سيجبرك على العمل بدلاً من تشتيت انتباهك.

التسويف ومجال القوة العقلية

لكن كل هذا لا يعدو أن يكون تهربًا من المشكلة. مشكلة الإنتاجية الحقيقية التي يعاني منها الناس هي التسويف. وهناك سرٌّ صغيرٌ قذرٌ يقول: الجميع يسوّف -بشدة-. وليس أنت فقط. لكن هذا لا يعني أن عليك التوقف عن محاولة القضاء على التسويف.

ما هو التسويف؟ بالنسبة للمراقب الخارجي، التسويف هو أن تفعل شيئًا “ممتعًا” (مثل لعب لعبة أو قراءة الأخبار) بدلاً من القيام بعملك الفعلي. (وهذا ما يجعل المراقب الخارجي يعتقد -عادة- أنك كسولٌ وسيّءٌ) لكن السؤال الحقيقي هو: ما الذي يحدث داخل رأسك؟

لقد قضيت وقتًا لا بأس به في استكشاف المسألة، وأفضل طريقةٍ لوصفها هي أن عقلك يحيط المهمَّةَ بنوعٍ من مجال القوة العقلية. هل سبق لك اللعب بقطعتي مغناطيس؟ إذا قمت بتوجيه قطعتي المغناطيس بشكلٍ صحيحٍ وحاولت دفعهما تجاه بعضهما البعض فسوف يتنافران بشدة. وأثناء تحريكهما يمكنك الشعور بحدود المجال المغناطيسي. وبينما تحاول إلصاق قطعتي المغناطيس ببعضهما البعض فإن المجال سوف يدفعك للوراء أو بعيدًا في إتجاه آخر.

يبدو أن الكتل العقلية تعمل بنفس الطريقة. إنها ليست كتلًا صلبةً وهي غير مرئيةٍ لكن يمكنك الشعور بها نوعًا ما عند حدود مجال القوة العقلية. وكلما حاولت الخوض فيها كلما دفعتك بعيدًا. وبالتالي ليس من المستغرب أن ينتهي بك الأمر في اتجاه آخر3.

ومثلما لا يمكنك إجبار قطعتي المغناطيس على البقاء في مكانٍ واحدٍ من خلال الدفع بقوةٍ أكبر -إذ أنهما يبتعدان بمجرد توقفك عن الدفع- لم أتمكن من تجاوز هذه القوة العقلية بمجرد استعمال قوة الإرادة المطلقة. وبدلًا من ذلك عليك أن تحتال قليلًا – عليك تدوير قطعة المغناطيس.

إذن ما الذي يُنشئ مجال القوة العقلية؟ يبدو أن هناك عاملين رئيسيين: صعوبة المهمة، وإذا كنت مكلّفًا بها.

المشاكل الصعبة

قسّمها إلى مهامٍ

النوع الأول من المشاكل الصعبة هي المشاكل الكبيرة جدًا. لنفترض أنك تريد إنشاء برنامج تنظيم وصفات. لا أحد يستطيع إنشاء منظم وصفات بمجرد الجلوس والانطلاق في العمل. فهذا هدف وليس مهمةً. المهمة هي خطوة ملموسة محددة تتخذها نحو هدفك. وكمثالٍ لمهمة أولى مقبولة: “رسم نموذج بالحجم الطبيعي للشاشة يعرض وصفة”. وهذا شيءٌ يمكنك القيام به4.

وعندما تفعل ذلك، تصبح الخطوات التالية أكثر وضوحًا. عليك أن تقرر ماهية الوصفة، ونوع ميزات البحث المطلوبة، وكيفية هيكلة قاعدة بيانات الوصفات، وما إلى ذلك. بهذا الشكل أنت تبني زخمًا دافعًا، فكل مهمةٍ تقودك نحو المهمة التالية. ومع انشغال عقلك بالموضوع يسهل عليك أكثر فأكثر حلّ المشكلات المتعلقة به.

فحين أعمل على مشاريعي الكبيرة، أقوم بالتفكير حول كل الخطوات التالية، ثم أضيفها إلى قائمة مهامٍ مصنفةٍ (أنظر أعلاه). وعندما أنهي عملًا ما أضيف المهام المحتملة التالية بخصوصه إلى قائمة المهام.

بسّط المشكلة

من الأنواع الأخرى للمشاكل الكبيرة نجد المشاكل المعقدة أو الطموحة جدًّا. كتابة كتاب يبدو أمرًا شاقًا، لذا ابدأ بكتابة مقال. إذا كان المقال شيئًا كثيرًا عليك، فابدأ بكتابة ملخص بحجم فقرة. المهم أن يكون لديك شيء يمكن القيام به بشكلٍ فوريٍّ.

بمجرد حصولك على هذا الشيء ستحكم على المشكلة بشكل أكثر دقَّةً وستفهمها بشكلٍ أفضل. من الأسهل أيضًا تحسين شيء موجود بالفعل بدلاً من العمل في صفحة فارغة. فإذا استرسلت في كتابة الفقرة بطريقةٍ سلسة، فقد تحوّلها إلى مقالةٍ ومن ثمّ إلى كتابٍ، فكل مرةٍ تضيف قطعةً معقولةً من الكتابة، ورويدًا رويدًا يتشكل أمامك الكتاب.

تأملها مليًّا

غالبًا ما يكون مفتاح حل مشكلة صعبة هو الحصول على بعض الإلهام. إذا كنت لا تعرف الكثير عن المجال، فمن الواضح أن عليك البدأ بالبحث عنه – اطلع على ما فعله الآخرين، وتعرف على تضاريس المجال. اجلس وحاول فهم المجال بشكل إجمالي. قم بحل بعض المسائل الصغيرة لتتأكد أنك بدأت تتقن المجال.

المشاكل المكلّف بها

إن المشاكل المكلف بها هي المشاكل التي طُلب منك العمل على حلها. وقد وجدت العديد من التجارب النفسية أنه عندما تحاول “تحفيز” الناس على فعل شيء ما، فإن إحتمالية القيام به تنقص ومن المحتمل أن يقوموا به بشكلٍ سيء. المحفزات الخارجية مثل الجوائز والعقوبات، تقتل ما يسميه النفسانيون “الحافز الداخلي” – الاهتمام الطبيعي بالمشكلة. (وهذه إحدى الكشوفات المتواترة في علم النفس الإجتماعي – إذ وجدت أكثر من 70 دراسة أن الجوائز تقوّض الاهتمام بالمشكلة)5. ويبدو أن عقول الناس مبرمجة بشكلٍ يجعلها تتجنب تلقي الأوامر6.

الغريب في هذه الظاهرة أنها ليست محصورةً في الأشخاص الآخرين – بل تشملك شخصيًّا حين تحاول إخبار نفسك بما يتوجب عليك القيام به. إذا قلت لنفسك: “يتوجب عليّ فعليًّا إنجاز الأمر x، فهذا هو أهم شيء يجب القيام به الآن” وفجأة يصبح العمل على الأمر x أصعب شيءٍ في الوجود تجاهد نفسك للقيام به. وبمجرد أن يصبح القيام بالأمر  y أهم، يصبح نفس الأمر x أسهل بكثيرٍ.

أنشئ مهمةً زائفة

وهذا الحل واضحٌ إلى حدٍّ ما: إذا كان عليك العمل على المهمة x، فأخبر نفسك أنّ عليك القيام بالمهمة y. ولسوء الحظ فمن الصعب خداع نفسك عن قصدٍ، لأنك تعرف ما أنت بصدد القيام به7. لذلك عليك التحايل قليلًا.

من الطرق المناسبة أن تطلب من شخصٍ أن يُوكل إليك مهمة ما. ومن أشهر الأمثلة في هذا الصدد هم الطلبة المتخرجون إذ يتوجب عليهم كتابة أطروحة، وهي مهمةً صعبة مشروطةٌ للتخرج. ولتجنب القيام بها تجدهم يقومون بكل أنواع المهام الصعبة الأخرى.

يجب أن تكون المهمة ذات أولوية عظمى (عليك القيام بهذا لتتخرج!) وأن تكون كبيرةً (مئات الصفحات بجودةٍ عاليةٍ!) ولكن يجب ألا تكون بالأهمية التي تجعل التخلي عنها كارثيًّا.

لا تكلف نفسك بحل المشاكل

من المغري جدًّا قول التالي: “حسنًا، يتوجب عليّ إيقاف كل شيء والاعتكاف لإنهاء هذا المقال”. والأسوء من ذلك محاولة رشوة نفسك للقيام بأمرٍ ما بأن تقول: “حسنًا، إذا أنهيت هذا المقال فسأتناول بعض الحلوى”. لكن الأسوأ على الإطلاق هو أن تجعل شخصًا آخر يحاول إجبارك على فعل شيء ما.

كل هذه الأشياء مغرية للغاية -لقد فعلت ذلك بنفسي- لكنها نتائجها عكسيةٌ تمامًا. في جميع الحالات الثلاث السابقة ما قمت به هو تكليف نفسك بمهمةٍ. وبالتالي فسيقوم دماغك باستعمال كل الحيل للتهرب من الأمر.

أضف شيئًا من المتعة

يُقال لنا أن العمل الجاد لا يكون ممتعًا. لكني أجده في الواقع أكثر الأمور إمتاعًا. لا يقتصر الأمر على أن المهام الصعبة تستغرقك تمامًا خلال محاول حلها، بل يتعدى الأمر إلى الشعور الرائع عند إنهاء مسألةٍ جديةٍ.

لذا فإن السر وراء حث نفسك على القيام بشيء ما لا يكمن في إقناع نفسك بضرورة القيام بذلك بل إقناع نفسك بأنه ممتع. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فأنت بحاجة إلى جعله ممتعًا.

بدأت في تطبيق هذا الأمر جديًّا حين كان عليّ كتابة بعض المقالات في الكليّة. إن كتابة المقالات ليست مهمّةً صعبةً للغاية، لكني مكلف بها بالتأكيد. فمن يرغب في كتابة بضع صفحات طواعيةً رابطًا ملاحظات كتابين عشوائيين. لذلك بدأت في تحويل المقالات إلى نكات صغيرة خاصة بي. فعلى سبيل المثال، قررت كتابة كل فقرةٍ بأسلوبٍ خاص، وبذلت جهدي لتقليد مختلف أساليب الكلام. (وكانت نتيجة ذلك إضافتي للكثير من الحشو)8.

هناك طريقة أخرى لجعل الأشياء أكثر متعة وهي حل المشكلة الفوقية. فبدلًا من إنشاء تطبيق ويب، حاول إنشاء إطارٍ لبناء تطبيقات الويب، وتكون مهمتك مثالًا. ولن تكون المهمة أكثر متعةً فحسب، وإنما سيكون الناتج أكثر فائدةً أيضًا.

استنتاج

تحوم حول الإنتاجية العديد من الخرافات منها أن الوقت قابلٌ للاستبدال، وأن التركيز جيد مطلقًا، وأن رشوة نفسك أمرٌ فعال، وأن العمل الجاد غير مسلي، وأن التسويف أمر غير عادي- لكن الأمر المشترك بينها هو: اعتبار العمل الحقيقي مخالفًا للميولات الطبيعية للإنسان.

وقد يكون هذا صحيحًا لأغلب البشر وأغلب الوظائف. فلا سبب يدفعك لكتابات مقالاتٍ مملةٍ أو ملء مذكرات تافهة. وإذا كان المجتمع يجبرك على القيام بذلك فيلزمك حينئذٍ تعلم حجب الأصوات في رأسك التي تطلب منك التوقف.

ولكن إذا كان عملك مهمًّا وإبداعيًّا فليس من الصواب إغلاق رأسك تمامًا. السر الحقيقي للإنتاجية عكس ذلك، وهو: الاستماع إلى جسدك. أن تأكل عندما تكون جائعًا، وأن تنام عندما تكون متعبًا، ولتأخذ استراحةً عندما تشعر بالملل، ولتعمل على مشاريع تبدو ممتعة ومثيرة للاهتمام.

يبدو الأمر بسيطًا جدًا. لا يتضمن أي اختصارات خيالية أو ضبطًا للنفس أو شهاداتٍ شخصيةٍ من رجال الأعمال الناجحين. ويبدو كمسلّمات بديهيّةٍ. لكن المفاهيم المجتمعية المتعلقة بالعمل تدفعنا في الاتجاه المعاكس. إذا أردنا أن نكون أكثر إنتاجية فكل ما علينا فعله هو أن نستدير حول العوائق.

للمزيد من الإطلاع

إذا كنت تريد معرفة المزيد عن علم نفس التحفيز فلا أحسن من ألفي كون (Alfie Kohn). لقد كتب العديد من المقالات حول هذا الموضوع ونشر كتابًا كاملاً بعنوان “معاقبٌ بالمكافآت” والذي أوصي به بشدة.

آمل التطرق إلى موضوع كيفية مغادرة مقاعد الدراسة، لكن ما عليك فعله حاليًا هو التجوال في المكتبات واقتناء كتاب “دليل تحرير المراهق“. وإذا كنت من محترفي الحاسوب، فمن طرق ترك مقاعد الدراسة الحصول على تمويلٍ من طرف حاضنة الأعمال Y Combinator.  وفي الوقت نفسه، يعرض كتاب مايكي زاد (Mickey Z) “اغتيال سنين حياتي” قصص فنانين ونشطاء تمكنوا من تغطية نفقاتهم مع الاستمرار في ممارسة شغفهم.


هوامش

  1. سواء صدَّقت هذا أم لا فقد كنت أكتب في قطار الأنفاق. من السهل اختلاق الأعذار لتبرير عدم قيامك بأي عمل -ليس لديك متسعٌ من الوقت حتى الاجتماع التالي، أو أن الضجيج عالٍ في شقق عمارتك، إلخ- لكن حين يباغتني الإلهام تجدني أكتب ولو كنت في عربة قطار الأنفاق، حيث الضجيج ولا أملك إلا بضع دقائق قبل الخروج من العربة للمشي.
  2. نفس المشكلة تنطبق على النوم. أسوء شعور أن تكون متعبًا لدرجة أنك لا تستطيع الذهاب للنوم – تشعر وكأنك بين الحياة والموت.
  3. اتضح لي الآن أن نفس الظاهرة تنطبق على مجالٍ آخر وهو: الخجل. أحيانًا لا أملك الرغبة للاتصال بغريبٍ على الهاتف، أو التحدث مع شخصٍ في حفلةٍ ما، وأجد نفس الحقل العقلي يدفعني بعيدًا في الاتجاه المعاكس. وأظن أن هذا يحدث لأن الخجل ينتج عن مشاكل في مرحلة الطفولة. أنظر قسم (المشاكل المكلف بها) من هذا المقال. وبالطبع هذا لا يعدو أن يكون تخمينًا.
  4. وفيما أستعمل هنا مصطلح “خطوة ملموسة محددة” وهو مقتبس من كتاب دايفيد ألان (David Allen) “إنجاز الأمور” (Getting Things Done)، فإن العديد من المفاهيم المذكورة مقتبسة (لاإراديًّا ربمًا) من مفاهيم البرمجة القصوى.والبرمجة القصوى هي منهجية لتنظيم البرمجيات، لكن يمكن اعتبار الكثير من مفاهيمها كنصائح لتجنب التسويف.
    • البرمجة الزوجية (pair programming) على سبيل المثال توزّع بشكلٍ آليٍّ الحمولة العقلية للمهمة بين شخصين، وتوفر لهما مهام مفيدة يمكنهما إنجازها في الأوقات ذات الجودة المتدنية. وتقسيم المشروع إلى مهام محددة أحد أهم مراحل البرمجة القصوى، وكذلك تحديد مهامٍ يمكن إنجازها فوريًّا والتحسين بناءً عليها (راجع فقرة “بسّط المشكلة” من هذا المقال). وهذه الأمور لا تتعلق بالبرمجة فحسب.
  5. وللحصول على نظرة شاملة لهذا المفهوم اطلع على كتاب “معاقبون بالمكافآت” لألفي كون. تم استخلاص هذا الإدعاء من مقالته “تحدي إدعاءات السلوكيين: خرافات حول المال والدوافع“.
  6. افترضت في الأصل أن هذه السمة مغروسةٌ فينا بيولوجيًّا، لكن بول غراهام أشار إلى أنها قد تكون مكتسبةً بالتعلم. ففي صغرك يحاول والداك بشتى الطرق التلاعب بسلوكياتك. فهم يحاولون إجبارك على القيام بواجباتك فيما يفكر عقلك في أمورٍ أخرى. وسرعان ما يصبح التملص عادةً. وفي كلتا الحالتين سيكون من الصعب التخلص من المشكلة. وقد تخليت عن محاولات التخلص من المشكلة وقررت التحايل عليها.
  7. يروي ريتشارد فاينمان قصةً يقول فيها أنه كان يحاول استكشاف أحلامه مثلما كنت أستكشف موضوع التسويف عندي. فكان يلاحظ ما يحدث له أثناء خلوده للنوم كل ليلة:
    • “كنت في إحدى الليالي ألاحظ أحلامي كالعادة.. ثم أدركت أن مؤخرة رأسي كانت موضوعةً على قطعةٍ نحاسيةٍ. تحسست رأسي بيدي فشعرت أن مؤخرة رأسي ناعمة. فقلت بانتصارٍ أن القطعة النحاسية هي ما يجعلني أتمكن من ملاحظة أحلامي إذ أنها شوشت على القشرة البصرية. إذًا كل ما عليَّ فعله هو وضع القطعة النحاسية تحت رأسي عند النوم وملاحظة أحلامي وقتما أردت. لذلك سأتوقف عن ملاحظة أحلامي والاستغراق في النوم هذه الليلة”. ولما استيقظت بعد ذلك لم أجد أي قطعة نحاسية ولم تكن مؤخرة رأسي ناعمةً. فبطريقةٍ ما خدعني عقلي وأنشأ أسبابًا وهميةً تقنعني بالتوقف عن “ملاحظة أحلامي”. (بالتأكيد أنت تمزح، سيد فاينمان!، ص 50) المغزى: عقلك أقوى بكثير منك.
  8. فعلى سبيل المثال، بدلًا من كتابة “وعلى النقيض، ريس لا يقتبس من الكثير من الناس”، كتبت:
    • “ومع ذلك نجد ريس -سواء كان ذلك بسبب عجز شخصي في القدرة القائمة على المهارات المطلوبة لجمع الإثنوغرافيات المعاصرة المنقولة شفويًّا والتي تتمحور حول الشخص في حسابات إعلامية منشورة ورقية أو ببساطة بسبب عدم تفضيل التقارير الصحفية لمرسلي المعلومات الموجودين في المجتمع- يمثّل فشلًا ذريعًا في تحقيق نتائج مماثلة”. ويبدو أن البروفيسور الحساس تجاه الكتابات السيئة لم يدرك بتاتًا أني كنت أمزح (رغم تفحصنا للورقة معًا وجهًا لوجه).

الكاتب

هارون شوارتز (Aaron Swartz) كاتب وعالم متخصص في علم الاجتماع التطبيقي، حساب هارون شوارتز على تويتر، مدونته: فكرٌ خام. [المؤلف متوفي لكن آثاره جديرة بالبقاء].


رابط المقال الأصلي

المقال مندرج تحت رخصة نَسْبُ الـمُصنَّف، غير تجاري، الترخيص بالمثل 4.0 دولي. وهي تسمح بالترجمة لأغراض غير تجارية.

ترجمها للعربية: مصطفى بوشن.

نُشرت المقالة لأول مرة بالعربية في مدونة يونس بن عمارة.


حقوق الصورة البارزة: Photo by Ryland Dean on Unsplash

رأيان حول “كيف تصبحُ أكثرَ إنتاجيةً؟

  1. ترجمة جميلة.. أرجو إضافة (pair programming) بعد “البرمجة الزوجية” لأنها مصطلح يعني برمجة اثنين معا في نفس الوقت على نفس المشكلة. ربما يحسن إضافة رابط للمصطلح على ويكيبيديا..

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على واثق الشويطر (Watheq Alshowaiter) إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s